|
|
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد
لله رب العالمين وصلى الله على نبيّنا محمد وآله الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم
أجمعين إلى قيام يوم الدين .
بسم الله
الرحمن الرحيم
كتاب
الصلاة
مقدمة :
في فضل الصلاة اليومية وأنها أفضل الأعمال الدينية
اعلم
أن الصلاة أحب الأعمال إلى الله تعالى ، وهي آخر وصايا الأنبياء (عليهم
السلام)((1)) ،
وهي عمود الدين ، إذا قُبلت قُبل ما سواها ، وإن رُدّت رُدّ ما سواها((2)) ،
وهي أوّل ما ينظر فيه من عمل ابن آدم ، فان صحّت نظر في عمله ، وإن لم
تصح لم ينظر في بقيّة عمله((3)) ،
ومَثَلها كمثَل النهر الجاري فكما أنّ من اغتسل فيه في كل يوم خمس مرات لم يبق في
بدنه شيء من الدرن ، كذلك كلّما صلى صلاة كفّر ما بينهما من الذنوب((4)) ،
وليس ما بين المسلم وبين أن يكفر إلا أن يترك الصلاة((5)) ،
وإذا كان يوم القيامة يدعى بالعبد فأوّل شيء
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 4 : 38 / أبواب أعداد الفرائض
ونوافلها ب 10 ح 2 .
(2) ورد هذا المضمون في نصوص كثيرة منها:
الوسائل 4 : 34 / أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ب 8 ح
10 .
(3) الوسائل 4 : 34 / أبواب أعداد الفرائض
ونوافلها ب 8 ح 13 .
(4) الوسائل 4 : 12 / أبواب أعداد الفرائض
ونوافلها ب 2 ح 3 .
(5) الوسائل 4 : 42 / أبواب أعداد الفرائض
ونوافلها ب 11 ح 6 .
يسأل عنه الصلاة ، فاذا جاء بها تامّة ،
وإلا زخّ في النار((1)) ،
وفي الصحيح «قال مولانا الصادق (عليه السلام) : ما أعلم شيئاً بعد المعرفة
أفضل من هذه الصلاة ، ألا ترى أنّ العبد الصالح عيسى بن مريم (عليه السلام)
قال : وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً»((2))
وروى الشيخ في حديث عنه (عليه السلام) «قال : وصلاة فريضة تعدّ عند الله ألف حجة
وألف عمرة مبرورات متقبّلات»((3))،
وقد استفاضت الروايات في الحث على المحافظة عليها في أوائل الأوقات((4)) ،
وإن من استخف بها كان في حكم التارك لها ، قال رسول الله (صلى الله عليه
وآله): «ليس منّي من استخف بصلاته»((5))،
وقال: «لا ينال شفاعتي من استخف بصلاته»((6))،
وقال : «لا تضيّعوا صلاتكم ، فانّ من ضيّع صلاته حُشر مع قارون وهامان
وكان حقاً على الله أن يدخله النار مع المنافقين»((7)) ،
وورد : «بينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) جالس في المسجد إذ دخل رجل فقام
يصلّي فلم يتمّ ركوعه ولا سجوده ، فقال (صلى الله عليه وآله) : نقر كنقر
الغراب ، لئن مات هذا وهكذا صلاته ليموتنّ على غير ديني»((8)) ،
وعن أبي بصير قال : «دخلت على اُم حميدة اُعزّيها بأبي عبدالله (عليه السلام)
فبكت وبكيت لبكائها ، ثم قالت : يا أبا محمد لو رأيت أبا عبدالله (عليه
السلام) عند الموت لرأيت عجباً ، فتح عينيه ثم قال : اجمعوا كل
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 4 : 29 / أبواب أعداد الفرائض
ونوافلها ب 7 ح 6 .
(2) الوسائل 4 : 38 / أبواب أعداد الفرائض
ونوافلها ب 10 ح 1 .
(3) الوسائل 1 : 27 / أبواب مقدمة العبادات ب 1
ح 34 ، أمالي الطوسي : 694 / 1478 .
(4) الوسائل 4 : 107 / أبواب المواقيت ب 1 ، 3
وغيرهما .
(5) الوسائل 4 : 23 / أبواب أعداد الفرائض
ونوافلها ب 6 ح 1 ، 5 ، 7 ، 8 .
(6) الوسائل 4 : 26 / أبواب أعداد الفرائض
ونوافلها ب 6 ح 10 .
(7) الوسائل 4 : 30 / أبواب أعداد الفرائض
ونوافلها ب 7 ح 7 .
(8) الوسائل 4 : 31 / أبواب أعداد الفرائض
ونوافلها ب 8 ح 2 .
مَن بيني وبينه قرابة ، قالت : فما تركنا
أحداً إلا جمعناه ، فنظر إليهم ثم قال : إن شفاعتنا لا تنال مستخفّاً
بالصلاة»((1)) .
وبالجملة :
ما ورد من النصوص في فضلها أكثر من أن يحصى . ولله درّ صاحب الدرّة حيث قال:
تنهى عن المنكر والفحشاء أقصر
فذاك منتهى الثناء(2)
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 4 : 26 / أبواب أعداد الفرائض
ونوافلها ب 6 ح 11 .
(2) الدرّة النجفية : 82 .
فصل
في أعداد
الفرائض ونوافلها
الصلوات
الواجبة ستة : اليومية ومنها الجمعة ، والآيات ، والطواف
الواجب ، والملتزم بنذر أو عهد أو يمين أو إجارة ، وصلاة الوالدين((1))
على الولد الأكبر ، وصلاة الأموات .
أما
اليومية فخمس فرائض : الظهر أربع ركعات ، والعصر كذلك ، والمغرب
ثلاث ركعات ، والعشاء أربع ركعات ، والصبح ركعتان ، وتسقط في السفر
من الرباعيات ركعتان ، كما أن صلاة الجمعة أيضاً ركعتان
(1) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)
اختلفت كلمات الأصحاب (قدّس الله أسرارهم) في تعداد الفرائض ، فأنهاها بعضهم
إلى التسع ، وآخر إلى السبع ، واقتصر بعض على الخمس ، وقيل غير
ذلك ، والظاهر أنّ هذا مجرد اختلاف منهم في التعبير حسب اختلاف أنظارهم في
إدراج بعضها في بعض أو إفرادها بالذِكر ، وإلا فلا خلاف بينهم فيما هو الواجب
منها وإن اختلفوا في خصوصياته . فالبحث عن كيفية العدّ من حيث الإدراج
والإخراج لفظي محض لا يهمّنا التعرض له بعد الاتفاق على أصل الوجوب والأمر
سهل .
ثم
إن المراد بالفرائض مطلق ما أوجبه الله تعالى من الصلوات في الشريعة
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بل خصوص الوالد دون الاُم .
المقدسة سواء نص عليه في الكتاب العزيز أم بيّنه
بلسان نبيّه الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) في قبال النوافل ، وهي منحصرة
فيما يلي:
فمنها :
صلاة الأموات التي نطقت بوجوبها النصوص المستفيضة بل المتواترة . وقد تقدم
الكلام فيها في كتاب الطهارة .
ومنها :
صلاة الآيات ، أعني صلاة الكسوف والخسوف والزلزلة التي صرّح بها في غير واحد
من النصوص ، وأما غيرها من سائر الآيات كالريح السوداء ونحوها فلم ينص على
وجوبها في الأخبار إلا من باب المثال لمطلق الآيات السماوية . وكيف كان فيأتي
البحث عنها في صلاة الآيات إن شاء الله تعالى .
ومنها :
صلاة الطواف الواجب ، وقد دلت على وجوبها جملة
من النصوص التي منها ما اشتمل على التعليل لاشتراط الطهارة في الطواف بقوله (عليه
السلام) لأن فيه صلاة ، الظاهر في مفروغية وجوبها فيه . نعم لا يجب في
الطواف المستحب . والكلام في ذلك موكول الى كتاب الحج(1)
.
ومنها :
الصلاة الملتزَمة بنذر أو عهد أو يمين أو إجارة أو
شرط في ضمن عقد . ويدل على الوجوب في الثلاثة الاُول إطلاق أدلة العناوين من
الكتاب والسنة ، وفي الأخيرين عموم وجوب الوفاء بالعقد ، مضافاً إلى
عموم «المؤمنون عند شروطهم»(2)
في الأخير خاصة .
ومنها :
صلاة القضاء عن الوالدين الواجبة على الولد
الأكبر ، لكن الثابت وجوبه ، صلاة الوالد على الولد دون الوالدة .
وسيأتي البحث عن ذلك في صلاة القضاء إن شاء الله تعالى .
ومنها :
صلاة العيدين المختص وجوبها بزمن الحضور ، ولعله
لذلك أهملها في المتن والأمر سهل ، وقد دل على وجوبها مضافاً إلى الروايات
قوله تعالى :
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع شرح المناسك 29 : 100 .
(2) التهذيب 7 : 371 / 1503 ، الاستبصار
3 : 232 / 835 .
(فَصَلِّ لِرَبِّكَ
وَانْحَرْ)(1)
،
وقوله تعالى :
(قَدْ
أَفْلَحَ مَن تَزَكّى وَذَكَر اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى)(2)
المفسّرين بهما ، وسيأتي الكلام عليها في محلّها
إن شاء الله تعالى .
فهذه
الصلوات بين ما تقدّم وما يأتي .
ومنها :
الصلوات اليومية وهي التي يقع البحث عنها في
المقام ، ويدخل فيها صلاة الاحتياط فانها من توابع تلك الصلوات ،
لا سيما على القول بكونها جزءاً من العمل ظرفه بعد الفراغ منه ـ لا أنها عمل
مستقل يتدارك به النقص ـ فانها حينئذ عينها حقيقة .
ويدخل
فيها أيضاً صلاة القضاء عن المكلف نفسه ، فانها اليومية بعينها ، غايته
أنها تقع خارج الوقت ، فلا فرق إلا من حيث الأداء والقضاء .
وهي
خمس فرائض :
الصبح ركعتان ، والظهر والعصر
كل منهما أربع ركعات ، والمغرب ثلاث ركعات ، والعشاء أربع ركعات ،
وتسقط في السفر عن كل من الرباعيات ركعتان .
a ولا
خلاف في وجوب هذه الفرائض ـ على النهج المذكور ـ بين أحد من المسلمين ، بل هي
من ضروريات الدين التي يندرج منكرها في سلك الكافرين . وقد نطق به الكتاب
العزيز بضميمة ما ورد من التفسير ، قال (عزّ من قائل) :
(أَقِمِ الصَّلَوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى
غَسَقِ الَّيْلِ وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ . .)
الآية(3)
. تعرّض تعالى ـ كما ورد في
تفسيرها ـ لأربع صلوات تقع ما بين الزوال ومنتصف الليل ، وهي الظهران
والعشاءان ، وأشار إلى صلاة الفجر بقوله تعالى :
(وقرآن الفجر)وقال (عزّ اسمه) :
(وَسَبِّح بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلوعِ
الشَمْسِ وَقَبْلَ غُروبِها وَمِن آناءِ الَّيْلِ فَسَبِّحْ وأطراف النهار لعلّك
تَرضى)(4)
. فسّر
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكوثر 108 : 2 .
(2) الأعلى 87 : 14 و15 .
(3) الإسراء 17 : 78 .
(4) طه 20 : 130 .
التسبيح قبل طلوع الشمس بصلاة الفجر ، وقبل
الغروب بصلاة العصر ، وآناء الليل بالعشاءين ، وأطراف النهار بصلاة
الظهر ، فانّ وقتها الزوال وهو طرف النهار .
وقال
تعالى :
(وَأَقِمِ الصَّلَوةَ
طَرَفَىِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ الَّيْلِ . . .) الآية(1)
فسّر طرفا
النهار بصلاة الفجر والمغرب ، وزلفاً من الليل بالعشاء الآخرة . وقيل
غير ذلك بحيث يعم جميع الصلوات .
وقال
عزوجل :
(حَـفِظُوا عَلَى
الصَّلَوَ تِ وَالصَّلَوةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَـنِتِينَ)(2)
فسّرت الصلاة الوسطى بصلاة الظهر كما هو
المشهور ، لأن وقتها وسط النهار ، أو لتوسّطها بين فريضتي النهار وهما
العصر والغداة ، وقيل هي العصر .
وبالجملة :
فالآيات الدالة على وجوب الفرائض كثيرة .
وأما
الروايات فهي متواترة ، بل فوق حدّ الاستقصاء ، وقد ورد الحث البليغ
والاهتمام الأكيد بشأنها ، وأنها أصل الاسلام وعمود الدين ، إذا قُبلت
قُبل ما سواها ، وإن رُدّت ردّ ما سواها ، وليس ما بين المسلم وبين أن
يكفر إلا أن يترك الصلاة ، وأنها لا تُترك بحال ، إلى غير ذلك مما دل
على شدّة العناية بها والمحافظة عليها بألسنة مختلفة(3)
.
ولا
خلاف من أحد في وجوب هذه الفرائض وأعدادها ، بل عليه إجماع المسلمين كافة كما
عرفت .
غير
أنه وقع الخلاف في صلاة الظهر خاصة في يوم الجمعة ـ في زمن الغيبة ـ وأن الواجب في
هذا اليوم هل هو صلاة الظهر أو صلاة الجمعة ؟ .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هود 11 : 114 .
(2) البقرة 2 : 238 .
(3) تقدّم ذكر مصادرها في ص 7 .
فينبغي
عطف عنان الكلام إلى التعرض لهذه المسألة التي هي معركة الآراء بين الأعلام والخوض
فيها قبل التعرض للفرائض اليومية .
فنقول
ـ والعون منه تعالى مأمول ـ المحتملات بل الأقوال في المسألة ثلاثة : وجوب
صلاة الظهر يوم الجمعة تعيينا ، ووجوب صلاة الجمعة كذلك ، والتخيير بين
الأمرين ، وهذا الخلاف بين الأصحاب (قدس سرهم) إنما هو بعد الاتفاق منهم على
وجوب صلاة الجمعة في الجملة ، أعني في زمن الحضور مع الامام (عليه السلام) أو
نائبه الخاص المنصوب من قبله ، فان هذا مما لم يختلف فيه اثنان ، بل هو
من ضروريات الدين وعليه إجماع المسلمين ، وإنما الخلاف في اشتراط وجوبها أو
مشروعيتها بحضور الامام (عليه السلام) فلا تجب تعييناً أو لا تشرع في زمن
الغيبة ، وعدم الاشتراط .
فالمشهور
بل المجمع عليه بين قدماء الأصحاب عدم الوجوب تعييناً ، وقد ادعى الاجماع على
ذلك غير واحد من الأعلام بعد اختيارهم هذا القول كالشيخ في الخلاف(1)
والحلي
في السرائر(2)
وابن زهرة في الغنية(3)
والمحقق
في المعتبر(4)
والعلامة في التحرير(5)
والمنتهى(6)
والتذكرة(7)
والشهيد
في الذكرى(8)
والمحقق الثاني في جامع المقاصد(9)
و
غيرهم كما لا يخفى على من تصفّح كلماتهم .
وذهب
الشهيد الثاني في رسالته التي ألّفها في هذه المسألة إلى نفي الاشتراط
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الخلاف 1 : 626 مسألة 397 .
(2) السرائر 1 : 290 و303 .
(3) الغنية : 90 .
(4) المعتبر 2 : 279 .
(5) تحرير الأحكام 1 : 43 السطر 34 .
(6) المنتهى 1 : 317 السطر 2 .
(7) التذكرة 4 : 27 .
(8) الذكرى 4 : 104.
(9) جامع المقاصد 2 : 375 .
ووجوبها تعييناً(1)
وهو
أوّل من ذهب إلى هذا القول وتبعه على ذلك جملة من المتأخرين كصاحب المدارك(2)
وغيره ،
واحتمل في الجواهر صدور هذه الرسالة منه في صغره لما فيها من الطعن والتشنيع على
أساطين المذهب وحفّاظ الشريعة بما لا يليق به ولا ينبغي عن مثله ، وقد عدل
عنه في باقي كتبه(3)
.
ثم
إن المنكرين للوجوب التعييني اختلفوا ، فمنهم من أنكر المشروعية رأساً في زمن
الغيبة كابن ادريس وسلار(4)
وغيرهما ، بل ربما نسب ذلك
إلى الشيخ أيضاً(5)
ومنهم من أثبت المشروعية والاجتزاء بها عن الظهر
الراجع إلى الوجوب التخييري . وهذا هو الأشهر بل المشهور وهو الأقوى .
فلنا
في المقام دعويان : نفي الوجوب التعييني وإثبات المشروعية ، وبذلك يثبت
الوجوب التخييري ، فيقع الكلام في مقامين:
أما
المقام الأول :
فيظهر الحال فيه من ذكر أدلة
القائلين بالوجوب التعييني وتزييفها ، وقد استدلوا لذلك بالكتاب
والسنّة .
a أما
الكتاب :
فقوله تعالى :
(يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نُودِىَ
لِلصَّلَوةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا
الْبَيْعَ . .)
الخ(6)
بتقريب أن المنصرف من الكلام بعد ملاحظة تخصيص الجمعة من بين الأيام ،
إرادة صلاة الجمعة من ذكر الله ، فيجب السعي إليها لظهور الأمر في
الوجوب ، لا سيما الأوامر القرآنية على ما ذكره صاحب الحدائق(7)
ـ
وإن لم نعرف وجهاً للتخصيص ـ وهذا
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رسائل الشهيد : 51 .
(2) المدارك 4 : 8 .
(3) الجواهر 11 : 174 .
(4) الحلي في السرائر 1 : 303 وحكاه عن السّلار
في الرياض 4 : 72 ، لا حظ المراسم : 77 .
(5) الجمل والعقود : 190 .
(6) الجمعة 62 : 9 .
(7) الحدائق 9 : 398 .
خطاب عام يشمل جميع المكلفين في كل جيل وحين .
وفيه
أوّلاً :
أنّ غاية ما يستفاد من الآية
المباركة بعد ملاحظة كون القضية شرطية إنّما هو وجوب السعي على تقدير تحقق النداء
وإقامة الجمعة وانعقادها ، ولعلنا نلتزم بالوجوب في هذا الظرف ، وسيأتي
الكلام عليه إن شاء الله تعالى ، وأما وجوب إقامتها ابتداءً والنداء إليها
تعييناً فلا يكاد يستفاد من الآية بوجه كما لا يخفى .
ويؤيده
قوله تعالى بعد ذلك :
(وَإِذَا
رَأَوْا تِجَـرَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً)(1)
حيث يظهر منها أن الذمّ إنما هو على تركهم الصلاة بعد
فرض قيام النبي (صلى الله عليه وآله) لها ، واتصاف الجمعة بالانعقاد
والاقامة ، فيتركونه قائماً ويشتغلون باللهو والتجارة ، وأما مع عدم
القيام فلا ذمّ على الترك .
وبالجملة :
وجوب السعي معلّق على النداء فينتفي بانتفائه بمقتضى المفهوم ، ولا دلالة في
الآية على وجوب السعي نحو المعلّق عليه كي تجب الاقامة ابتداءً .
وثانياً :
أن الاستدلال بها مبني على إرادة الصلاة من ذكر الله
وهو في حيّز المنع ، ومن الجائز أن يراد به الخطبة ـ كما عن بعض المفسرين ـ
بل لعله المتعين ، فان السعي هو السير السريع ، ومقتضى التفريع على
النداء وجوب المسارعة إلى ذكر الله بمجرد النداء ، ومعه يتعين إرادة
الخطبة ، إذ لا ريب في عدم وجوب التسرّع إلى الصلاة نفسها ، لجواز
التأخير والالتحاق بالامام قبل رفع رأسه من الركوع بلا إشكال ، وحيث إن
الحضور والانصات للخطبة غير واجب إجماعاً فيكشف ذلك عن كون الأمر للاستحباب .
a ويؤيده
قوله تعالى :
(ذَ لِكُمْ
خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)(2)
وقوله
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الجمعة 62 : 11 .
(2) الجمعة 62 : 9 .
تعالى :
(قُلْ مَا عِندَ اللهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ
وَمِنَ التِّجَـرَةِ)(1)
فان
التعبير بالخير يناسب الاستحباب والندب ، والا فلو اُريد الوجوب كان الأنسب
التحذير عن الترك بالوعيد والعذاب الأليم ، نعم لا نضايق من استعمال هذه
الكلمة في موارد الوجوب في القرآن الكريم كقوله تعالى :
(وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ)(2)
ونحو ذلك ، لكن الوجوب في أمثالها قد ثبت من
الخارج بدليل مفقود في المقام ، وإلا فهذه الكلمة في حدّ نفسها ـ الظاهرة في
المفاضلة والترجيح ـ لا تقتضي إلا الندب والرجحان كما هو المتبادر منها ومن
مرادفها من سائر اللغات في الاستعمالات الدارجة في عصرنا ، فانّ المراد
بالخير لا سيما إذا كان متعدياً بـ (من) كما في الآية الثانية ، ليس ما
يقابل الشر ، بل ما يكون أحسن من غيره ، فكأنه تعالى أشار إلى أنّ
الصلاة لمكان اشتمالها على المنافع الاُخروية ، فالإقدام إليها أفضل وأرجح من
الاشتغال بالتجارة التي غايتها الربح الدنيوي الزائل ، وقد وقع نظير ذلك في
القرآن كثيراً كما في قوله تعالى :
(وَلَلاَْخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الاُْولَى)(3)
إذ ليس المراد ما يقابل الشر قطعاً ، ونحوها
غيرها كما لا يخفى على الملاحظ .
ومما
ذكرنا يعلم أنّ الأمر في الآية المباركة محمول على الاستحباب ، حتى لو اُريد
بالذكر الصلاة دون الخطبة ، لمكان التذييل بتلك القرينة الظاهرة في
الندب .
فالانصاف
أنّ الاستدلال بهذه الآية للوجوب التعييني ضعيف .
a وأضعف
منه الاستدلال بقوله تعالى :
(حَـفِظُوا
عَلَى الصَّلَوَ تِ وَالصَّلَوةِ الْوُسْطَى)(4)
بتقريب أن المراد بالصلاة الوسطى هي صلاة الظهر في
غير يوم
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الجمعة 62 : 11 .
(2) البقرة 2 : 184 .
(3) الضحى 93 : 4 .
(4)