بسم الله الرّحمن الرّحيم

    الحمد لله ربّ العالمين ، والصّلاة والسّلام على خاتم الأنبياء والمرسلين ، محمّد وآله وأوصيائه الطيِّبين الطاهرين .

   وبعد ، فهذا هو الجزء السابع من كتابنا «التنقيح» في شرح العروة الوثقى ، وقد وفّقنا الله للشروع وطبعه ، ونسأله تعالى أن يوفقنا لاتمامه وإكمال بقيّة أجزائه ، فإنّه خير موفِّق ومعين .

ــ[1]ــ

 فصل

في الاستحاضة

    دم الاستحاضة من الأحداث الموجبة للوضوء والغسل إذا خرج إلى خارج الفرج ولو بمقدار رأس إبرة ، ويستمرّ حدثها ما دام في الباطن باقياً ، بل الأحوط

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فصل في الاستحاضة

    الاستحاضة لغة(1) هو أن يستمر الدم بالمرأة ، لأنها استفعال من الحيض الذي هو بمعنى الدم .

   وبحسب الاصطلاح هو الدم الخارج من المرأة غير الحيض ودم القرحة أو الجرح وإن لم يكن له استمرار بوجه ، كما إذا رأت الدم بعد العشرة ولو قليلاً أو رأته في غير أيام عادتها ولو قبل العشرة ، فإنه من الاستحاضة وإن لم يكن مستمراً .

   ولا ثمرة في تحقيق معناها اللغوي والاصطلاحي وبيان ما به يفترق أحدهما عن الآخر ، وإنما المهم تحقيق الأثر الذي يترتب عليها من الحكم بوجوب الغسـل لكل صلاة كما في الاستحاضة الكثيرة ، أو الغسل في كل يوم مرة واحدة كما في المتوسطة ، أو الوضوء لكل صلاة كما في القليلة ، وأن هذه الأحكام تترتب على أي شيء ، فنقول :

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لسان العرب  7 : 142 مادّة حيض .

ــ[2]ــ

إجراء أحكامها ((1)) إن خرج من العرق المسمّى بالعاذل إلى فضاء الفرج وإن لم يخرج إلى خارجه ، وهو في الأغلب أصفر بارد رقيق يخرج بغير قوة ولذع وحرقة بعكس الحيض ، وقد يكون بصفة الحيض ، وليس لقليله ولا لكثيره حدّ ، وكل دم ليس من القرح أو الجرح ولم يحكم بحيضيته فهو محكوم بالاستحاضة ، بل لو شك فيه ولم يعلم بالأمارات كونه من غيرها يحكم عليه بها على الأحوط .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    تحقيق ما له الأثر

   إن الفقهاء (قدس الله أسرارهم) ذكروا أن كل دم خرج عن المرأة بطبعها ولم يكن دم حيض فهو استحاضة يجب معه الغسل لكل صلاة أو في كل يوم أو يجب معه الوضوء لكل صلاة . والمراد بما يخرج من المرأة بطبعها هو إخراج دم القرحة أو الجرح ونتيجة ذلك أن الدم الذي تراه المرأة غير دم الحيض والقرحة والجرح فهو استحاضة يترتب عليه الآثار المتقدمة ، هذا ما ذكروه في المقام .

    هل يوجد فاصل بين الدمين

   ولابدّ من التكلّم في أنه هل يمكن أن يكون الدم الخارج من المرأة غير متّصف بالحيض ولا بدم القرحة أو الجرح ولا بالاستحاضة ، فلا يجب على المرأة شيء من الأحكام المترتبة على الحيض والأحكام المترتبة على الاستحاضة ، أو أنه لا فاصل بينهما وأن كل دم لم يكن بدم حيض وقرحة فهو استحاضة ؟

   ذكر المحقق (قدس سره) في شرائعه أن كل دم تراه المرأة ولم يكن بحيض ولا بدم قرح ولا جرح فهو استحاضة . (2)

   وأورد عليه السيد (قدس سره) في المدارك بأن هذه الكلية إنما تتم فيما إذا قيدت

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) والأظهر عدمه كما مرّ نظيره في بحث الحيض .

(2) الشرائع 1 : 37 / في الاستحاضة .

ــ[3]ــ

بغير دم النفاس ، وذلك لأنه دم ليس بحيض ولا قرح ولا جرح ، ومع ذلك ليس باستحاضة (1) .

   وما أفاده (قدس سره) وإن كان صحيحاً لكنه غير وارد على المحقق ، لأن نظره إلى غير دم الولادة ، وهو ظاهر .

   ثم ذكر أن الكلية المذكورة لابدّ من تقييدها بما إذا كان الدم واجداً لأوصاف الاستحاضة من كونه بارداً وأصفر ونحوهما من الأوصاف .

   ولازم هذا التقييد تحقق الفاصل بين دمي الحيض والاستحاضة ، كما إذا رأت المرأة الدم بعد العشرة أسود ، فإنه ليس بحيض لأن أكثره عشرة أيام ، وليس باستحاضة لعدم اتصافه بأوصافها لفرض كونه أسود . وكذلك الحال فيما إذا رأت ذات العادة دماً أسود أقل من ثلاثة أيام ، فإن مثله لا يكون حيضاً لكونه أقل من ثلاثة أيام ، ولا يكون استحاضة لعدم كونه واجداً لأوصافها .

   وقد بنينا على أن دم الاستحاضة لابدّ من أن يكون واجداً لأوصافها ، والفاقد ليس باستحاضة إلاّ أن يدل دليل على أنه استحاضة، كما هو الحال في الحيض لاشتراطه بأن يكون واجداً للصفات ، ولا يحكم على الفاقد بالحيضية إلاّ أن يدل دليل على أنه حيض ، كالصفرة التي تراها ذات العادة في أيام عادتها ، لأنها حيض بمقتضى النص الدال على أن ما تراه المرأة في أيام عادتها من حمرة أو صفرة فهو حيض(2) هذا .

   ولا يمكن المسـاعدة على ما ذهب إليه ، لأنه مخالف لما هو المتسالم عليه بين الأصحاب من الحكم بالاستحاضة في الموارد المذكورة ، وما ادعاه من أن الأخبار تدل على ذلك غير صحيح ، إذ لا دلالة في الروايات على أن دم الاستحاضة مطلقاً لا بدّ من أن يكون واجداً لأوصاف الاستحاضة المذكورة ، وإنما دلت الأخبار على أن في موارد دوران الدم بين كونه حيضاً أو استحاضة إذا كان واجداً لأوصاف الحيض

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المدارك 2 : 9 / في الاستحاضة .

(2) الوسائل 2 : 278 / أبواب الحيض ب 4 .

ــ[4]ــ

يحكم بحيضيته ، وإذا كان واجداً لأوصاف الاستحاضة يحكم بكونه استحاضة ، لا أنها تدل على أن دم الاستحاضة دائماً لابدّ أن يكون واجداً لتلك الأوصاف ، وإليك بعضها :

   صحيحة معاوية بن عمّار ، قال «قال أبو عبدالله (عليه السلام) : إن دم الاستحاضة والحيض ليسا يخرجان من مكان واحد ، إن دم الاستحاضة بارد ، وإن دم الحيض حارّ» (1) .

   وحسنة حفص بن البَختَري ، قال : «دخلت على أبي عبدالله (عليه السلام) امرأة فسألته عن المرأة يستمر بها الدم فلا تدري أحيض هو أو غيره ؟ قال فقال لها : إن دم الحيض حار عبيط أسود له دفع وحرارة ، ودم الاستحاضة أصفر بارد ، فإذا  كان للدم حرارة ودفع وسواد فلتدع الصلاة ، قال : فخرجت وهي تقول : والله أن لو كان امرأة ما زاد على هذا» (2) .

   ومعتبرة إسحاق بن جَرير حيث ورد فيها : «دم الحيض ليس به خفاء ، هو دم حار تجد له حرقة ، ودم الاستحاضة دم فاسد بارد ...» (3) .

   ومرسلة يونس عن غير واحد وقد ورد فيها «إن دم الحيض أسود يعرف» وأن المرأة «إن اختلطت الأيام عليها وتقدمت وتأخرت وتغير عليها الدم ألواناً فسنتها إقبال الدم وإدباره وتغير حالاته» وغير ذلك من الجملات(4) .

   وهي ـ ولا سيما الأخيرة حيث إن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بيّن فيها السُّنة الاُولى وأن ذات العادة تأخذ بعادتها ، وبعد ذلك بيّن أوصاف الاستحاضة وأن بها

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 2 : 275 / أبواب الحيض ب 3 ح 1 .

(2) الوسائل 2 : 275 / أبواب الحيض ب 3 ح 2 .

(3) الوسائل 2 : 275 / أبواب الحيض ب 3 ح 3 .

(4) الوسائل 2 : 276 / أبواب الحيض ب 3 ح 4 ، 281 / ب 5 ح 1 ، 287 / ب 7 ح 2 ، 288 / ب 8 ح 3 .

ــ[5]ــ

يحكم بالاستحاضة عند دوران الأمر بينهما ـ كما تراها واردة في مقام دوران الأمر بين الحيض والاستحاضة ، وأن تلك الأوصاف والعلائم إنما يحكم بها بالاستحاضة في هذه الموارد ، ولا دلالة لها على أن الاستحاضة ملازمة لتلك الصفات وأنه لا يحكم على الفاقد لها بالاستحاضة حتى فيما إذا لم تحتمل الحيضية هناك كما في المثالين المتقدمين .

   ذكرنا أن الفقهاء (قدس الله أسرارهم) ذكروا أن كل دم يخرج من المرأة بطبعها ولم يكن دم حيض أو من القرح أو الجرح فهو استحاضة ، ولم يستثنوا دم النفاس ولعلّه مستند إلى وضوحه أو إلى أن دم النفاس عندهم هو دم الحيض ، لأنه حيض محتبس فحكمه حكمه .

   وكذا لم يتعرّضوا لدم العُذرة ، لوضوح عدم كونه من الحيض والاستحاضة على ما بيّنوه عند اشتباه دم الحيض بدم العذرة .

   ويمكن أن يقال : إن تقييد الدم الخارج من المرأة بكونه خارجاً بحسب طبعها يغني عن استثناء دم الولادة والعُذرة والقرح ، لأنها لا تخرج من المرأة بطبعها وإنما تخرج منها بسبب من الأسباب ، فالدم الخارج من المرأة بحسب الطبع منحصر في الحيض والاستحاضة .

   وحاصل كلامهم : أن الدم الذي لا يحكم بحيضيته ملازم لكونه استحاضة .

   وقد ناقش فيه بعضهم كما مر من جهة أن الاستحاضة لها أمارات وصفات ، ومع عدم وجدان الدم لها لا يحكم عليه بكونه استحاضة وإن لم يكن بحيض أيضاً .

   ويدفعها ما ذكرناه من أن الأخبار الواردة في إثبات صفات الاستحاضة لا دلالة لها على أن الاستحاضة لا يمكن انفكاكها عن الصفرة مثلاً ، وإنما دلت على أن الصفرة تلازم الاستحاضة عند اشتباه الحيض بالاستحاضة ودوران الأمر بينهما ، لا أن الاسـتحاضة تلازم الصفرة مثلاً دائماً وفي جميع الموارد ، فما أفاد المناقش لا يمكن المساعدة عليه ، وهذا كله في المقدمة .

   وبعد ذلك يقع الكلام في أنه هل هناك تلازم بين الأمرين واقعاً، وأن الدم إذا لم يكن

ــ[6]ــ

حيضاً أو غيره من المستثنيات فهو استحاضة واقعاً ، أو يمكن أن يوجد دم ليس بحيض ولا هو باستحاضة ؟

   ظاهر كلماتهم الذي ادعوا عليه الاجماع هو التلازم الدائمي وأن كل دم لم يحكم بحيضيته فهو استحاضة واقعاً ، بلا فرق في ذلك بين أقسام المرأة حتى اليائسة والصغيرة التي هي قابلة لأن ترى الاستحاضة كما إذا لم تكن مرتضعة ، فيقع الكلام حينئذ في صحة الملازمة المدعاة وثبوت كليّتها فنقول :

   المستحاضة الواردة في الأخبار المتقدمة هي المستحاضة لغة ـ أعني المرأة التي لا ترى الطّهر كما في بعض الروايات ، وهي المعبر عنها بالمستمرة الدم ـ ولا إشكال في أن حكمها هو الذي اشتملت عليه الأخبار المتقدمة من مراعاة الأوصاف والأمارات وأن الدم غير الواجد لصفات الحيض وأماراته ككونه في أيام العادة فهو استحاضة يترتب عليه جميع الآثار المترتبة على دم الاستحاضة من وجوب الغسل لكل صلاة أو الغسل مرة في كل يوم أو التوضؤ لكل واحدة من صلواتها .

   إلاّ أن الاستحاضة المعنونة في كلمات الفقهاء ليست هي الاستحاضة اللغوية أعني مستمرة الدم ، وإنما يراد بها الدم الذي لا يحكم بحيضيته ولا يكون من بقية الأقسام المستثناة وإن لم يستمر دمها، كما إذا رأت الدم بعد عادتها وقبل انقضاء أقل الطّهر، فإنه لابدّ وأن يكون استحاضة سواء أ كان لونه أسود أم كان أصفر ، مع عدم كون المرأة مستمرة الدم ، وهذه هي الاستحاضة الاصطلاحية ، وإجراء الأحكام المترتبة على المستحاضة اللغوية على المستحاضة الاصطلاحية يحتاج إلى دلالة الدليل عليه .

 التحاق الاستحاضة الاصطلاحية باللغوية

    ولابدّ من التكلم في أن الدليل هل دلّ على التحاق المستحاضة المصطلحة بالمستحاضة اللغوية أم لم يدل ؟

   أمّا المرأة التي هي في سن من تحيض أعني غير الصغيرة واليائسة فلا ينبغي

ــ[7]ــ

الاشكال في أنها إذا رأت دماً ولم يحكم بحيضيته فهو استحاضة وإن لم تكن المرأة مستمرّة الدم ، لأجل الملازمة الواقعية على ما تدل عليه الأخبار الآتية ، وما ادعوه من التلازم بين الأمرين صحيح في مثلها ، فإذا رأت بعد عادتها وقبل انقضاء أقل الطهر دماً فلا مناص من الحكم عليه بالاستحاضة وإن لم يكن واجداً لأوصافها كما إذا  كان أسود وإن لم تكن المرأة مستمرّة الدم ، وذلك لدلالة جملة من الأخبار الواردة في حيض الحامل على التلازم المدعى بين الأمرين في مثلها .

   منها : صحيحة إسحاق بن عمّار ، قال «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن المرأة الحبلى ترى الدم اليوم واليومين ، قال : إن كان دماً عبيطاً فلا تصلِّي ذينك اليومين وإن كان صفرة فلتغتسل عند كل صلاتين» (1) .

   وقد تعرّضنا سابقاً لهذه الرواية وقلنا : إن ما ربما يتوهم من كونها منافية للأخبار الدالّة على أن أقل الحيض ثلاثة أيام لقوله (عليه السلام) «ترى الدم اليوم واليومين» مندفع بأنها ناظرة إلى حكم المرأة حين رؤيتها الدم ، وتدل على أن وظيفتها الظاهرية هي أن تترك الصلاة إذا كان الدم عبيطاً ، وأمّا بحسب الواقع فهو متوقف على أن يكون الدم مستمراً ثلاثة أيام ، ومع عدمه يستكشف عدم كونه حيضاً ، فلا إشكال في الرواية من هذه الجهة .

   وقد دلت هذه الرواية على أن الدم في أمثال الحامل ممن تحيض إذا لم يمكن أن يكون حيضاً لعدم كونه عبيطاً مثلاً فهو استحاضة يجب معها أن تغتسل عند كل صلاتين ، وإنما عبرت بالصفرة من جهة خصوصية المورد ودورانه بين الأحمر والأصفر ، لا لأن الصفرة لازم غير مفارق للاستحاضة ، فالحكم بوجوب الصلاة والغسل مترتب على عدم كون الدم دم حيض بأن لا يكون عبيطاً .

   ومنها : صحيحة أبي المَغرا ، قال «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الحبلى قد اسـتبان ذلك منها ، ترى كما ترى الحائض من الدم ، قال : تلك الهراقة ، إن كان دماً

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 2 : 331 / أبواب الحيض ب 30 ح 6 .

ــ[8]ــ

كثيراً فلا تصلين ، وإن كان قليلاً فلتغتسل عند كل صلاتين» (1) .

   وهي أيضاً تدل على أن الدم الذي لا يمكن الحكم بحيضيته لعدم كونه واجداً لأوصافه وأماراته يجب معه الغسل والصلاة ، بمعنى أن ما لا يمكن أن يكون حيضاً فهو استحاضة .

   ومنها : وهي أظهر من سابقتيها صحيحة الحسين الصحّاف قال «قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) إن اُمّ ولدي ترى الدم وهي حامل ، كيف تصنع بالصلاة ؟ قال فقال لي : إذا رأت الحامل الدم بعد ما يمضي عشرون يوماً من الوقت الذي كانت ترى فيه الدم من الشهر الذي كانت تقعد فيه ، فإن ذلك ليس من الرحم ولا من الطمث ، فلتتوضأ وتحتشي ...» (2) .

   حيث تدل بتعليلها على أن كل دم لم يكن بحيض فهو استحاضة ، حيث قال «فإن ذلك ليس من الرحم ولا من الطمث» فعلم من ذلك أن الدم الخارج من المرأة التي في سن من تحيض إذا لم يكن بحيض فهو استحاضة .

   والوجه في كونها أظهر من سابقتيها اشتمالها على كلمة فاء التفريع ، حيث فرّعت وجوب التوضؤ والاحتشاء على مجرّد رؤية الدم ، لأنه قال (عليه السلام) «إذا رأت الحامل الدم ... ليس من الرحم ولا من الطمث فلتتوضأ» حيث تفرع وجوب الوضوء على مجرد رؤية الدم ، والدم الذي يوجب تحققه الوضوء منحصر في دم الاستحاضة .

   فهذه الروايات تدلنا على وجود الملازمة الواقعية بين عدم كون الدم حيضاً إذا كان الدم ممّن هي في سن من تحيض وبين كـونه اسـتحاضة ، وأن حكم الاسـتحاضة المصطلحة هو حكم الاستحاضة اللغوية .

   وأمّا الصغيرة واليائسة فالحكم بالاستحاضة فيهما وإن كان مورد التسالم بين الأصحاب إلاّ أنه مما لا يمكن المساعدة عليه ، لأن مدرك حكمهم بأن الدم الذي لا يكون بحيض فهو استحاضة حتى في حق الصغيرة واليائسة هو السيرة وجريان

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 2 : 331 / أبواب الحيض ب 30 ح 5 .

(2) الوسائل 2 : 330 / أبواب الحيض ب 30 ح 3 .

ــ[9]ــ

عادتهم على معاملة الاستحاضة مع الدم غير المتصف بالحيضية .

   ويدفعه : أن السيرة لا يمكن إحرازها في المسائل التي يقل الابتلاء بها ، ومن الظاهر أن رؤية الصغيرة واليائسة الدم غير المتصف بالحيضية إنما يتحقق مرة في عشرة آلاف أو أقل أو أكثر ، ولا مجال للسيرة في مثله ، وإن اعتمدوا على الاجماع المنقول في ذلك فهو مضافاً إلى عدم حجيته يقتصر فيه على المقدار المتيقن وهو المرأة التي في سن من تحيض .

   وإن أرادوا الحكم بالاستحاضة في الصغيرة واليائسة بالأخبار المتقدمة فدون تتميمه خرط القتاد ، وذلك لأنها بأجمعها واردة في من يمكن أن تكون حائضاً تارة ويمكن أن تكون مستحاضة اُخرى ، ودار أمر الدم بين الحيض والاستحاضة ولم يكن واجداً لأوصاف الحيض وأماراته ، فقد دلّت في ذلك على أن الدم استحاضة .

   ويظهر صدق ما ذكرنا بالتأمل في الأخبار المتقدمة ولا سيما صحيحة الصحّاف حيث دلت على أن النفساء بعد ما مضى عليها عشرون يوماً من وقت حيضها في الشهر الذي ترى فيه الدم إذا رأت دماً فلتتوضأ وتحتشي .

   ومن الظاهر أن الحامل يمكن أن تكون حائضاً كما يمكن أن تكون مستحاضة ، ودلت في مثلها على أن الدم إذا لم يمكن أن يكون حيضاً بالامكان القياسي بأن لم يكن واجداً لأوصافه وشروطه حكم عليه بأنه استحاضة .

   وكذلك الحال في روايتي أبي المَغرا وإسحاق بن عمار ، حيث دلتا على أن الحامل التي قد ترى الحيض وقد ترى الاستحاضة إذا رأت الدم ، فإن كان واجداً للأمارات المعتبرة في الحيض من الكثرة الملازمة للحمرة والسواد المعبر عنه بالدم البَحراني أو كونه عبيطاً فهو حيض إذا دام ثلاثة أيام ، وإذا لم يمكن أن يكون حيضاً بالامكان القياسي لعدم وجدانه الشروط والقيود المعتبرة في الحيض فهو استحاضة .

   وكيف كان فالأخبار الدالة على الملازمة الواقعية بين عدم كون الدم حيضاً وكونه استحاضة مختصة بالمرأة القابلة للاتصاف بالحيض والاستحاضة ودار أمر الدم بينهما فلا تشمل الصغيرة واليائسة اللتين لا يحتمل فيهما الحيض بوجه ، وهما غير قابلتين

ــ[10]ــ

للاتصاف بالتحيض لاشتراط الحيض بالبلوغ وعدم اليأس ، ومعه لا يدور أمر الدم فيهما بين الحيض والاستحاضة ليقال إنه استحاضة لعدم إمكان أن يكون حيضاً بالامكان القياسي .

   على أنّ بعض الروايات مشتملة على لفظ المرأة(1) ، والصغيرة ليست بمرأة، واليائسة وإن كانت كذلك إلاّ أن مقتضى الأخبار المتقدمة أن مورد الحكم بالاستحاضة ليست هي مطلق المرأة، بل المرأة القابلة لأن تحيض تارة وتستحاض اُخرى، واليائسة ليست كذلك .

   نعم ، يمكن الحكم بالاستحاضة في اليائسة بالأخبار الواردة في الاستحاضة ، وأن المستحاضة إذا ثقب الدم الكرسف اغتسلت لكل صلاتين ، وإن لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل مرة لكل يوم والوضوء لكل صلاة (2) وغيرها من الأخبار المشتملة على أحكام المستحاضة .

   وذلك لما قدّمناه من أن المراد بالاستحاضة في الأخبار هو الاستحاضة لغة ، أعني كون المرأة مستمرّة الدم ، وعليه فإذا فرضنا أن اليائسة استمرّ بها الدم شهراً أو شهرين أو ثلاثة أشهر فهي مستحاضة لغة ، وتشملها إطلاق الروايات المتكفلة لبيان وظائف المستحاضة اللغوية .

   ولا يجري هذا البيان في الصغيرة فيما إذا رأت الدم شهراً أو شهرين أو أكثر ، وذلك لأنّ الاستحاضة لغة وإن كانت صادقة على ذلك في نفسها ، إلاّ أن الأخبار الواردة في المستحاضة بعضها مقيد بالمرأة ، والصغيرة ليست كذلك ، على أن الاستحاضة من الحيض فمع عدم إمكان الحيض من الصغيرة لا معنى لكونها مستحاضة .

   بل يمكن الحكم باستحاضتها ووجوب ترتيب آثارها على نفسها حتى فيما إذا كانت مستحاضة اصطلاحاً ولم يستمر دمها شهراً أو شهرين أو أكثر بالأخبار الدالة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 2 : 372 ، 376 / أبواب الاستحاضة  ب 1 ح 2 ، 3 ، 4 ، 11 .

(2) الوسائل 2 : 371 / أبواب الاستحاضة ب 1 .

ــ[11]ــ

على أن المرأة إذا رأت الدم بعد أيام النفاس أو الحيض فهو استحاضة (1) ، تصلِّي وتغتسل وترتب على نفسها آثار المستحاضة بضميمة عدم القول بالفصل القطعي .

   وذلك كما إذا فرضنا أن المرأة رأت الدم بعد حيضها الذي تكون يائسة بعدها ، أو رأته بعد نفاسها الذي تتصف باليأس بعده ، فإنها مشمولة لتلك الأخبار الدالّة على أن الحائض أو النفساء إذا رأت الدم بعد أيام حيضها أو نفاسها فهو استحاضة يجب معها الاغتسال والوضوء ، فإذا وجب على اليائسة أحكام المستحاضة واتصفت بكونها مستحاضة في هذه الصورة حكم عليها بالاستحاضة في بقية الصور بعدم القول بالفصل القطعي . هذا كله في اليائسة .

   وأمّا الصغيرة فلا دليل على أن ما تراه من الدم استحاضة ، وقد عرفت أن الأخبار المتقدِّمة موردها ما إذا كانت المرأة قابلة لأن تحيض تارة ولأن تستحاض اُخرى ، ولم يمكن أن يكون الدم حيضاً بالامكان القياسي، والصغيرة ليست كذلك كما عرفت ، على أن بعض الروايات مشتملة على لفظ المرأة ، والصغيرة ليست بمرأة ، اللّهمّ إلاّ أن يقوم إجماع قطعي على أن ما تراه الصغيرة من الدم استحاضة ، وإلاّ فما يظهر من كلماتهم من التسالم على استحاضتها قابل للمناقشة كما مرّ .

   هذا كلّه في غير دم الجرح والقرح .

    دم القرح والجرح

   أمّا دم القرح والجرح فلا إشكال في أن دم القرح الواقع في فضاء الفرج كدم القرحة الخارجة عن فضائه في عدم كونه استحاضة ، فإنه كالدم الخارج من القرحة في يدها .

   وإنما الكلام في الدم الخارج من القرحة في داخل الرحم فهل يحكم عليه بالاستحاضة أو لا ؟

   قد يقال إنه من الاستحاضة تمسكاً باطلاق الأخبار الواردة في أن الدم الخارج من

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 2 : 371 / أبواب الاستحاضة ب 1 ، 382 / أبواب النفاس ب 3 وغيرهما .

ــ[12]ــ