ــ[1]ــ

ــ[2]ــ

ــ[3]ــ

ــ[4]ــ

ــ[5]ــ

 بسم الله الرحمن الرحيم

      الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبيّنا محمد وآله الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى قيام الدين .

ــ[6]ــ

ــ[7]ــ

 فصل فيما يستقبل له

   يجب الاستقبال في مواضع : أحدها الصلوات اليومية (1)

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) لا إشكال في اعتبار الاستقبال في الصلوات اليومية ، ويشهد له ـ مضافاً إلى الإجماع من المسلمين ، بل لعله من ضروريات الدين ـ قوله تعالى : (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْـمَسْجِدِ الْحَرَامِ . . .) الخ(1) بضميمة النصوص الكثيرة الواردة في تفسير الآية المباركة ، المتضمنة لكيفية تحويل القبلة وهو (صلى الله عليه وآله) في صلاة الظهر أو في صلاة العصر(2) التي لا تبعد فيها دعوى التواتر فلاحظ .

   ويدلّ عليه أيضاً صحيح زرارة : «لا صلاة إلا إلى القبلة»(3) فانّها ظاهرة في نفي حقيقة الصلاة عن الفاقدة للاستقبال على حدّ قوله (عليه السلام) : لا صلاة إلا مع الطهور أو بفاتحة الكتاب(4) ، بل مقتضى إطلاق هذا الظهور اعتبار الاستقبال في حالتي العجز والاختيار كما في المثالين ، فيحكم بسقوط الصلاة لدى العجز عن الشرط لانتفاء المشروط بانتفاء الشرط ، لكن يرفع اليد عن هذا الظهور بمقتضى الأخبار الاُخر الدالة على سقوط هذا الشرط لدى العجز وأنّه «يجزئ المتحير أبداً أينما توجه إذا لم يعلم أين وجه القبلة»(5) كما مرّ .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) البقرة 2 : 149 .

(2) منها ما في الوسائل 4 : 297 / أبواب القبلة ب 2 .

(3) الوسائل 4 : 312 / أبواب القبلة ب 9 ح 2 .

(4) الوسائل 1 : 365 / أبواب الوضوء ب 1 ح 1 ، 6 : 37 / أبواب القراءة في الصلاة ب 1 .

(5) الوسائل 4 : 311 / أبواب القبلة ب 8 ح 2 .

ــ[8]ــ

أداءً وقضاءً (1) وتوابعها من صلاة الاحتياط للشكوك (2) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   ويدلّ عليه أيضاً استثناء القبلة في صحيحة لا تعاد(1) ، فانّ الأمر بالإعادة عند الإخلال بالقبلة نسياناً يدلّ على اعتبارها في الصلاة ودخلها فيها كما هو ظاهر .

   (1) كما يدلّ عليه بعد الإجماع وإطلاق ما تقدم ما دلّ على أنّ صلاة القضاء هي بعينها الصلاة الأدائية(2) ولا فرق بينهما إلا من حيث الوقوع في الوقت وخارجه ، فكلّ ما يعتبر في الثانية بعينه معتبر في الاُولى بملاك واحد .

   (2) وهذا أيضاً لا إشكال فيه ، سواء قلنا بأنّ ركعة الاحتياط جزء من الصلاة حقيقة قد تأخّر ظرفها تعبداً والتسليم مغتفر ، أم قلنا بأنّها ركعة مستقلة يتدارك معها النقص المحتمل .

   أمّا على الاوّل فاعتبار الاستقبال فيها ظاهر . وكذا على الثاني ، فانّ التدارك والجبر لا يكاد يتحقق إلا مع التحفظ على كلّ ما يعتبر في الركعة المنجبرة من الأجزاء والشرائط التي منها الاستقبال .

   وبالجملة : مفهوم الاحتياط الذي تتقوم به حقيقة هذه الركعة يستدعي رعاية الشرط المزبور ، وإلا فليس ذلك من الاحتياط في شيء كما لا يخفى .

   ولا ينافيه ما في بعض الأخبار من التعبير عنها بالنفل على تقدير عدم النقص ، بناءً على عدم اعتبار الاستقبال في النافلة حتى في حال الاستقرار . بداهة أنّ الحكم عليها بالنافلة فرع وقوعها على صفة الصحة على كل تقدير ومع عدم الاستقبال لا تتصف بالصحة على تقدير النقص واقعاً كما عرفت آنفاً . فلا بدّ من الفراغ عن صحتها المنوطة برعاية الشرط المزبور ثم الحكم عليها بكونها نافلة عند انكشاف عدم النقص .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 4 : 312 / أبواب القبلة ب 9 ح 1 .

(2) [لعل نظره الى قوله (عليه السلام): «يقضي ما فات كما فات» . راجع الوسائل 8 : 268 /    أبواب قضاء الصلوات ب 6 وغيره] .

ــ[9]ــ

وقضاء الأجزاء المنسية (1) بل وسجدتي السهو((1)) (2)

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) والوجه في اعتبار الاستقبال فيها ظاهر جداً ، فانّ السجدة المقضية مثلاً بعينها هي السجدة الصلاتية ، فهي جزء من الصلاة حقيقة وإن تأخر ظرفها لدى النسيان فيدلّ على اعتبار الشرط المزبور فيها كل ما دلّ على اعتباره في أصل الصلاة ، إذ المركّب ليس إلا نفس الأجزاء بالأسر ، فكلّ ما يعتبر في صحة الصلاة معتبر في أجزائها لا محالة .

   (2) هذا لا دليل عليه ، لعدم كونهما من أجزاء الصلاة كي يدل على اعتباره فيهما ما دل على اعتباره في الصلاة ـ كما في الأجزاء المنسية على ما مرّ ـ ولذا لا يكون الإخلال بهما ولو عمداً موجباً لبطلان الصلاة وإن كان آثماً ، بل هما عمل مستقل شرعتا لإرغام أنف الشيطان الذي هو الموسوس في الصدر والموقع للإنسان في السهو ، فيتدارك ذلك بأبغض الأشياء اليه وهو السجود كي لا يعود ، ومن هنا سميتا بالمرغمتين كما صرّح بذلك في الأخبار(2) ، ولا دليل على اعتبار الاستقبال في هذا العمل المستقل .

   نعم ، ورد في بعض الأخبار المتضمنة لسهو النبي (صلى الله عليه وآله) أنّه قال (عليه السلام) : «فاستقبل القبلة وكبّر وهو جالس ثم سجد سجدتين»(3) لكنّها مضافاً إلى ضعف سندها وإلى اشتمالها على ما لا يعوّل به معظم الشيعة من تجويز السهو على النبي (صلى الله عليه وآله) قاصرة الدلالة على المطلوب فانّها حكاية فعل لا لسان له كي يدل على الوجوب ، بل غايته الرجحان ، ولا إشكال في رجحان الاستقبال في هاتين السجدتين ، وإن كان الاحتياط مما لا ينبغي تركه .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) على الأحوط .

(2) ، (3) الوسائل 8 : 233 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 19 ح 9 .

ــ[10]ــ

وكذا فيما لو صارت مستحبة بالعارض كالمعادة جماعة أو احتياطا (1) .

   وكذا في سائر الصلوات الواجبة كالآيات ، بل وكذا في صلاة الأموات (2) ويشترط في صلاة النافلة في حالة الاستقرار((1)) (3) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) أمّا المعادة احتياطاً وجوباً أو استحباباً فلعدم تأدّي الاحتياط إلا بالإتيان بالفعل واجداً لجميع ما يعتبر فيه كي يرتفع معه احتمال عدم الاتيان بالواقع ، ولا يتحقق ذلك إلا مع رعاية الاستقبال كما هو ظاهر جداً .

   وأمّا المعادة جماعة فلأن معنى الإعادة هو الإتيان بالوجود الثاني للطبيعة ولا يكون ذلك إلا مع اشتراكه مع الوجود الأوّل في جميع الخصوصيات ، وإلا لم يكن إعادة له كما هو واضح ، ومن هنا ذكر في بعض روايات الباب أنّ الله يختار أحبّهما إليه(2) .

   (2) لإطلاق الأدلة المتقدمة في الصلوات اليومية ، وإن كان شمولها لمثل صلاة الاموات مبنياً على ضرب من التوسع كما لا يخفى ، لعدم كونها من حقيقة الصلاة في شيء ، وإنما هي تكبير وتحميد ودعاء وتهليل ، إلا أنّه تكفينا الأدلّة الخاصة الدالّة على اعتبار الاستقبال فيها بالخصوص كما تقدمت في صلاة الجنائز(3) .

   (3) يقع الكلام تارة في اعتبار الاستقبال في النافلة حال الاستقرار ، واُخرى في اعتباره فيها حال السير من المشي أو الركوب في السفر أو الحضر ، فالكلام يقع في مقامين :

   أمّا المقام الأوّل : فقد نسب إلى المشهور اعتبار الاستقبال عند الاستقرار لكن المحكي عن الشهيد في الذكرى أنّ جماعة كثيرين من القدماء والمتأخرين

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) على الأحوط .

(2) الوسائل 8 : 403 / أبواب صلاة الجماعة ب 54 ح 10 .

(3) شرح العروة 9 : 256 .

ــ[11]ــ

ذهبوا إلى عدم الاشتراط(1) فيظهر من ذلك أنّ المسألة ذات قولين من دون شهرة في البين ، وإن كان لا يبعد أن يكون المشهور هو الأول لكثرة القائل به وقد ذهب إلى الثاني الشهيد في الذكرى(2) وهو ظاهر إطلاق المحقق في الشرائع(3) وصريح المحقق الهمداني(4) وغيرهم .

   وكيف كان ، فالمتّبع هوالدليل . ويقع الكلام حينئذ تارة في وجود المقتضي للاشتراط المزبور ، واُخرى في وجود المانع بعد الفراغ عن المقتضي ، فهنا جهتان :

   أمّا الجهة الاُولى : فقد استدلّ لاشتراط الاستقبال في المقام بوجوه :

   الأوّل : أنّ العبادات توقيفيّة ، فما لم يثبت ترخيص من قبل الشارع في الإتيان بها بكيفية خاصة لم يكن مساغ للحكم بمشروعيته ، والمقدار الثابت من مشروعية النوافل الإتيان بها مراعياً للاستقبال دون غيره ، فبمقتضى أصالة التوقيفية يحكم بعدم المشروعية .

   ويندفع : بما حقق في الاُصول من جواز الرجوع إلى أصالة البراءة عند الشك في الجزئية أو الشرطية أو المانعية في الدوران بين الأقل والأكثر الارتباطيين(5) فاعتبار الاستقبال في النوافل مشكوك يدفع بالبراءة ، وبها تثبت المشروعية ، ومعه لا مجال لدعوى التوقيفية كما لا يخفى .

   الثاني : قاعدة إلحاق النوافل بالفرائض ومشاركتهما في جميع الخصوصيات ما لم يثبت الخلاف .

   وهذا الوجه جيد ، وتوضيحه : أنّ الفرض والنفل ليسا من الخصوصيات

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الذكرى 3 : 86 .

(2) الذكرى 3 : 188 [لعلّه استفاد ذلك من عنوان المسألة الاُولى] .

(3) الشرائع 1 : 80 .

(4) مصباح الفقيه (الصلاة) : 108 السطر 18 .

(5) مصباح الاصول 2 : 426 .

ــ[12]ــ

التي تتغير معها حقيقة المأمور به وماهيّة ما تعلّق به الطلب ، بل الطبيعة الصلاتية مثلاً قد يطرؤها الوجوب واُخرى يحكم عليها بالندب مع اتحاد الماهية في كلتيهما على حدّ سواء ، فبعدما بيّن الشارع الأقدس حقيقة الصلاة الواجبة بما لها من الأجزاء والشرائط ، ثم قال : صلّ ركعتين تطوعاً أو تنفّل ثمان ركعات جوف الليل . لا ينسبق من ذلك إلى الذهن إلا إرادة نفس تلك الصلاة المعهودة التي بيّنها لدى تشريع الفريضة .

   ومن هنا لا يكاد يشك أحد في شرطية الطهارة في النافلة ولزوم السجدتين ، وكذا الركوع قبلهما لا في الأثناء ولا بعدهما ، وكذا مانعية النجاسة ولبس ما لا يؤكل وغير ذلك من سائر الأجزاء والشرائط والموانع ، مع أنّه لم يرد تنصيص على شيء من ذلك في باب النوافل بالخصوص . وليس ذلك إلا من جهة الاعتماد في هذه الأمور على ما هو المقرّر في الشريعة المقدسة لبيان ماهية الصلاة التي لا يفرق الحال فيها بحسب الفهم العرفي بين اتصافها بالوجوب أو الاستحباب ما لم يصرّح الشارع بالفرق بينهما في بعض الأحيان بل لو لم يرد تجويز التنفل مستدبراً حال السير لم يكن مجال لتوهمه حال الاستقرار لما ذكر .

   وكذا الحال في غير الصلاة من الصوم ونحوه من سائر العبادات ، فاذا ورد ـ بعد بيان حقيقة الصوم الواجب وما يكون مفطراً له ـ استحباب الصوم أول رجب مثلاً لم يفهم منه إلا إرادة ذلك الصوم بعينه ، فلا حاجة إلى بيان انّ الارتماس مثلاً مفطر لهذا الصوم بالخصوص ، بل يعتمد على البيان الأول .

   وعلى الجملة : فالقاعدة الأولية المرتكزة في أذهان المتشرعة تقتضي مشاركة النفل مع الفرض في جميع الخصوصيات ما لم يرد تنصيص على الخلاف ، ومقتضاها اعتبار الاستقبال في النافلة حال الاستقرار كما في الفريضة .

   الثالث : حديث لا تعاد(1) ، فانّ استثناء القبلة يكشف عن دخلها في حقيقة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 4 : 312 / أبواب القبلة ب 9 ح 1 .

ــ[13]ــ

الصلاة كبقية المذكورات ، ولذا أمر بالإعادة عند الإخلال بها ولو نسياناً ومقتضى الإطلاق عدم الفرق بين الفريضة والنافلة .

   وفيه : انّ الحديث لم يرد في مقام التشريع كي ينعقد له الإطلاق ، بل سيق لبيان الإطلاق والتقييد في أجزاء الصلاة وشرائطها بالإضافة إلى حالتي الاختيار والاضطرار ، وأنّها مختلفة من هذه الجهة ، فما عدا الخمسة بأجمعه مختص بحال التمكّن ، وأمّا الخمسة المستثناة ـ المعتبرة بأدلتها في مواردها على ما هي عليها من عموم أو خصوص ـ فقد لوحظ اعتبارها على سبيل الإطلاق ، فالحديث وارد لبيان حكم آخر ، فلا يستفاد منه أنّ مطلق الصلاة تعاد لكلّ من هذه الخمسة كما لا يخفى .

   الرابع : ـ وهو العمدة ـ صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) : «قال : لا صلاة إلا إلى القبلة ، قال قلت : أين حدّ القبلة ؟ قال : ما بين المشرق والمغرب قبلة كلّه ، قال قلت : فمن صلّى لغير القبلة أو في يوم غيم في غير الوقت ، قال : يعيد»(1) . فانّ قوله (عليه السلام) في الصدر : «لا صلاة إلا إلى القبلة» الظاهر في نفي الحقيقة عن الفاقد لها شامل بمقتضى الإطلاق للفريضة والنافلة ، غايته أنّه خرج عنه حال العجز مطلقاً ، وحال السير في خصوص النوافل بالأدلّة الخاصة فيبقى الباقي تحت الإطلاق .

   وقد نوقش فيها من وجهين :

   أحدهما : أنّه لا يمكن الأخذ باطلاق الصدر بعد اختصاص الذيل وهو قوله (عليه السلام) : «يعيد» بالفريضة ، لوضوح عدم وجوب إعادة النافلة الفاقدة لشرط أو جزء ، فيكون ذلك قرينة على تخصيص الصدر بها . ويؤيده اشتمال الذيل على الوقت مع انّ التوقيت شأن الفريضة دون النافلة .

   ويندفع :بابتناء الإشكال على ظهور قوله (عليه السلام) : «يعيد» في الوجوب المولوي كي يختص بالفريضة ، وليس كذلك بل هو إرشاد إلى فساد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 4 : 312 / أبواب القبلة ب 9 ح 2 .

ــ[14]ــ

الصلاة وبطلان العبادة من جهة فقد الشرط أو الاقتران بالمانع المشترك بين الفريضة والنافلة من دون أن يتضمّن حكماً مولوياً أصلاً ، وكم له نظير في لسان الأخبار .

   وأمّا التأييد فساقط جداً ، فانّ النوافل الموقتة ليست بعزيزة كالرواتب اليومية وغيرها ، فلا يختصّ التوقيت بالفرائض بالضرورة .

   هذا ومع الغض عما ذكر وتسليم اختصاص الذيل بالفريضة فهو سؤال وجواب مستقل لا ربط له بالصدر ، بحيث لو فرض عدم تذييله به لم يكن خلل في استفادة المراد منه وظهوره في الإطلاق ، ولما تعرض الإمام (عليه السلام) لهذا الجواب كي يكون شاهداً على المراد . فالسؤال الثاني الذي يتضمنه الذيل ليس من متممات الصدر كي يكون قرينة للتصرف فيه ، بل هو مستقل برأسه غير منوط بما قبله ، منفصل عما تقدمه ، فلا مقتضي لتخصيص الصدر به أصلاً كما لا يخفى ، فتدبّر جيداً .

   ثانيهما : ما ذكره المحقق الهمداني (قدس سره)(1) من عدم ظهور للصحيحة في الإطلاق بحيث يشمل الفريضة والنافلة .

   وحاصل ما أفاده (قدس سره) في المقام : أنّ تعلّق الحكم بأفراد الطبيعة على سبيل الاستغراق بنحو يتضمّن العموم الأفرادي والأحوالي قد يكون مع تعدد الدالّ والمدلول ، واُخرى مع وحدة الدالّ وإن تعدد المدلول .

   فالأوّل كما في ألفاظ العموم مثل قوله : أكرم كل عالم . فانّ أداة العموم لا تدلّ إلا على شمول الحكم وسريانه لكلّ فرد فرد ، وأمّا وجوب الإكرام لكلّ فرد في كلّ حال ـ المعبّر عنه بالعموم الأحوالي ـ فهو خارج عن الدلالة الوضعية ولا تكاد تتكفّله أداة العام ، إذ مفادها ليس إلا الوجوب في الجملة وبنحو الموجبة الجزئية ، وإنّما يستفاد ذلك من دالّ آخر ، وهي مقدمات الحكمة ـ لو كانت ـ المفيدة للإطلاق ، وعليه فلو ورد في دليل آخر عدم وجوب إكرام

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الفقيه (الصلاة) : 110 السطر 2 .

ــ[15]ــ

زيد أو إكرام كلّ عالم في يوم الجمعة مثلاً لم يكن ذلك مصادماً للعموم ، لعدم التنافي بين الموجبة والسالبة الجزئيتين ، وإنما يكون مصادماً مع الإطلاق فيتقيد به ، فلا مقتضي لارتكاب التخصيص في العام وإخراج الفرد عن تحته .

   وأمّا الثاني فكما في النكرة الواقعة في سياق النفي كقوله (عليه السلام) : «لا صلاة إلا إلى القبلة» فانّ العموم الأفرادي والأحوالي كلاهما مستفاد من دالّ واحد ، وهو تسليط النفي على الطبيعة على سبيل الإطلاق ، فقد لوحظت الطبيعة فانية في أفرادها وعنوانا مشيراً إليها ثم تعلّق النفي بكلّ فرد فرد ، ولا محالة يكون الحكم منفياً عن كلّ فرد في كلّ حال ، وإلا لم يكن ذلك نفياً للطبيعة . فالعموم الأحوالي نشأ من تسليط النفي على طبيعة كلّ فرد على الإطلاق ، وليس له دالّ آخر وراء ما دلّ على العموم الأفرادي .

   ومن الواضح أنّ الخصوصيات الملابسة للأفراد من كون الصلاة مثلاً مستقراً أو ماشياً أو راكباً ، جالساً أو قائماً ، اختياراً أو اضطراراً ونحو ذلك إنّما هي من أحوال أفراد العام لا من أفراد نفس العام ، إذ ليس الفرد باعتبار الحالين فردين من العام كما لا يخفى .

   وعليه فاذا ثبت من الخارج عدم اعتبار الاستقبال في النافلة حال السير مثلاً فهو مصادم لدلالة الكلام ، ومناف لظهوره الوحداني في العموم الأفرادي والأحوالي ، فلا بدّ من ارتكاب أحد التقييدين ، إمّا الالتزام بأنّ المراد بـ «لا صلاة» الصلاة الواجبة فتخرج النافلة عنها رأساً فيخصص عمومها الأفرادي ، أو الالتزام بتقييدها بحال الاستقرار فيتحفظ على العموم الأفرادي ويلتزم بالتقييد في الإطلاق الأحوالي ، وليس التقييد الثاني أولى من التقييد الأول إن لم نقل بأنّ الأوّل هو المتعيّن بمقتضى القرائن الداخلية والخارجية .

   وكيف كان ، فلا أقل من إجمال الصحيحة وعدم ظهورها في الإطلاق الأفرادي بحيث يشمل الفريضة والنافلة .

   ثم قال : ولقائل أن يقول : إنّ ما ذكر إنّما يتم لو كانت الصلاة الواقعة في

ــ[16]ــ

حيّز النفي في قوله (عليه السلام) : «لا صلاة إلا إلى القبلة» ملحوظة بنحو النكرة ، أي لوحظت الطبيعة فانية في أفرادها فيجري حينئذ ما ذكر من الدوران بين أحد التقييدين من دون ترجيح في البين ، وأمّا إذا كانت ملحوظة بنحو اسم الجنس وأنّ طبيعة الصلاة من حيث هي لا تتحقق بلا استقبال فيكون الكلام مسوقاً لنفي الجنس المستلزم للعموم السرياني لا لنفي الفرد كي يكون له عموم أفرادي وأحوالي حتى يدور الأمر بين التصرف في أحدهما .

   وعليه فالصحيحة تدل بظاهرها على انتفاء ماهية الصلاة مطلقاً عند انتفاء الاستقبال ، فلا يرفع اليد عن إطلاقها إلا بمقدار دلالة الدليل وهو النافلة في حال المشي ، ويبقى الباقي تحت الإطلاق .

   وأجاب عن ذلك بأنّ الحمل على الجنس خلاف المتبادر من مثل هذا التركيب ، بل المنسبق إلى الذهن عرفاً في مثل قولنا : لا رجل في الدار ، أنّ الواقع في حيّز النفي إنّما هي النكرة دون الطبيعة بما هي ، والمعنى أنّه لا شيء من أفراد الرجل في الدار ، لا أنّ طبيعة الرجل غير موجودة فيها كي يكون عمومه عموماً سريانياً . هذا محصّل كلامه (قدس سره) .

   أقول : يرد عليه أولاً : أنّه (قدس سره) قد اشتبه عليه الأمر ـ مع جلالته وعظمته وتحقيقه وتدقيقه ـ بين الجواهر والأعراض وخلط أحدهما بالآخر فانّ الجوهر لا يتعدد باختلاف الطوارئ والحالات ، فزيد [فرد] واحد لطبيعي الإنسان في جميع حالاته وعوارضه من الزمان والمكان ، والحركة والسكون والقيام والقعود وغير ذلك مما يلحقه ويتصف به ، فهو في الكلّ لا يخرج عن كونه فرداً واحداً من الطبيعة .

   وهذا بخلاف العرض ، فانّ طروء الحالات عليه يوجب تعدد الأفراد لا محالة ، فالجلوس في الدار فرد مغاير مع الجلوس في المسجد ، وهما مغايران مع الجلوس في الحمام . والتكلّم القصير مغاير مع الطويل ، ومع الإخفات يغاير

ــ[17]ــ

الإجهار . والصلاة عند السير فرد مغاير معها عند الاستقرار ، ومع الاختيار يغاير الاضطرار وهكذا .

   والسرّ أنّ الجوهر له ثبات وقرار فلا يتعدد بتعدد حالاته وعوارضه بخلاف العرض فانّه لمكان تصرمه وعدم ثباته وقراره فكلّ حالة تطرأ عليه توجب إحداث فرد جديد للطبيعة مغاير للفرد السابق .

   ومن الواضح أنّ المقام من قبيل الثاني ، فانّ الصلاة في قوله : «لا صلاة إلا إلى القبلة» عرض من الأعراض ، فجميع الخصوصيات الملابسة لها من كونها مع الاختيار أو الاضطرار ، مع الاستقرار أو المشي أو الركوب إلى غير ذلك توجب تعدد الأفراد كالفرض والنفل .

   وعليه فليست حالتا الاستقرار والسير الطارئتان على النافلة حالتين