|
|
|
بسم الله
الرّحمن الرّحيم
الحمد
لله ربّ العالمين ، والصّلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين محمّد وآله
الطيّبين الطّاهرين .
وبعد ،
فهذا هو الجزء الثّامن من كتابنا « التنقيح »
في شرح العروة الوثقى ، وقد وفّقنا الله للشروع في طبعه ، ونسأله تعالى
أن يوفِّقنا لإتمامه وإكمال بقيّة أجزائه فإنّه خير موفِّق ومعين .
فصل
في كيفيّة
غسل الميِّت
يجب
تغسيله ثلاثة أغسال (1) :
الأوّل :
بماء السِّدر ، الثاني : بماء الكافور ، الثالث : بالماء
القراح .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فصل في
كيفيّة غسل الميِّت
(1)
الكلام في ذلك يقع من جهات أربعة :
الجهة
الاُولى :
في أن غسل الميِّت هل يعتبر فيه
التعـدّد بأن يغسل ثلاثة أغسال أو أنّ الواجب فيه هو الغسل الواحد ؟
المعروف
والمتسالم عليه بين الأصحاب هو التعدّد وقد نسب إلى سلاّر القول بوجوب الغسل
الواحد(1)
إلاّ أ نّه ـ مضافاً إلى شذوذه وكونه خلاف
المتسالم عليه بين الأصحاب ـ ممّا لا يمكن الالتزام به ، لأنّ الأخبار
الواردة في الباب مصرحة بلزوم التعدّد في غسل الميِّت ، ومعه لا مجال لدعوى
عدم اعتبار التعدّد أو إجراء البراءة عن وجوب الزائد على الواحد ، فانّه مع
الأدلّة الاجتـهاديّة الدالّة على وجوب التعدّد لا مجال للأصل
العملي .
وقد
يستدل على ما ذهب إليه سلاّر بما ورد في الباب الواحد والثلاثين من أبواب غسل
الميِّت (2)
من أنّ الميِّت إذا كان جنباً يغسل غسلاً
واحداً ، بدعوى أنّ الميِّت
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نسبه إليه في المعتبر 1 : 265 وراجع
المراسم : 47 .
(2) الوسائل 2 : 539 / أبواب غسل الميِّت
ب 31 .
المجنب إذا وجب فيه الغسل الواحد فيكفي الواحد في
الميِّت غير المجنب بطريق أولى فلا يعتبر في تغسيله شيء زائد عليه .
وفيه :
أنّ الظاهر من الرواية أن غسل الجنابة وغسل الميِّت يتداخلان في الميِّت
المجنب ولا يجب أن يغسل مرّة للجنابة ومرّة للموت ، وليست فيها دلالة على أنّ
الواجب في غسل الميِّت هو الغسل الواحد لا المتعدّد، وهذا ظاهر من الرواية بوضوح.
واُخرى
يستدل له بما ورد في الباب الثالث من أبواب غسل الميِّت من أن غسل الميِّت كغسل
الجنابة فكما أ نّه واحد فكذلك غسل الميِّت أيضاً واحد (1)
.
ويدفعه :
أنّ الظاهر من التشبيه إنّما هو التشبيه في الكيفيّة ، وأ نّه كما يعتبر
في غسل الجنابة غسل الرأس أوّلاً ثمّ الجانب الأيمن ثمّ الأيسر ، فكذلك الحال
في غسل الميِّت وليست دالّة على التشبيه في الكميّة والعدد ، هذا .
ثمّ
لو سلمنا دلالة الروايتين على ما ادّعاه سلاّر فلا كلام في أن دلالتهما بالاطلاق
فلا بدّ من تقييدهما بالأخبار المصرّحة بلزوم التعدّد .
اعتبار
الخليط وعدمه
الجهة الثانية :
في
اعتبار الخليط وعدمه ، المعروف بين الأصحاب (قدس سرهم) هو اعتبار المزج
بالسدر والكافور ، وأنّ الميِّت يغسل أوّلاً بماء السدر واُخرى بماء الكافور
وثالثة بالماء القراح .
وعن
ابني حمزة (2)
وسعيد (3)
:
عدم اعتبار الخليطين ، إلاّ أ نّه ممّا لا يمكن المصير إليه ،
لدلالة الأخـبار المعتبرة على الخلط بالسدر في الغسلة الاُولى وبالكافور في
الثانية .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 2 : 486 / أبواب غسل الميِّت
ب 3 .
(2) الوسيلة : 64 .
(3) الجامع للشرائع : 51 .
نعم ،
ورد في بعض الأخبار أنّ الميِّت يغسل بالماء والحُرُض ـ أي الأشنان ـ ثمّ بماء
وكافور ثمّ بالماء القراح ، ومقتضى إطلاقها وسكوتها عن اعتبار الغسل بالسدر
في مقام البيان عدم اعتبار الخلط به ، إلاّ أ نّه لا بدّ من تقييده
بما دلّ على اعتبار أن يكون الغسل في المرّة الاُولى بالسدر ، ففي صحيحة
يعقوب بن يقطين قال : «سألت العبد الصالح (عليه السلام) عن غسل الميِّت أفيه
وضوء الصلاة أم لا ؟ فقال : غسل الميِّت تبدأ بمرافقه فيغسل بالحرض ثمّ
يغسل وجهه ورأسه بالسدر ... » (1)
ولا
ينافي الأمر بتغسيل الميِّت بماء الحرض وجوب التغسيل بالسدر والكافور ، فهما
ممّا لا بدّ منه في الخليط ، وليكن التغسيل بالحرض مأموراً به
أيضاً .
وفي
موثقة عمار بن موسى الساباطي بعد الأمر بالتغسيل بالسدر «وإن غسلت رأسه ولحيته
بالخطمي فلا بأس» (2)
ولا يدل هذا على الغسل بالخطمي
بدلاً عن الغسل بالسدر ، بل هو دفع لما قد يتوهّم من عدم جواز خلط الخطمي
بالسدر في التغسـيل بماء السدر ـ كما هو المرسوم اليوم حيث يخلطون شيئاً من الخطمي
في السدر ـ فدفعه (عليه السلام) بأ نّه لا بأس بخلط الخطمي في السدر أو
بالتغسيل بالخطمي مستقلاًّ ، فلا يوجب هذا الكلام خللاً في وجوب الغسل
بالسدر .
وأمّا
الغسل بالحرض فيحمل على الاستحباب ، وقد ورد ذلك في غير تلكم الروايات
المتقدمة ففي بعضها : «تبدأ بمرافقه فيغسل بالحرض» وفي آخر : «أمرني أبو
عبدالله (عليه السلام) أن أعصر بطنه ثمّ أوضيه بالأشنان» (3)
وذلك
لصراحة الأخبار الواردة في المقام في وجوب التغسيل بالسدر والكافور والماء
القراح ، وهي مع كونها واردة في مقام البيان ساكتة عن اعتبار الغسل
بالأشنان .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 2 : 483 / أبواب غسل الميِّت
ب 2 ح 7 .
(2) الوسائل 2 / 484 / أبواب غسل الميِّت
ب 2 ح 10 .
(3) الوسائل 2 : 484 / أبواب غسل الميِّت
ب 2 ح 8 ، والمنقول هنا في الوسائل موافق للاستبصار
[ 1
: 207 / 729 ] ويأتي في 493 / ب 6 ح 6
وفيه : ثمّ أوضيه ثمّ أغسله بالأشنان ... ، وهو الموافق لما في
التهذيب [ 1 : 303 / 882 ] .
ويجب على هذا الترتيب ، ولو خولف اُعيد على وجه
يحصل الترتيب (1)
وكيفيّة كل من الأغسال المذكورة كما ذكر
في الجنابة (2)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اعتبار
الترتيب بين الأغسال
(1)
الجهة الثالثة :
في اعتبار الترتيب بين
الأغسال وعدمه .
المعروف
المشهور بينهم أنّ الميِّت لا بدّ أن يغسل أوّلاً بماء السدر واُخرى بماء الكافور
وثالثة بماء القراح .
وقد
نسب إلى ابن حمزة عدم اعتبار الترتيب بينها (1)
.
وفيه :
أن بعض الأخبار الواردة في المقام وإن كانت مطلقة (2)
حيث
دلّت على أنّ الميِّت يغسل ثلاثة أغسال ، مرّة بالسدر ومرّة بالماء يطرح فيه
الكافور ومرّة بالماء القراح ، ولا دلالة لها على الترتيب ، إلاّ أن
مقتضى جملة اُخرى من الأخبار المعتبرة الواردة في المقام هو اعتبار الترتيب بين
الأغسال ، ففي صحيحة ابن مسكان عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال :
«سألته عن غسل الميِّت ، فقال : اغسله بماء وسدر ثمّ اغسله على أثر ذلك
غسلة اُخرى بماء وكافـور ـ وذريرة إن كانت ـ واغسله الثالثة بماء قراح» (3)
وفي
حسنة الحلبي « ... ثمّ تبدأ بكفيه ورأسه ثلاث مرّات بالسدر ... فإذا
فرغت من غسله بالسدر فاغسله مرّة اُخرى بماء وكافور ... ثمّ اغسله بماء بحت
غسلة اُخرى» (4)
وغيرهما من الروايات الظاهرة بل المصرحة باعتبار
الترتيب بين الأغسال ، ولا موجب لرفع اليد عنها بوجه .
كيفيّة
تغسيل الميِّت
(2)
الجهة الرابعة :
في كيفيّة تغسيل
الميِّت .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نقل الحكاية عنه في الجواهر 4 : 123 وراجع
الوسيلة : 64 .
(2) الوسائل 2 : 481 / أبواب غسل الميِّت
ب 2 ح 4 .
(3) الوسائل 2 : 479 / أبواب غسل الميِّت
ب 2 ح 1 .
(4) الوسائل 2 : 479 / أبواب غسل الميِّت
ب 2 ح 2 .
فيجب أوّلاً غسل الرأس والرقبة وبعده الطرف الأيمن
وبعده الأيسر ، والعورة تنصف أو تغسل مع كل من الطرفين ، وكذا
السرة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المعروف
بل المتسالم عليه بين الأصحاب أن ترتيبه هو الترتيب المتقدم في غسل الجنابة ،
فيغسل رأس الميِّت أوّلاً ، ثمّ جانبه الأيمن ثمّ الأيسر .
وتدل
عليه موثقة عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام) « ... ثمّ تبدأ فتغسل الرأس
واللحية بسدر حتّى تنقيه ثمّ تبدأ بشقه الأيمن ثمّ بشقه
الأيسر ... » (1)
.
ومصححة
الحلبي : « ... ثمّ تبدأ بكفيه ورأسه ثلاث مرّات بالسدر ثمّ سائر جسده
وابدأ بشقه الأيمن»(2)
إلى غير ذلك من الروايات (3)
.
نعم ،
ورد فيما رواه يونس عنهم (عليهم السلام) ما ظاهره أنّ الميِّت ينصّف في التغسيل من
رأسه نصفين ، فيغسل أحد النصفين من رأسه إلى قدمه تارة ، والنصف الآخر
إلى القدم تارة اُخرى حيث ورد فيها :
«إذا
أردت غسل الميِّت فضعه على المغتسل مستقبل القبلة ، فان كان عليه قميص فاخرج
يده من القميص واجمع قميصه على عورته وارفعه عن رجليه إلى فوق الركبة وإن لم يكن
عليه قميص فألق على عورته خرقة واعمد إلى السدر فصيّره في طشت وصب عليه
الماء ، واضربه بيدك حتّى ترتفع رغوته واعزل الرغوة في شيء وصب الآخر في
الاجانة الّتي فيها الماء ، ثمّ اغسل يديه ثلاث مرّات كما يغسل الانسان من
الجنابة إلى نصف الذراع ، ثمّ اغسل فرجه ونقّه ، ثمّ اغسل رأسه
بالرغوة ، وبالغ في ذلك واجتهد أن لا يدخل الماء منخريه ومسامعه ،
ثمّ اضجعه على جانبه الأيسر وصبّ الماء من نصف رأسه إلى قدميه ثلاث مرّات ،
وادلك بدنه دلكاً رفيقاً وكذلك ظهره وبطنه ، ثمّ اضجعه على جانبه الأيمن
وافعل به مثل ذلك ...» الخ (4)
.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 2 : 484 / أبواب غسل الميِّت
ب 2 ح 10 .
(2) الوسائل 2 : 479 / أبواب غسل الميِّت
ب 2 ح 2 .
(3) الوسائل 2 : 481 / أبواب غسل الميِّت
ب 2 ح 5 ، 486 / ب 3 ح 1 ، 2 ، 8 .
(4) الوسائل 2 : 480 / أبواب غسل الميِّت
ب 2 ح 3 .
ذلك
لأن قوله «ثمّ اغسل رأسه بالرغوة» ليس من الغسل المعتبر في الاغتسال حتّى يقال إنّ
الرواية دلّت على الترتيب حيث أمرت بغسل الرأس أوّلاً ثمّ الجانبين فانّ الرغوة
ممّا لا يمكن الغسل به ، إذ يعتبر في الغسل أن يكون ما به الغسل ماءً أو
مائعاً آخر فلا يتحقق الغسل بغير المائعات . والرغوة ليست بماء وإنّما يتحقق
بها المسح لا الغسل ، فغسل الرأس بالرغوة مقدمة للغسل الواجب في التغسيل وليس
معدوداً من أجزائه ، وبعد ذلك إذا لاحظت الرواية ترى أنّها دلّت على أنّ
الميِّت ينصّف في التغسيل نصفين من رأسه إلى قدمه ، ويغسل مرّتين : مرّة
هذا الجانب واُخرى ذاك الجانب .
وكأنّ
المحقق الهمداني (قدس سره) سلّم دلالة الرواية على ذلك إلاّ أ نّه لم يلتزم
بمضمونها من جهة أنّها مخالفة للظواهر وجملة من النصوص وفتاوى الأصحاب (1)
هذا .
وقد
يناقش في الرواية سنداً ويعبّر عنها بالمرسلة ، نظراً إلى أن إبراهيم بن هاشم
يرويه عن رجاله عن يونس ، إلاّ أنّ الظاهر عدم المناقشة في سندها ، لأنّ
التعبير بالرجال كالتعبير بعدّة من أصحابنا ظاهر في كون الرواية مروية عن جماعة
وجملة منهم معتد بها ، لعدم صحّة مثل هذا التعبير إذا كانت مروية عن واحد أو
اثنين أو ثلاث .
ومن
البعيد جدّاً أن لا يكون بين الجمع والرجال من لا يوثق بروايته ، إذ لو
كان الأمر كذلك لأسند الرواية إلى شخص معيّن أو رمز إليه على نحو يدل على عدم ثبوت
الرواية عند الأصحاب كقوله عن بعض أصحابنا ونحوه ، فالرواية من حيث السند لا
خدشة فيها .
وإنّما
الكلام في دلالتها ، وذلك لأنّ الغسل بالرغوة كالغسـل بالتراب والصابون فكما
أنّ الغسل به عبارة عن مسح اليد أو غيرها بالصابون أو التراب أوّلاً ثمّ صبّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مصباح الفقيه (الطّهارة) : 379 السطر
34 .
الماء عليه وإلاّ كان مسحاً لا غسلاً، فكذلك الحال في
الغسل بالرغوة، فان معناه مسح الرأس بها أوّلاً ثمّ صبّ الماء عليه وغسله
به ، فالغسل بالرغوة غسل بالماء .
ويدل
على ذلك ما ذكره (عليه السلام) بعد ذلك بقوله «وبالغ في ذلك واجتهد أن
لا يدخل الماء منخريه ومسامعه» إذ لو لم يكن هناك ماء فما معنى أمره
بالمبالغة في التحفظ عن دخول الماء منخريه أو مسامعه ، وعليه فالغسل بالرغوة
يكفي في غسل الرأس بالماء .
ثمّ
إنّ الماء الّذي يصبّه على الرأس بعد المسح بالرغوة هو ماء السدر ، إذ ليس في
مفروض الرواية ماء غيره ، وذلك لقوله (عليه السلام) «واعمد إلى السدر فصيره
في طشت وصب عليه الماء واضربه بيدك حتّى ترتفع رغوته واعزل الرغوة في شيء وصب
الآخر في الاجانة الّتي فيها الماء» وهذا هو ماء السدر و به يغسل رأسه .
وقوله بعد ذلك : «ثمّ اضجعه على جانبه الأيسر وصب الماء من نصف
رأسه ... » فهو شروع في غسل الجانب الأيمن والأيسر .
وقوله :
«من نصف رأسه» أيضاً لا ينافي ما ذكرناه ، لأ نّه إنّما ينافيه إذا
اُريد بالنصف النصف الطولي من الرأس وهو قد غسل ولا حاجة إلى تغسيله ثانياً ،
إلاّ أن من المحتمل أن يراد به النصف العرضي من اُذنه إلى اُذنه مثلاً وذلك من باب
المقدمة العلميّة في غسل الرقبة ، لأنّ الرأس هو ما فوق الرقبة فلو اُريد به
تغسيل الرقبة على نحو يحصل العلم به لا مناص من أن يدخل شيئاً من الرأس في غسل كل
من النصفين من باب المقدمة العلميّة ، فيدخل من كل جانب مقداراً من الرأس إلى
الاُذن أو فوقه ليحصل الجزم بتحقق الغسل في الجانبين .
فلو
أبيت عن ذلك وقلت إنّه خلاف الظاهر من الرواية فنبقي تنصيف الرأس على ظاهره من
النصف الطولي فيحمل ذلك على الاستحباب ، فيستحب بعد غسل الرأس
ـ عند غسل كل جانب ـ غسل نصف الرأس معه ثانياً ، وهذا
ممّا لا محذور فيه .
فتحصل :
أنّ الرواية دلّت على غسل الرأس بماء السدر أوّلاً ثمّ الجانب الأيمن
والأيسر .
ويدل
على ذلك : ـ مضافاً إلى ما تقدم ـ تصريحه (عليه السلام) في الغسل بالكافور
بغسل الرأس أوّلاً حيث قال : «ثمّ اغسل رأسه ثمّ اضجعه على جنبه الأيسر واغسل
جنبه الأيمن وظهره وبطنه ، ثمّ اضجعه على جنبه الأيمن واغسل جنبه
الأيسر ... » .
وأصرح
من الجميع قوله (عليه السلام) في التغسيل بالماء القراح «واغسله بماء قراح كما
غسلته في المرّتين الأوّلتين» أعني الغسل بالسدر والغسل بالكافور ، والوجه في
صراحته : أ نّه لو لم تكن المرّتان المتقدمتان بكيفيّة واحدة بأن تكون
الغسلة الاُولى كالثانية لم يكن معنى لقوله «واغسله بماء قراح كما غسلته في
المرّتين الأولتين» فلا بدّ من اتحادهما في الكيفيّة كي يشبه الثالث
بهما .
فالانصاف
أنّ الرواية لا إشعار فيها فضلاً عن الدلالة على غسل نصف الرأس مع الجانب الأيمن
ونصفه الآخر مع الأيسر .
تتمة :
قد ذكرنا أنّ الواجب في غسل الميِّت هو الأغسال
الثلاثة ـ أعني الغسل بماء السدر وماء الكافور والماء القراح ـ ولا يعتبر فيه
شيء زائد على ذلك .
وقد
ورد في بعض الأخبار الأمر بغسل النصف الأيمن من الرأس واللحية أوّلاً ثمّ غسل
النصف الأيسر من الرأس واللحية ثانياً في غسل الرأس ، كما في رواية الكاهلي
حيث قال : «ثمّ تبدأ فتغسل الرأس واللحية بسدر حتّى تنقيه ثمّ تبدأ بشقه
الأيمن ثمّ بشقه الأيسر» (1)
.
وفي
بعضها الآخر الأمر بالنضح على صدر الميِّت وركبتيه حيث قال في موثقة عمّار :
«ثمّ تنضح على صدره وركبتيه من الماء ... » (2)
.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 2 : 481 / أبواب غسل الميِّت
ب 2 ح 5 . ولا يخفى عدم ورود هذه الجملة في رواية الكاهلي بل
إنّما وردت في رواية عمّار المرويّة في الوسائل 2 : 484 / أبواب غسل الميِّت
ب 2 ح 10 والوارد في رواية الكاهلي هو هذه الجملة «ثمّ تحوّل إلى رأسه
وابدأ بشقه الأيمن من لحيته ورأسه ثمّ ثن بشقّه الأيسر» .
(2) الوسائل 2 : 484 / أبواب غسل الميِّت
ب 2 ح 10 .
ولا يكفي الارتماس على الأحوط((1)) في الأغسال الثلاثة مع التمكّن من الترتيب(1).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفي
ثالث : الأمر بغسل كفي الميِّت كما في حسنة الحلبي حيث قال : «ثمّ تبدأ
بكفيه ورأسه» (2)
.
وفي
بعض آخر : الأمر بغسل مرافقه وميامنه كما في صحيحة يعقوب بن يقطين ومصححة
الفضل بن عبدالملك (3)
.
والصحيح
عدم اعتبار شيء من ذلك في غسل الميِّت ، غاية الأمر أن تحمل هذه الأوامر على
الاستحباب ، وذلك لأن غسل الميِّت من الاُمور الّتي يبتلى بها كثيراً ،
إذ لا يوجد بلد متعارف إلاّ ويموت فيه إنسان في كل يوم ، ولو كانت
الاُمور المذكورة واجبة في غسل الميِّت لظهرت وشاعت وكانت من الاُمور المعلومة عند
المسلمين . مع أ نّه ممّا لم يقل فقيه بوجوبها ، والسيرة قائمة على
عدم وجوب تلك الاُمور . إذن لا يعتبر في غسل الميِّت إلاّ الأغسال
الثلاثة كما مرّ .
عدم
كفاية الارتماس
(1)
كما هو المشهور ، نظراً إلى أنّ الأخبار الواردة في غسل الميِّت كلّها اشتملت
على الأمر بالترتيب وغسل الرأس أوّلاً ثمّ الجانبين .
وعن
جماعة : كفاية الارتماس عن الترتيب ، بدعوى أنّ الأخبار الآمرة بالترتيب
ناظرة إلى الغسل بالماء القليل ، وقد ورد في الأخبار أن غسل الميِّت كغسل
الجنابة (4)
فكما أنّ الارتماس يكفي في الجنابة
فكذلك يكفي في غسل الميِّت قضاءً للتشبيه والتنزيل.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بل على الأظهر حتّى مع عدم التمكّن من
الترتيب .
(2) الوسائل 2 : 479 / أبواب غسل الميِّت
ب 2 ح 2 .
(3) الوسائل 2 : 483 / أبواب غسل الميِّت
ب 2 ح 7 ، 9 .
(4) الوسائل 2 : 486 / أبواب غسل الميت ب
3 .
بل غسل الميِّت هو بنفسه غسل الجنابة لا أ نّه
شيء آخر ، لما ورد من أنّ الميِّت تخرج عنه النطفة الّتي خلق منها حين موته،
وبه يكون الميِّت جنباً، وغسله هو غسل الجنابة بعينه (1)
،
وغسل الجنابة على قسمين : ترتيبي وارتماسي ، ومن ثمة قوى شيخنا الأنصاري
(قدس سره) جواز التغسيل بالارتماس (2)
.
والصحيح
هو ما ذهب إليه المشهور ، لأن كيفيّة غسل الجنابة هو الاغتسال ترتيباً على
الكيفيّة المتقدمة في محلِّها ، حيث أمر في الأخبار بغسل الرأس أوّلاً ثمّ
الجانب الأيمن ثمّ الجانب الأيسر أو من غير ترتيب بين الجانبين على الخلاف .
وأمّا الغسل الارتماسي فهو مسقط للترتيب ومجزئ عنه ، لا أ نّه المأمور
به أو فرد منه في غسل الجنابة ، ومن ثمة ورد : «أنّ الجنب إذا ارتمس في
الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك» (3)
. فانّ
الاجزاء يحتاج إلى شيء يجزئ عنه وهو الغسل الترتيبى ، فوزانه وزان الجماعة
المسقطة للقراءة الواجبة في الصلاة ، ومقتضى التشبيه والتنزيل أن غسل الميِّت
كغسل الجنابة يجب أن يكون ترتيبياً ، وأمّا أن ما يجزئ عنه في غسل الجنابة
يجزئ عنه في غسل الميِّت أيضاً ، فهو محتاج إلى الدليل ، فانّ الأخبار
الواردة في غسل الميِّت كلّها تدل على الترتيب كما مرّ، ولم يرد في شيء
منها ما يدل على كفاية الارتماس من المتمكّن منه ، لوجود كر
من الماء عندهم أو لكونهم قرب الغدران والنقيع أو في شطوط البحار والأنهار ،
ولا سيما بلحاظ قوله (عليه السلام) «لو أن رجلاً جنباً ارتمس ... أجزأه ذلك»(4)
فانّه
أثبت الإجـزاء على الارتماس الاختيـاري الصـادر عن نفس الجنب وثبوت ذلك في ارتماس
الغير للميت ـ أي الارتماس غير الاختياري ـ يتوقّف على دلالة الدليل وهو
مفقود ، والتشبيه إنّما هو في كيفيّة التغسيل لا من جميع الجهات وإلاّ فقد
اعتبر في غسل الميِّت الخليط والتعدّد وغيرهما ممّا لا يعتبر في الجنابة
قطعاً .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نفس المصدر .
(2) كتاب الطّهارة : 290 السطر 22 / في
غسل الأموات .
(3) الوسائل 2 : 230 / أبواب الجنابة ب 26
ح 5 ، 12 ، 13 ، 15 .
(4) الوسائل 2 : 230 / أبواب الجنابة ب 26
ح 5 .
نعم ،
يجوز في كل غسل رمس كل من الأعضاء الثلاثة مع مراعاة الترتيب في الماء
الكثير (1) .
[ 876 ] مسألة 1 : الأحوط إزالة النجاسة ((1)) عن جميع جسده قبل الشروع في الغسل