|
|
|
وذكر
أن المستحاضة إذا ثقب دمها الكرسف يجب عليها الغسل لكل صلاة أو لكل صلاتين إذا
جمعت بينهما ، وأمّا إذا لم يثقب الكرسف فلا غسل عليها ولا وضوء وأنه ليس من
الأحداث ، فلو كانت متطهرة قبل خروج ذلك الدم فطهارتها لا ترتفع بذلك .
وذهب
ابن الجنيد إلى أن الاستحاضة القليلة التي لا تثقب الكرسف توجب غسلاً واحداً في
اليوم والليلة ، والاستحاضة الموجبة لثقب الكرسف يجب لها الغسل لكل صلاة أو
صلاتين إذا جمعت بينهما .
فابن
أبي عقيل وابن الجنيد اختلفا في المستحاضة بالقليلة ، حيث أوجب الثاني فيها
الغسل ولم يوجب الأول فيها غسلاً ولا وضوء ، واتفقا على أن الاستحاضة منحصرة
في القسمين : الكثيرة والقليلة ، ولا متوسطة فيهما .
أمّا
ما ذهب إليه ابن أبي عقيل فكأنه من جهة حمل الأوامر الواردة في الأخبار بتوضؤ
المسـتحاضة القليلة على التوضؤ من جهة سـائر الأحـداث كما في غير المستحاضة ،
وناظر إلى نفي وجوب الغسل عنها ، لا أنها تثبت عليها حكماً زائداً على بقية
المحدثين .
والصحيح
ما ذهب إليه المشهور من أن الاستحاضة القليلة توجب الوضوء لكل صلاة ، وذلك
للأخبار الدالة على ذلك ، ومنها صحيحة الصحّاف المتقدمة حيث ورد فيها :
«فإن انقطع عنها الدم قبل ذلك فلتغتسل ولتصل ، وإن لم ينقطع الدم عنها إلاّ
بعدما تمضي الأيام التي ترى الدم فيها بيوم أو يومين فلتغتسل ثم تحتشي وتستذفر
وتصلِّي الظهر والعصر ، ثم لتنظر فإن كان الدم فيما بينها وبين المغرب لا
يسيل من خلف الكرسف فلتتوضأ ولتصل عند وقت كل صلاة ما لم تطرح الكرسف عنها ،
فإن طرحت الكرسف عنها فسال الدم وجب عليها الغسل» الحديث (1)
.
فإنّها
ـ مضافاً إلى اشتمالها على كلمة «الفاء» في صدرها «فإن ذلك ليس من الرحم
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 2 : 374 / أبواب الاستحاضة ب 1 ح
7 .
ولا من الطمث فلتتوضأ ...» (1)
وهي
تدل على أن وجوب الوضوء متفرع على رؤية الدم لا على حدث آخر ـ دلت في ذيلها على أن
الدم إذا لم يسل من القطنة والكرسف يجب عليها أن تتوضأ وتصلِّي عند وقت كل
صلاة .
هذا
على أن وضوءها لو كان من جهة الحدث لم يجب عليها إلاّ وضوء واحد ما لم تحدث ،
ولم يكن وجه لوجوبه عليها عند كل صلاة ، على أن المرأة في مفروض الرواية قد
اغتسلت من الحيض وهي طاهرة لا حدث لها لتتوضأ ، فلو لم تكن الاستحاضة القليلة
من الأحداث لما وجب الوضوء عليها لكل صلاة .
وأمّا
ما ذكره ابن الجنيد فهو مخالف لصريح الصحيحة ، حيث دلّت على وجوب الوضوء على
المستحاضة إذا لم يسل الدم من القطنة ، كما أوجبت عليها الغسل إذا سال
الدم ، ولم تدل على وجوب الغسل عليها في كلتا الصورتين .
إضافة
وإعادة
ذكرنا
أن المعروف في الاستحاضة القليلة وجوب الوضوء على المستحاضة عند كل صلاة ،
وقد خالف في ذلك ابن أبي عقيل وابن الجنيد ، وحاصل كلامهما إنكار الاستحاضة
المتوسطة ، فابن أبي عقيل ذهب إلى أن الاستحاضة القليلة ليست حدثاً ولا توجب
غسلاً ولا وضوء ، ولكن إذا ثقب الدم الكرسف ـ سواء سال أم لم يسل أعني
الاستحاضة المتوسطة والكثيرة ـ يجب معها الغسل لكل صلاة أو صلاتين وذكرنا أن ما
ذهب إليه ابن أبي عقيل يدفعه صريح الأخبار الواردة في المقام .
منها :
صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : «المستحاضة تنظر
أيامها فلا تصلِّي فيها ولا يقربها بعلها ، فإذا جازت أيامها ورأت الدم يثقب
الكرسف اغتسلت للظهر والعصر تؤخر هذه وتعجل هذه ، وللمغرب والعشاء غسلاً تؤخر
هذه وتعجل هذه ، وتغتسل للصبح ، وتحتشي وتستثفر ولا تحني (تحيي) وتضم
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 2 : 330 / أبواب الحيض ب 30 ح 3 .
فخذيها في المسجد وسائر جسدها خارج ، ولا يأتيها
بعلها أيام قرئها ، وإن كان الدم لا يثقب الكرسف توضأت ودخلت المسجد
وصلّت كل صلاة بوضوء ، وهذه يأتيها بعلها إلاّ في أيام حيضها» (1)
.
ومنها :
صحيحة ابن نُعيم الصحاف عن أبي عبدالله (عليه السلام) «وإن لم ينقطع الدم عنها
إلاّ بعد ما تمضي الأيام التي كانت ترى الدم فيها بيوم أو يومين فلتغتسل ثم تحتشي
وتستذفر وتصلِّي الظهر والعصر ، ثم لتنظر فإن كان الدم فيما بينها وبين
المغرب لا يسيل من خلف الكرسف فلتتوضأ ولتصل عند وقت
كل صلاة ما لم تطرح الكرسف، فإن طرحت الكرسف عنها فسال الدم
وجب عليها الغسل ، وإن طرحت الكرسف عنها ولم يسل الدم فلتتوضأ ولتصل ولا غسل
عليها ...» (2)
.
وتقريب
الاستدلال بهاتين الصحيحتين من وجوه ثلاثة :
الأوّل :
أنهما جعلتا المستحاضة القليلة ، وهي التي لا يثقب دمها الكرسف ،
في قبال المستحاضة الكثيرة ، وهي التي يثقب دمها الكرسف ويسيل، ودلّتا
على وجوب التوضؤ عند كل صلاة في الاُولى وعلى وجوب الغسل عند كل صلاة في
الثانية ، وجعلها في مقابل الكثيرة يدل على أنها من الأحداث كالكثيرة إلاّ أن
الواجب فيها الوضوء .
الثاني :
أنهما اشتملتا على الجملة الشرطية ، حيث ورد في الصحيحة الاُولى «وإن كان
الدم لا يثقب الكرسف توضأت» ، وفي الثانية «فإن كان الدم فيما بينها
وبين المغرب لا يسيل من خلف الكرسف فلتتوضأ ولتصل» ، والجمل الشرطية
ظاهرة الدلالة على تفرع الجزاء على الشرط أي حدوث الجزاء عند حدوث الشرط وأنه
مستند إلى تحقق شرطه لا إلى أمر آخر ، وعليه فهما تدلان على أن وجوب الوضوء
مستند إلى رؤية دم الاستحاضة لا إلى سبب آخر من أسباب الوضوء .
الثالث :
أنهما دلّتا على وجوب الوضوء عند كل صلاة ، ومن الواضح أن الوضوء
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 2 : 371 / أبواب الاستحاضة ب 1 ح
1 .
(2) الوسائل 2 : 374 / أبواب الاستحاضة ب 1 ح
7 .
لو كان مستنداً إلى سائر أسبابه لم يجب عند كل
صلاة ، بل يكفيها الوضوء مرة واحدة في جميع صلواتها ما دامت لم
تنقضه ، فمن ذلك يظهر أن موجب الوضوء في حقها ليس هو سائر الأسباب ،
وإنما الموجب هو الاستحاضة وأنها حدث موجب للوضوء عند كل صلاة .
ومن
جملة الأخبار الدالة على ما ذكرناه صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة «إذا أرادت الحائض
أن تغتسل فلتستدخل قطنة ، فإن خرج فيها شيء من الدم فلا تغتسل ، وإن لم
تر شيئاً فلتغتسل ، وإن رأت بعد ذلك فلتتوضأ ولتصل» (1)
.
وقد
قدمنا اختلاف النسخ فيها وأن بعضها مشتمل على كلمة «الصفرة» بعد قوله «بعد
ذلك» ، وعلى كل حال تدل على أن وجوب الوضوء متفرع على رؤية الدم أو الصفرة لا
أنه مستند إلى أسباب الوضوء .
ومنها
غير ذلك من الروايات ، هذا .
وقد
يستدل في المقام بما عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال سألته عن الطامث
تقعد بعدد أيامها كيف تصنع ؟ قال: تستظهر بيوم أو يومين ، ثم هي مستحاضة
فلتغتسل وتستوثق من نفسها وتصلِّي كل صلاة بوضوء ما لم ينفذ (يثقب) الدم ،
فإذا نفذ اغتسلت وصلّت» (2)
.
ودلالة
الرواية على المدعى ظاهرة إلاّ أنها ضعيفة السند ، لاشتمالها على محمد بن
خالد الأشعري الذي لم يوثق في الرجال ، فلا يمكن الاستدلال بها في المقام وإن
وصفت بالموثقة في كلام شيخنا الهمداني (3)
(قدس
سره) وغيره (4)
، هذا .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 2 : 308 / أبواب الحيض ب 17 ح 1 .
وتقدّمت في ص 12 .
(2) الوسائل 2 : 375 / أبواب الاستحاضة ب 1 ح
9 .
(3) مصباح الفقيه (الطّهارة) : 317 السطر
28 .
(4) كالسيد الحكيم في المستمسك 3 : 384 .
أدلّة
ابن أبي عقيل
وقد
استدل لما ذهب إليه ابن أبي عقيل بوجوه :
منها :
الأخبار الواردة في حصر نواقض الوضوء في الست (1)
حيث
إنها واردة في مقام بيان ما هو ناقض للوضوء ومع ذلك لم يذكر الاستحاضة ،
فسكوته (عليه السلام) في تلك الأخبار عن ذكرها وعدم عدها من النواقض وهو في مقام
البيان أقوى دليل على عدم كون الاستحاضة من الأحداث الموجبة للوضوء .
وفيه :
أن غاية ما هناك دلالة هذه الأخبار على المدعى بإطلاقها وسكوتها في مقام
البيان ، ولا مانع من رفع اليد عن ذلك الاطلاق بالأخبار المعتبرة الدالة على
أن الاستحاضة من نواقض الوضوء .
وقد
ذكر المحقق النائيني (قدس سره) أن أقوى إطلاق عثرنا عليه في الأبواب الفقهية قوله
(عليه السلام) «لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب أربع خصال أو ثلاث : الطعام
والشراب والنساء والارتماس في الماء» (2)
والوجه
في التردد بين الأربع والثلاث هو التردد في عد الطعام والشراب واحداً أو
اثنين ، ومع ذلك رفعنا اليد عن إطلاقه بما ورد في بقية المفطرات من
الروايات ، هذا .
وقد
يقال ـ وهو حسن لا بأس به ـ إن النظر في أخبار حصر النواقض إنما هو إلى النواقض
العامة غير المختصة بطائفة ولا سيما بلحاظ أن السائل من الرجال ، ولا نظر
فيها إلى النواقض المختصة بالنساء ، حيث إن الاستحاضة مختصة بهنّ ، فلا
تنافي بينها وبين ما دلّ على أن الاستحاضة من نواقض الوضوء .
وكيف
كان فلا يمكننا رفع اليد عن الأخبار المتقدمة الصحيحة المعتبرة والظاهرة بل
الصريحة من حيث الدلالة في قبال الاطلاق في أخبار حصر النواقض .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 1 : 245 ـ 251 / أبواب نواقض الوضوء ب
1 ، 2 .
(2) الوسائل 10 : 31 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 1
ح 1 .
ومنها :
صحيحة زُرارة قال «قلت له : النفساء متى تصلِّي ؟ فقال : تقعد بقدر
حيضها وتستظهر بيومين ، فإن انقطع الدم ، وإلاّ اغتسلت واحتشت واستثفرت
وصلّت ، فإن جاز الدم الكرسف تعصّبت واغتسلت ثم صلّت الغداة بغسل والظهر
والعصر بغسل والمغرب والعشاء بغسل ، وإن لم يجز الدم الكرسف صلّت بغسل
واحد ...» (1)
.
بتقريب
أنها واردة في مقام البيان ، ومع ذلك سكتت عن وجوب الوضوء على
المستحاضة ، فلو كان الوضوء واجباً على المستحاضة كالغسل تعرّضت
لبيانه ، ومن عدم تعرضها لوجوب الوضوء يستكشف عدم وجوبه على المستحاضة .
والاستدلال
بهذه الرواية حسن من جهة وفاسد من جهة ، وذلك لأن دلالتها على عدم وجوب
الوضوء على المستحاضة مع وجوب الغسل في حقها وإن كانت صحيحة كما ذكر ، إلاّ
أنها لا تدل على عدم وجوب الوضوء عليها في الاستحاضة القليلة لوضوح أنها سكتت
عن إيجاب الوضوء عليها حينما وجب عليها الغسل ، وأمّا عدم وجوب الوضوء عليها
عند عدم تكليفها بالغسل كما في المستحاضة القليلة فلا دلالة لها عليه بوجه ولا
أنها واردة لبيانه .
ومنها :
ما عن إسماعيل الجعفي عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : المستحاضة تقعد أيام
قرئها ، ثم تحتاط بيوم أو يومين ، فإذا هي رأت طهراً اغتسلت ، وإن
هي لم تر طهراً اغتسلت واحتشت ، فلا تزال تصلِّي بذلك الغسل حتى يظهر
الدم على الكرسف ، فإذا ظهر أعادت الغسل وأعادت الكرسف» (2)
.
نظراً
إلى دلالتها على أن المستحاضة ما دام لم يظهر دمها على الكرسف أي تجاوز عنه لا يجب
عليها شيء ، بل تصلِّي بالغسل الذي اغتسلت عن حيضها ، وإنما يجب عليها
الغسل بعدما ظهر دمها على الكرسف ، فهي قبل تجاوز الدم عن الكرسف ليست بذات
حدث موجب لشيء ، وبعده يجب الغسل دون الوضوء .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 2 : 373 / أبواب الاستحاضة ب 1 ح
5 .
(2) الوسائل 2 : 275 / أبواب الاستحاضة ب 1 ح
10 .
والاستدلال
بهذه الرواية مخدوش بحسب الدلالة والسند .
أمّا
سنداً فلوقوع القاسم بن محمد الجوهري في سنده ، وهو ممن لم تثبت
وثاقته .
وأمّا
دلالة فلأنها إنما وردت لبيان أن المستحاضة بعدما اغتسلت عن حيضها لا يجب في
حقها غسل آخر ما دام لم يظهر الدم على الكرسف ، وأمّا أنها إذا لم يظهر دمها
على الكرسف لا يجب الوضوء عليها فهو مما لا يكاد يستفاد منها بوجه .
هذا
كله في الجواب عما ذهب إليه ابن أبي عقيل .
أدلّة
ابن الجنيد
وأمّا
ما ذهب إليه ابن الجنيد من أن دم الاستحاضة إن كان ثقب الكرسف وتجاوز عنه وجب على
المرأة أن تغتسل لكل صلاة أو صلاتين ، وإذا لم يتجاوز عنه ـ سواء لم يثقبه أو
ثقبه ولم يتجاوز
عنه (1)
ـ فيجب الغسل لكل نهار وليلة مرة واحدة ، وعليه فليس هناك استحاضة
متوسطة وكثيرة وقليلة ، بل يدور الأمر بين وجوب الغسل لكل صلاة والغسل لكل
يوم مرة واحدة ، فقد استدل له بروايتين :
إحداهما :
موثقة سَماعة قال «قال : المستحاضة إذا ثقب الدم الكرسف اغتسلت لكل صلاتين
وللفجر غسلاً ، وإن لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل لكل يوم مرة والوضوء لكل
صلاة» (2)
.
وذلك
لاطلاق قوله «وان لم يجز الدم الكرسف» وشموله لكل من
صورتي ثقبه وعدم تجاوزه عنه وصورة عدم ثقبه أصلاً . وهي كما ترى تدل على
أن أمر المستحاضة يدور بين الغسل لكل صلاة كما إذا ثقب الدم الكرسف وتجاوز
عنه ، وبين الغسل لكل يوم وليلة مرة واحدة كما إذا لم يثقبه أصلاً أو ثقبه
ولم يتجاوز عنه .
وثانيتهما :
صحيحة زرارة قال «قلت له : النفساء متى تصلِّي ؟ فقال : تقعد بقدر
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ما نقل عن ابن الجنيد هنا يُنافي ما نقل عنه في
ص 21 من أنّ الاستحاضة القليلة هي التي لا تثقب الكرسف ، والصحيح
ما نقله هناك .
(2) الوسائل 2 : 374 / أبواب الاستحاضة ب 1 ح
6 .
حيضها وتستظهر بيومين فإن انقطع الدم ،
وإلاّ اغتسلت واحتشت واستثفرت وصلّت فإن جاز الدم الكرسف تعصبت واغتسلت ثم صلّت
الغداة بغسل والظهر والعصر بغسل والمغرب والعشاء بغسل ، وإن لم يجز الدم
الكرسف صلّت بغسل واحد ...» (1)
.
وذلك
بعين التقريب المتقدم في الموثقة ، وعليه فليس لنا استحاضة يجب فيها الوضوء
لكل صلاة بل الأمر يدور بين الأمرين المتقدمين ، هذا .
ويمكن
الجواب عما استدل به على ذلك المسلك بأن مراد ابن الجنيد إن كان أن دم الاستحاضة
سواء كان دمها أحمر وأسود أم كان أصفر لا يجب معه الوضوء لكل صلاة ، بل دم
الاستحاضة على إطلاقه إما أن يجب معه الغسل لكل صلاة وإما أن يجب معه الغسل مرة
واحدة في كل يوم .
فيدفعه
صريح الموثقة المتقدمة حيث ورد في ذيلها «هذا إن كان دمها عبيطاً ، وإن كان
صفرة فعليها الوضوء» وهي كما ترى صريحة في أن دم الاستحاضة إذا كان صفرة لا يجب
معها سوى الوضوء ، فالموثقة تدل على خلاف مراده لا أنها دليل له .
وإن
أراد بما ذكره أن دم الاستحاضة الأحمر أو الأسود على قسمين ، قسم يجب معه
الغسل لكل صلاة ، وقسم يجب معه الغسل مرة واحدة لكل يوم وليلة ، ولا قسم
ثالث في دم الاستحاضة الأحمر أو الأسود يجب معه الوضوء ، فهو بظاهره ممّا لا
بأس به ويمكن الاستدلال عليه بالموثقة والصحيحة المتقدمتين .
ما
ذهب إليه المحقق الخراساني (قدس سره)
بل
هذا هو الذي ذهب إليه المحقق الخراساني (قدس سره) في فقهه (2)
،
مستدلاًّ عليه بالروايتين المتقدِّمتين ومعترضاً بهما على المشهور في جعلهم
الاستحاضة مطلقاً على أقسام ثلاثة وإيجابهم الوضوء فيما إذا لم يثقب الكرسف ،
مع أن الروايتين تدلان على أن دم الاستحاضة الأحمر أو الأسود يدور أمره بين وجوب
الغسل معه لكل
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 2 : 373 / أبواب الاستحاضة ب 1 ح 5 .
(2) نقله عنه في المستمسك 3 : 386 / أقسام
المستحاضة ، وراجع كتاب الدماء : 84 .
صلاة وبين وجوب الغسل مرة واحدة في كل يوم
وليلة ، وليس هناك دم استحاضة أحمر أو أسود يجب فيه الوضوء ، هذا .
ولكن
يمكن المناقشة في الاستدلال بتلك الموثقة على ذلك بأنها ليست مسوقة لبيان أن حكم
الاستحاضة يختلف باختلاف كيفية الدم ولونه وأنه إذا كان أحمر أو أسود يدور أمره
بين القسمين المتقدِّمين ، وإذا كان أصفر يجب فيه الوضوء ، وإنما هي
مسوقة لبيان اختلاف حكم دم الاستحاضة باختلاف كمّية الدم وقلته وكثرته ، بمعنى
أنه إذا كان كثيراً على نحو يثقب الكرسف ويتجاوز عنه يجب الغسل لكل صلاة ،
وإذا كان كثيراً على نحو يثقب الكرسف ولم يتجاوز عنه يجب الغسل لكل يوم وليلة مرة
واحدة ، وإذا كان قليلاً بمقدار يعد عرفاً من الطوارئ والعوارض ولا يعد دماً
ولو كان أحمر أو أسود ، لقلّته وضعفه حيث لم يثقب الكرسف يجب فيه
الوضوء ، فالمراد بالصفرة هو الدم القليل المعد من الطوارئ والأعراض ولو كان
أحمر .
ويشهد
لذلك أمران :
أحدهما :
أنه لم يقل وإن كان دماً أصفر ، ليتوهم أنها بصدد تقسيم الدم من حيث الصفرة
وغيرها ، بل قال وإن كان صفرة ، إشارة إلى أن الدم لو كان من القلة
بمكان لا يعد دماً عرفاً بل يعد من الأعراض يجب معه الوضوء ولو كان أحمر أو
أسود ، فهي مسوقة لبيان اختلاف حكم الاستحاضة باختلاف كمية الدم من حيث
الكثرة والقلة ، ولا نظر لها إلى تقسيمه من حيث الكيفية واللون .
ثانيهما :
أن الرواية لو كانت واردة لبيان تقسيم الدم بحسب الكيفية واللون فقد تعرضت في الدم
الأحمر لصورتين : الصورة الاُولى ما إذا ثقب الدم الكرسف وتجاوز عنه .
الصورة الثانية ما إذا ثقبه ولم يتجاوز عنه . وهناك صورة ثالثة من الدم
الأحمر لم يتعرّض لحكمها ، وهي ما إذا لم يثقبه أصلاً .
وهذا
بخلاف ما إذا حملناها على كونها واردة لبيان كمية الدم وأنه إذا كان كثيراً قد
يثقب فقط وقد يثقب ويتجاوز ، وهما صورتان ، وقد يكون قليلاً لا يثقب ولا
يتجاوز عن الكرسف ، وهي التي يجب الوضوء فيها ، هذا كلّه .
على
أنّا لو سلمنا أن الروايتين مطلقتان من حيث كون الدم غير المتجاوز ثاقباً من غير
تجاوز وما إذا لم يكن ثاقباً أصلاً ، وقد دلتا على أن الواجب في صورة عدم
تجاوز الدم عن الكرسف هو الغسل مرة واحدة لكل يوم وليلة سواء ثقبه أم لم
يثقبه ، فلا مناص من رفع اليد عن إطلاقهما وتقييدهما بما إذا كان الدم ثاقباً
بمقتضى صريح صحيحة الصحّاف حيث ورد فيها «ثم لتنظر ، فإن كان الدم فيما بينها
وبين المغرب لا يسيل من خلف الكرسف فلتتوضأ ولتصل عند وقت كل صلاة ما لم تطرح
الكرسف عنها ، فإن طرحت الكرسف عنها فسال الدم وجب عليها الغسل ، وإن
طرحت الكرسف عنها ولم يسل الدم فلتوضأ ولتصل ولا غسل عليها ، قال : وإن
كان الدم إذا أمسكت الكرسف يسيل من خلف الكرسف صبيباً لا يرقأ ، فإن
عليها أن تغتسل في كل يوم وليلة ثلاث مرات ـ إلى أن قال ـ وكذلك تفعل
المستحاضة» (1)
.
حيث
صرحت بأن دم الاستحاضة إذا لم يسل من خلف الكرسف أي لم يثقبه وجب على المستحاضة أن
تتوضأ وتصلِّي ، ولا يجب عليها الغسل حينئذ ، وبها نقيد إطلاق قوله
(عليه السلام) «وإن لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل» بما إذا لم يثقبه فإن اللازم
حينئذ هو التوضؤ دون الاغتسال .
هذا
كله فيما ذهب إليه المحقق الخراساني (قدس سره) عند كون دم الاستحاضة أحمر أو
أسود ، حيث ذكر دورانه بين القسمين المتقدمين من غير أن يكون له قسم ثالث يجب
فيه الوضوء .
وأمّا
إذا كان صفرة فقد ذكر أن أمر الدم الأصفر يدور بين قسـمين لا ثالث لهما فإنها إن كانت
قليلة وجب معها الوضوء ، وإن كانت كثيرة يجب معها الغسل .
واستدلّ
على ذلك بجملة من الأخبار الدالة على أن المستحاضة إذا رأت صفرة فلتتوضأ، منها:
الموثقة المتقدِّمة (2)
، ومنها : صحيحة علي بن جعفر
عن أخيه «ما دامت
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 2 . 374 / أبواب الاستحاضة ب 1 ح
7 .
(2) الوسائل 2 : 374 / أبواب الاستحاضة ب 1 ح
6 .
ترى الصفرة فلتتوضأ من الصفرة وتصلِّي ولا غسل عليها
من صفرة تراها» (1)
، ومنها : صحيحة محمد بن مسلم الفاقدة لكلمة
الصفرة (2)
، ومنها : صحيحته الاُخرى (3)
،
ومنها : رواية علي بن جعفر الاُخرى ، «فإن رأت صفرة بعد غسلها فلا غسل
عليها ، يجزئها الوضوء عند كل صلاة تصلِّي» (4)
ومنها
غير ذلك من الأخبار .
وبإزاء
هذه الأخبار روايتان تدلان على أن المستحاضة إذا رأت صفرة وجب عليها أن
تغتسل .
إحداهما :
صحيحة إسحاق بن عمّار ، قال «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن المرأة
الحبلى ترى الدم اليوم واليومين ، قال : إن كان دماً عبيطاً فلا تصلِّي
ذينك اليومين ، وإن كان صفرة فلتغتسل عند كل صلاتين» (5)
.
وثانيتهما :
صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج ، قال «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن امرأة
نفست فمكثت ثلاثين يوماً أو أكثر ، ثم طهرت وصلّت ، ثم رأت دماً أو
صفرة ، قال : إن كان صفرة فلتغتسل ولتصل ولا تمسك عن الصلاة» (6)
.
وهاتان الطائفتان متعارضتان ، لدلالة إحداهما على وجوب الوضوء مع الدم الأصفر ، ودلالة ثانيتهما على وجوب الغسل معه ، إلاّ أن هناك شاهد جمع بينهما ، وهو ما رواه محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) ، قال «سألته عن الحبلى قد استبان حملها ، ترى ما ترى الحائض من الدم ، قال : تلك الهراقة من الدم ، إن كان دماً أحمر كثيراً فلا تصلِّي ، وإن كان قليلاً أصفر فليس عليها إلاّ الوض