ــ[21]ــ

   ومنها :  صحيحة يعقوب بن يقطين قال : «سألت العبد الصالح (عليه السلام) عن غسل الميِّت أفيه وضوء الصلاة أم لا ؟ فقال : غسل الميِّت تبدأ بمرافقه فتغسل بالحرض ... » (1) . فانّ السؤال فيها عن وجوب الوضوء في غسل الميِّت ، والإمام (عليه السلام) أجابه بشيء آخر ، فلو كان واجباً لأجاب بقوله نعم ، فعدم الجواب عنه والاجابة بشيء آخر كالصريح في عدم اعتبار الوضوء في غسل الميِّت .

   ومنها :  أن غسل الميِّت كغسل الجنابة ولا يعتبر الوضوء في غسل الجنابة . ومقتضى هذه الوجوه عدم وجوب الوضوء في غسل الميِّت بوجه .

    هل يستحب الوضوء في غسل الميِّت ؟

   الجهة الثانية :  هل يستحب الوضوء في غسل الميِّت أو لا دليل على مشروعيته ؟

   المعروف بينهم هو الاستحباب ، وقد قوى في الحدائق عدم مشروعيته (2) والوجه في الحكم باستحبابه هو الأمر بالوضوء في أخبار غسل الميِّت المتقدمة ، فان مقتضى الجمع بينها وبين الوجوه المتقدمة النافية لوجوبه من المطلقات وغيرها ، رفع اليد عن ظهورها في الوجوب بحملها على الاستحباب .

   والعامّة وإن نسب إليهم الوضوء في غسل الميِّت إلاّ أ نّه لا وجه لحمل الأخبار الآمرة بالوضوء على التقية ، لأنّ الحمل على التقية إنّما هو في صورة المعارضة ولا معارضة في المقام ، لوجود الجمع الدلالي ، وهو رفع اليد عن ظهور الأخبار الآمرة في الوجوب وحملها على الاستحباب .

   وأمّا ما ذكره صاحب الحدائق (قدس سره) من أنّ الحمل على التقيّة غير موقوف على المعارضة ، بل ذكر في مقدّماته أنّ الحمل على التقيّة غير موقوف على القول به من المخالفين ، لدلالة الأخبار على أنّهم (عليهم السلام) ألقوا الخلاف بين الناس حقناً

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 2 : 483 /  أبواب غسل الميِّت ب 2 ح 7 .

(2) الحدائق 3 : 447 .

ــ[22]ــ

لدماء الشيعة وتحفظاً عليهم (1) ، فممّا لا يصغى إليه ، لحجية الظهور والسند ، وهي تقتضي العمل بالرواية إلاّ أن يكون لها معارض وتنتهي النوبة إلى الترجيح بموافقة العامّة ومخالفتهم ، ليحمل الموافق على التقيّة ويؤخذ بالمخالف .

   فالصحيح استحباب الوضوء في غسل الميِّت ، ولا سيما على مسلكنا من أنّ الوجوب والاستحباب خارجان عن المداليل اللّفظية والصيغ ، وإنّما يستفادان من وجود القرينة على الترخيص وعدمها ، فالحاكم بالوجوب أو الاستحباب هو العقل فانّه في المقام نرى القرينة على الترخيص موجودة وهي الوجوه المتقدِّمة المستدل بها على عدم الوجوب ، فالعقل ينتزع الاستحباب من ذلك لا محالة .

    هل الاستحباب خاص بما قبل الغسل ؟

   الجهة الثالثة :  هل الاستحباب يختص بما قبل الغسل أو أ نّه مستحب قبله وبعده ؟ .

   قد يقال : بعدم مشروعية الوضوء بعد التغسيل ، لأنّ الأخبار الآمرة به مشتملة على كلمة «ثمّ يوضأ الميِّت ثمّ يغسل رأسه ووجهه» ففي رواية معاوية بن عمار قال : «أمرني أبو عبدالله (عليه السلام) أن أعصر بطنه ثمّ اُوضيه بالأشنان ثمّ أغسل رأسه بالسدر ولحييه ... »(2) وهي تدل على التراخي فلا دليل على مشروعية الوضوء بعد التغسيل .

   هذا ، ولكن يمكن القـول باسـتحباب الوضوء مطلقاً ولو بعد التغسـيل ، وذلك للمطلقات الدالّة على أن كل غسل معه وضوء إلاّ غسل الجنابة ، وأنّ الجنابة ليس قبلها ولا بعدها وضوء(3) .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الحدائق 1 : 5 / المقدمة الاُولى .

(2) الوسائل 2 : 484 /  أبواب غسل الميِّت ب 2 ح 8  وهي معتبرة وقد قدّمنا [ في ص 3 ] أن في التهذيب : «ثمّ أوضيه ثمّ اغسله بالأشنان ... » .

(3) الوسائل 2 : 248 /  أبواب الجنابة ب 35 ح 1 ، 2 .

ــ[23]ــ

   وأمّا هذه الأخبار الدالّة على التقييد بكون الوضوء قبل التغسيل فلا تنافي بينها وبين الأخبار المطلقة ليحمل على المقيد ، فان حمل المطلق على المقيد إنّما هو من جهة التنافي بينهما ، لدلالة المقيد على الالزام بالتقييد ، والمطلق ينفيه ومن ثمة حمل المطلق على المقيد في الواجبات . وأمّا في غير الالزاميات فلا تنافي بينهما كي يحتاج إلى الحمل ، إذ لا إلزام في المقيد ، بل يؤخذ بكلا الدليلين ويحمل المقيد على أفضل الأفراد ومن هنا ذكر الماتن (قدس سره) أنّ الوضوء مستحب وإن كان الأولى أن يكون قبل الغسل ، هذا .

   والصحيح عدم استحباب الوضوء بعد غسل الميِّت ، وذلك لأ نّه يتوقف على أمرين لا نلتزم بشيء منهما .

   أحدهما : أن يقال باستحباب العمل الّذي بلغ فيه الثواب ، والالتزام بالتسامح في أدلّة السنن بالمعاملة مع الرواية الضعيفة معاملة الرواية المعتبرة ، أو القول بأن مراسيل ابن أبي عمير كمسانيده في الاعتبار ، لأ نّه لا يروي ولا يرسل إلاّ عن ثقة .

   وثانيهما : أنّ الرواية الضعيفة تقتضي استحباب العمل ولو كانت معارضة بما يدل على عدم استحبابه ، وذلك تمسّكاً باطلاق أخبار من بلغ ، لدلالتها على استحباب العمل الّذي بلغ فيه الثواب عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عارضتها رواية اُخرى أم لم تعارضها ، وذلك لاحتمال أن تكون الرواية الدالّة على الاستحباب مطابقة للواقع . إذن يمكننا في المقام الحكم باستحباب الوضوء بعد غسل الميِّت للرواية المتقدِّمة الدالّة على أن في كل غسل وضوءاً إلاّ الجنابة ، وإن كانت ضعيفة بالارسال لأن ابن أبي عمير يرويها عن حماد بن عثمان أو غيره ، ومعارضة بصحيحة سليمان بن خالد عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : «الوضوء بعد الغسل بدعة» (1) فان كل بدعة ضلالة ، والضلالة في النار .

   إلاّ أنّ شيئاً من الأمرين المتقدمين بل الاُمور الثلاثة لم يثبت بدليل ، لعدم دلالة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 2 : 245 /  أبواب الجنابة ب 33 ح 9 .

ــ[24]ــ

   [ 879 ] مسألة 4 : ليس لماء غسل الميِّت حد (1) بل المناط كونه بمقدار يفي بالواجبات أو مع المسـتحبّات . نعم ، في بعض الأخبار أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أوصى إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يغسله بست قرب ، والتأسي به (صلّى الله عليه وآله) حسن مستحسن .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أخبار من بلغ على استحباب العمل الّذي بلغ فيه الثواب عند عدم كونها معارضة فضلاً عمّا إذا كانت معارضة . كما أن مراسيل ابن أبي عمير كمراسيل غيره لا يمكن الاعتماد عليها في الاستدلال .

   إذن مقتضى الأخبار الواردة في المقام استحباب الوضوء قبل غسل الميِّت لا بعده .

   نعم ، لا بأس بالاتيان بالتوضؤ بعد الغسل إذا لم يوضأ الميِّت قبل التغسيل رجاءً لعدم حرمة الوضوء بعد الغسل ذاتاً ، وإنّما يكون بدعة فيما إذا أتى بعنوان الأمر من استحباب أو وجوب ، ولا دلالة في الصحيحة المتقدمة على حرمته عند الاتيان به رجاءً لاحتمال الاستحباب واقعاً .

    لا حدّ لماء غسل الميِّت

   (1) لصحيحة الصفار : «كتب إلى أبي محمّد (عليه السلام) في الماء الّذي يغسل به الميِّت كم حدّه ؟ فوقّع (عليه السلام) : حد غسل الميِّت ، يغسل حتّى يطهر إن شاء الله» (1) .

   رواها المشايخ الثلاثة عن الصفار ، وأسنادهم إليه صحيحة ، وقال الصدوق : هذا التوقيع في جملة توقيعاته (عليه السلام) عندي بخطه (عليه السلام) في صحيفة (2) وهي صريحة في أن ماء الغسل لا حدّ له ، فيختلف باختلاف الأموات من الصغر والكبر ووساخة الميِّت ونظافته .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 2 : 536 /  أبواب غسل الميِّت ب 27 ح 1 . الكافي 3 : 150 / 3 ، التهذيب 1 : 431  / 1377 .

(2) الفقيه 1 : 86 / 396 .

ــ[25]ــ

   [ 880 ] مسألة 5: إذا تعذّر أحد الخليطين سقط اعتباره واكتفي بالماء القراح((1)) بدله ويأتي بالأخيرين . وان تعذّر كلاهما سقطا وغسل بالقراح ثلاثة أغسال (1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   نعم ، في رواية ابن البختري عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لعلي (عليه السلام) : يا علي إذا أنا مت فغسلني بسبع قرب من بئر غرس» (2) ، إلاّ أنّ الوصية ليست لها دلالة على الوجوب ، لجواز أن يكون ذلك أفضل ، ولا سيما بلحاظ التقييد بكون الماء من بئر غرس ، لعدم وجوبه قطعاً .

   نعم ، في رواية فضيل سكّرة قال : «قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : جعلت فداك هل للماء الّذي يغسل به الميِّت حد محدود ؟ قال : إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال لعلي (عليه السلام) إذا أنا متّ فاستق لي سبع (ست) قرب من ماء بئر غرس فاغسلني وكفني وحنطني ... » (3) وهي تدل على التحديد بسبع أو ست قرب ، لأ نّه (عليه السلام) بصدد الجواب عن الحد في الماء الّذي يغسل به الميِّت ، فذكر وصيّة النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ودلالته على التحديد ظاهرة .

   إلاّ أنّها ضعيفة السند بفضيل سكّرة أو ابن سكّرة ـ كما في بعض الأخبار ـ لعدم ثبوت وثاقته أو مدحه ، وغاية ما يمكن القول في حقّه أ نّه إمامي وحسب ، فالصحيح أنّ ماء غسل الميِّت لا حدّ له .

    إذا تعذّر أحد الخليطين

   (1) إذا تعذّر الغسل بماء السدر أو بماء الكافور أو القراح هل يسقط وجوب

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الأحوط عند تعذّر أحد الخليطين أو كليهما أن يجمع بين التيمم والتغسيل بالماء القراح بدل المتعذّر ، كما أنّ الأحوط عند تعذّر الماء القراح أن يجمع بين التيمم والتغسيل بماء السدر أو الكافور بدل التغسيل بالماء القراح .

(2) الوسائل 2 : 536 /  أبواب غسل الميِّت ب 28 ح 1 .

(3) الوسائل 2 : 537 /  أبواب غسل الميِّت ب 28 ح 2 .

ــ[26]ــ

التغسيل عن المكلّفين وينتقل الأمر إلى التيمم ؟ أو أنّ الساقط هو المتعذّر من الأغسال وتجب الغسلتان أو الغسل الآخر غير المتعذّر ؟

   المعروف بل المتسالم عليه بين الأصحاب وجوب الغسلين غير المتعذّرين وسقوط الغسل المتعذّر فقط .

   وهذا لا لقاعدة الميسور ـ كما قد يتوهّم ـ وذلك لأنّها لم تثبت بدليل ، والأخبار (1) المستدل بها على تلك القاعدة نبوية أو علوية ضعاف ، كما لا يمكن العمل بها في المقام نظراً إلى أنّ المشهور عملوا بها في هذه المسألة ، وذلك لأنّ الرواية الضعيفة إن قلنا بانجبار ضعفها بعمل المشهور على طبقها فلا بدّ من العمل على طبقها في جميع الموارد ، وإن لم تنجبر الرواية الضعيفة بالعمل لا يمكن العمل بها مطلقاً . وأمّا العمل بها في مورد، لأنّ المشهور عملوا بها في ذلك المورد دون المورد الآخر فهو تقليد من المشهور وليس من الاستدلال والاستنباط في شيء .

   بل الوجه في ذلك : أنّ الأغسال الثلاثة واجبات مستقلّة لا ربط لأحدها بالآخر وإن كانت النتيجة واحدة من جميعها وهي الطهور إلاّ أنّها واجبات متعددة ، لا أنّ الواجب واحد وهي أجزاؤه .

   وقد صرّح بذلك صاحب الجواهر (قدس سره) عند التكلم على أن غسل الميِّت كغسل الجنابة ، حيث ذكر أن كل واحد من الأغسال الثلاثة كغسل الجنابة(2) ، مع أن هذا لم يرد في رواية وإنّما استفاده من الرواية لبنائه على أنّ الواجب متعدد وهو الأغسال الثلاثة وكل منها كغسل الجنابة .

   وما استفاده هو الصحيح فهي واجبات متعددة ، إذن لو تعذّر واحد منها أو اثنان لم يكن وجه لسقوط الآخر عن الوجوب .

   وهذا نظير ما ذكرناه ـ وذكره المشهور أيضاً ـ في الاستحاضة المتوسطة من أ نّه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) عوالي اللئالي 4 : 58 .

(2) الجواهر 4 : 133 .

ــ[27]ــ

يجب فيها الغسل والوضوء إلاّ أ نّه لا يحتمل أن يكون المأمور به هو المجموع ، ويكون كل من الغسل والوضوء جزءاًمن الواجب بحيث لو تعذّر الغسل سقط الوضوء أيضاً عن الوجوب وبالعكس ، أو لو شكّ في وضوئه بعد ما دخل في الغسل أو بالعكس لا يمكنه إجراء قاعدة الفراغ في السابق المشكوك نظراً إلى أ نّه عمل واحد ولا تجري قاعدة الفراغ فيه ، لعدم الفراغ من العمل ، كما وجّه شيخنا الأنصاري (قدس سره) بذلك ـ أي بكون الوضوء مثلاً عملاً واحداً ـ قول المشهور في عدم جريان القاعدة في الطهارات الثلاثة (1) .

   فان كلّ ذلك غير محتمل ، بل الغسل والوضوء واجبان مستقلاّن لا ربط لأحدهما بالآخر وإن كانت النتيجة واحدة وهي تحقق الطهارة ، وكيف كان فالأغسال واجبات متعددة ، وبهذا يمتاز غسل الميِّت عن باقي الأغسال ، حيث إنّ الواجب فيها شيء واحد ، وفي غسل الميِّت الواجب متعدد .

   وقد ورد في بعض الروايات «يغسل الميِّت ثلاث غسلات» كما في رواية الحلبي (2) وإن كانت الرواية ضعيفة ، وورد في صحيحة سليمان بن خالد أ نّه يغسل الميِّت مرّة بماء وسدر ... واُخرى بماء وكافور(3) ، وهذا يدلّنا على أنّ الأغسال واجبات متعددة فلا وجه لسقوط الجميع عن الوجوب عند تعذّر واحد منها أو اثنين ، هذا  كلّه فيما إذا تعذّر واحد من الأغسال .

    إذا تعذّر شرط أحد الأغسال

   ثمّ إذا تعذّر شرط أحدها ـ كما لو تعذّر السدر أو الكافور مع التمكّن من الغسل بالماء ، أو تعذّر الماء القراح مع التمكّن من التغسيل بماء السدر أو غيره ـ فهل يجب

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فرائد الاُصول 2 : 713 .

(2) الوسائل 2 : 481 /  أبواب غسل الميت ب 2 ح 4 .

(3) الوسائل 2 : 483 /  أبواب غسل الميِّت ب 2 ح 6 .

ــ[28]ــ

الغسل بالماء القراح مثلاً عند تعذّر ماء السدر أو يسقط الأمر بالغسل رأساً ، وينتقل إلى التيمم بدلاً عن الغسل بماء السدر المتعذّر ؟

   المشهور وجوب الغسل بالماء القراح عند تعذّر الخليط ، إلاّ أنّ الصحيح عدم وجوب الغسل حينئذ والانتقال إلى التيمم ، وذلك لأنّ الحكم بوجوب الغسل بالماء القراح حينئذ إمّا أن يستند إلى قاعدة الميسور أو إلى الاستصحاب ، ولا يتم شيء منهما .

   أمّا قاعدة الميسور ، فلمّا أشرنا إليه من عدم ثبوتها بدليل . على أنّا لو قلنا بتمامية القاعدة لا يمكن التمسّك بها في أمثال المقام ممّا يعدّ الميسور مغايراً مع المعسور لا ميسوراً منه . وهذا نظير ما إذا أوجب المولى إكرام الهاشمي مثلاً ، فتعذّر فأكرم غير الهاشمي ، لأ نّه ميسور لذلك المعسور لاشتراكهما في الانسانية ، مع أ نّهما متباينان عند العرف ، كيف ولا يستدلّون بها على وجوب الأجزاء الممكنة من الغسل عند تعذّر بعض أجزائه ، كما إذا فرضنا أنّ الماء في الغسل لا يفي إلاّ بثلاثة أخماس الميِّت أو بتسعة أعشاره ، فانّهم لا يلتزمون بوجوب الغسل في ثلاثة أخماس أو تسعة أعشار الميِّت بدعوى أ نّه ميسور من الغسل المتعذّر .

   مع أنّ الأجزاء أولى بالتمسّك فيها بالقاعدة من الشروط ، لأن في تعذّر الشرط كما في المقام قد يقال : إنّ فاقد الشرط مغاير لواجده ، لأن أحدهما بشرط شيء والآخر بشرط لا ، ولا تكون الماهية بشرط لا ميسوراً من الماهية بشرط شيء وإنّما هما متغايران فلا مجال فيه للتمسّك بالقاعدة . وهذه المناقشة لا تأتي في الأجزاء ، إذ يمكن أن يقال : إن معظم الأجزاء ممكنة وتعدّ ميسوراً من الواجب المعسـور عند العرف ومع هذا لم يلتزموا بوجوب الغسل في الأجزاء الممكنة فما ظنّك بالمشروط عند تعذّر شرطه كما في المقام .

   وأمّا الاستصحاب ، بدعوى أنّ الغسل عند التمكّن من الخليط كان واجباً قطعاً وإذا تعذّر الخليط وشككنا في بقائه على الوجوب نستصحب وجوبه ونقول إنّه الآن

ــ[29]ــ

كما  كان .

   وفيه : ما تعرّضنا له في استصحاب الوجوب عند تعذّر بعض أجزاء المركب ، وهو أ نّه من الأصل الجاري في الأحكام ، ولا نلتزم بجريانه في الشبهات الحكمية كما ذكرنا غير مرّة .

   ثمّ على تقدير القول بجريانه في الأحكام أيضاً لا مجال له في مثل المقام ، فيما إذا تعذّر الخليط قبل موت الميِّت إذ ليس هناك حالة سابقة ، فانّ الغسل لم يجب في زمان ليستصحب وجوبه ، بل من الأوّل يشك في وجوبه وعدمه .

   اللّهمّ إلاّ أن يستصحب معلّقاً بأن يقال : لو كان الميِّت قد مات في حال التمكّن من الخليط كان الغسل واجباً لوجوب الغسل بالخليط وأ نّه الآن كما كان .

   وفيه : أنّ الاستصحاب التعليقي لا يجري في الأحكام فضلاً عن الموضوعات كما في المقام .

   وأمّا إذا تعذّر الخليط بعد الموت فالغسل وإن علمنا بوجوبه حينئذ إلاّ أ نّه لا مجال لاستصحابه بعد تعذّر الخليط لارتفاع موضوعه ، فانّ الواجب هو الغسل بماء السدر ولم يبق سدر ليجب التغسيل به ، ومع ارتفاع الموضوع لا مجال للاستصحاب . وهو نظير ما إذا خلط الماء بالسدر واشتغل بالتغسيل واُهرق في أثنائه، أفيمكن استصحاب وجوب التغسيل حينئذ والحكم بوجوب التغسيل في الباقي بالماء القراح ؟ ومن الظاهر أ نّه لا يجري الاستصحاب المذكور لارتفاع موضوعه وهو السدر .

   فالمتحصل : أن مقتضى القاعدة عدم وجوب التغسيل بالماء القراح حينئذ ، بل يجب التيمم بدلاً عنه ، إلاّ أنّ المشهور لما بنوا على وجوب الغسل بالماء القراح فنجمع بين التيمم والغسل بالماء القراح تحفظاً على فتوى المشهور ، وإن كانت القاعدة تقتضي عدم وجوب الغسل كما عرفت .

   ومن هذا يظهر الحال عند تعذّر الكافور أو الماء القراح ، فان مقتضى القاعدة فيهما سقوط الغسل والانتقال إلى التيمم ، إلاّ أ نّه يجمع بينه وبين الغسل بالماء القراح عند

ــ[30]ــ

تعذّر الكافور أو بينه وبين الغسل بماء السدر أو ماء الكافور عند تعذّر القراح للاحتياط ، هذا .

    ما استدلّ به صاحب الجواهر (قدس سره)

   وقد استدلّ في الجواهر على مذهب المشهور بما ورد في المحرم من أ نّه إذا مات غسل بالماء القراح بدلاً عن الغسل بالكافور (1) ، بضميمة ما دلّ على أنّ المتعذّر عقلاً كالمتعذّر شرعاً ، بتقريب أنّ الانتقال إلى الغسل بالماء القراح إنّما هو من جهة تعذّر الغسل بالكافور ، لأنّ المحرم حال حياته يحرم عليه استعمال الكافور فكذا حال مماته بتنزيل الشارع ، وحيث إنّ المتعذّر العقلي كالمتعذّر الشرعي فنتعدى عن المحرم إلى كل مورد تعذّر فيه الغسل بالكافور ونحوه عقلاً (2) .

   وأورد عليه شيخنا الأنصاري (قدس سره) بأنّ الثابت أنّ المتعذّر شرعاً كالمتعذّر عقلاً دون العكس (3) .

   والّذي ينبغي أن يقال في المقام : إنّ الحكم إذا ترتب على عنوان التعذّر لم يفرق في ترتبه بين التعذّر الشرعي والعقلي ، فما ثبت للتعذّر العقلي يثبت للشرعي أيضاً وبالعكس ، فلو ورد أنّ الصلاة قائماً إذا حرمت فتصلّى قاعداً ، معناه أنّ الشارع إذا سدّ عليك الطريق إلى الصلاة قائماً فصلّ جالساً ، ولا فرق فيه بين الانسداد العقلي والشرعي ، فما أورده شيخنا الأنصاري (قدس سره) على صاحب الجواهر (قدس سره) لا يمكن المساعدة عليه .

   وأمّا إذا لم يترتب الحكم على عنوان التعذّر وإنّما ورد على مورد التعذّر ـ كما في المقام ـ حيث دلّت الرواية على أنّ المحرم يغسل بالقراح بدلاً عن الغسل بالكافور ولم يعلل ذلك بأ نّه لتعذر التغسيل بالكافور ، كما أنّ الحكم لم يرد على عنوان التعذّر بأن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 2 : 503 / أبواب غسل الميِّت ب 13، المستدرك 2 : 176 / أبواب غسل الميِّت ب 13.

(2) الجواهر 4 : 140 .

(3) كتاب الطّهارة : 290 السطر 18 / في غسل الأموات .

ــ[31]ــ

ونوى بالأوّل ما هو بدل السدر ، وبالثاني ما هو بدل الكافور (1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يقول إذا تعذّر الغسل بالكافور وجب الغسل بالقراح ، وإنّما ورد الحكم على التغسيل بالماء القراح بدلاً عن الكافور في المحرم، نعم هو مورد التعذّر، فكأن الشارع نزّل المحرم الميِّت منزلة المحرم الحي في حرمة استعمال الكافور عليه ، فلا يمكننا التعدّي عنه إلى غيره ، فانّه في الحقيقة تخصيص في الأدلّة الدالّة على أنّ الميِّت يغسل ثلاثاً بالسدر والكافور والقراح . حيث دلّ على أنّ المحرم لا يغسل بالكافور بل يغسل بالماء القراح . ومعه كيف يمكننا التعدِّي عنه إلى موارد تعذّر السدر أو الكافور مع عدم دلالة الدليل عليه .

   فالصحيح ما ذكرناه من أن مقتضى القاعدة الانتقال إلى التيمم بدلاً عن الخليط وإن كان الأحوط الجمع بين التيمم وبين الغسل بالماء القراح خروجاً عن مخالفة المشهور .

    ما ينوي بالغسل الأوّل والثاني

   (1) كما ذكره المحقق الثاني (1) (قدس سره) لمراعاة الترتيب الواجب بين الغسلات لأنّ المؤخر لو قدّم وجب إعادته ، ولأجله لا بدّ أن ينوي البدلية عن الأوّل في الغسل الأوّل وعن الثاني في الغسل الثاني .

   وقد ناقش فيه صاحب الجواهر (قدس سره) بقوله : ف