ــ[21]ــ

فتوضأ (1) ، وإنّما خرجنا عنها في مورد واحد وهو الحدث قبل غسل الجنابة ، لأ نّه ممّا علمنا بعدم كونه سبباً للوضوء ، فإنّ غسل الجنابة ليس معه وضوء ، بمعنى أنّ ما ورد من أنّ غسل الجنابة ليس قبله ولا بعده وضوء(2) مختص بما إذا وقع الحدث قبل تمام الغسل لا قبل إتمامه أي في الأثناء ، وقد قدّمنا أنّ الأوامر الواردة في الوضوء ليست أوامر مولويّة ، وإنّما هي أوامر إرشاديّة إلى شرطيّة الوضوء للصلاة ، فمقتضى المطلقات أنّ الحدث مطلقاً يجب معه الوضوء ، أي أنّ الوضوء شرط للصـلاة سواء تحقّق الحدث قبل الغسل أم في أثنائه أم بعده . نعم خرجنا عن ذلك في الحدث قبـل الغسل إذ لا يشترط معه الوضوء في الصّلاة ، للأدلّة الدالّة على أنّ غسل الجنابة ليس قبله ولا بعده وضوء ، ومع كون الأوامر إرشاديّة لا يأتي فيها بحث التداخل بوجه .

   وأمّا القول الثّاني فهو مشترك الوجه مع القول السّابق في الحكم بصحّة الغسل ، إذ لم يقم دليل على بطلان الغسل في الأعضاء السابقة بالحدث ، وإنّما يمتاز عنه في عدم إيجابه الوضوء معه ، ووجهه أنّ المطلقات الدالّة على أنّ البول أو غيره سبب للوضوء غير تامّة عند هذا القائل ، لتقييدها بما ورد من أن غسل الجنابة ليس قبله ولا بعده وضوء ، فإذا حكمنا بصحّة الغسل فهو غسل جنابة ليس معه وضوء صدر الحدث قبله أم في أثنائه .

   وأمّا القول الثّالث فمدركه أنّ حدوث الحدث في أثناء الغسل يبطله ويجعله كالعدم ومعه لا مناص من إستئنافه من غير حاجة إلى ضمّ الوضوء إليه ، وهذا القول الأخير هو الأقوى .

   والوجه فيه قوله سبحانه ( ... إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوْا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ ... وَإِنْ كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوْا ... )(3) حيث دلّ على أنّ المكلّف الّذي قام إلى الصّلاة من النّوم أو من مطلق الحدث على قسمين جنب وغير جنب ، ووظيفة الجنب

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 1 : 245 ـ 256 / أبواب نواقض الوضوء ب 1 ، 2 ، 3 .

(2) الوسائل 2 : 246 / أبواب الجنابة ب 34 .

(3) المائدة 5 : 6 .

ــ[22]ــ

الإغتسال ووظيفة غير الجنب الوضوء ، وحيث إنّ المكلّف في مفروض المسألة جنب ـ  لعدم تمام غسله ومن هنا لا يسوغ له المحرمات في حقّ الجنب  ـ وقد قام من الحدث فوظيفته الغسل، ولا مناص له من أن يشرع فيه من الابتداء، لأنّ ظاهر الأمر بالغسل إيجاده بتمامه لا إتمامه ، وهذا معنى كون الحدث ناقضاً للغسل في الأعضاء السابقة، ومعه لا يجب عليه الوضوء أيضاً ، لأ نّه وظيفة غير الجنب ووظيفة الجنب الإغتسال .

   نعم ، الأحوط أن يأتي بالغسل في الأعضاء السابقة رجاءً لا بقصد الإتمام أو التمام لاحتمال عدم كون الحدث في أثناء الغسل مبطلاً له في الأعضاء المتقدّمة ، ويضمّ إليه الوضوء أيضاً بداعي إحتمال إختصاص كفاية الغسل عن الوضوء بما إذا وقع الحدث قبل تمامه لا قبل إتمامه ، وبهذا يجمع بين جميع المحتملات ، إلاّ أ نّه يختص بما إذا إستأنف غسله الترتيبي بالغسل الترتيبي .

   وأمّا إذا إستأنف الترتيبي بالإرتماسي فإحتمال صحّة الغسل في الأعضاء السابقة كإحتمال الحاجة إلى الوضوء يضعف غايته ، وذلك لأنّ إحتمال صحّة الغسل في الأعضاء السابقة إنما هو فيما إذا أتى بالأجزاء الباقية وضمّها إليها ، وأمّا إذا رفع يده عن تلك الأجزاء المتقدّمة والشارع أيضاً رخص له في ترك إتمامه غسله الترتيبي فلا يحتمل صحّته ، لأ نّه مركب إرتباطي ، ومع عدم ضمّ الأجزاء الباقية إلى سابقتها يبطل لا محالة ، والمفروض أنّ الشّارع رخّص له في رفع اليد عمّا أتى به ترتيباً حتّى مع القطع بصحّته فضلاً عما إذا شكّ فيها ، لجواز العدول من الترتيبي إلى الإرتماسي ، بمعنى أنّ التخيير بينهما ليس تخييراً بدوياً بل إستمراري ، وله أن يرفع يده عن غسله الترتيبي ويرتمس في الماء ، وبه نقطع بفساد الغسل في الأجزاء المتقدّمة ، ويكون ما عدل به من الغسل الإرتماسي مأموراً به قطعاً ، ويأتي به بنيّة التمام ، ولا حاجة معه إلى نيّة الرّجاء في الأعضاء السابقة ، كما لا يحتاج إلى ضمّ الوضوء إليه ، لصحّة غسله الإرتماسـي ومعه لا يحتاج إلى الوضوء ، إذ لم يقع الحدث في أثنائه ، والأجزاء المأتي بها سابقاً بطل فيها الغسل على الفرض .

ــ[23]ــ

وكذا إذا أحدث في سائر الأغسال ((1)) (1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   الإحداث بالأصغر بين بقيّة الأغسال

   (1) كغسل الحيض ومسّ الميت وغيرهما ، وتوضيح الكلام في هذه المسألة أنّ فيها بحثين تختلف النتيجة باختلافهما .

   أحدهما : أنّ المكلّف إذا كان متطهراً فمس الميت مثلاً أو حدث عليه غيره من أسباب الأحداث الكبيرة ، فهل يكون مس الميت أو غيره من الأحداث الكبيرة ناقضاً لطهارته كما في البول والرّيح والمني ، أو لا تكون ناقضة لطهارته ؟

   ثانيهما : أنّ المكلّف إذا كان محدثاً فأحدث بغير الجنابة من الأحداث الكبيرة ، فهل يكون الاغتسال منها مغنياً عن الوضوء أو لا يكون ، بل لا بدّ معها من أن يتوضأ بعد الغسل أو قبله ؟

   أمّا البحث الأوّل فقد تقدّم الكلام فيه في بحث الوضوء (2) وقلنا إنّ مقتضى حصر النواقض بما تخرج من الطرفين والنوم أعني الرّيح والغائط والبول والمني عدم إنتقاض الطّهارة بالأحداث الكبيرة في غير الإسـتحاضة المتوسطة لما يأتي من أ نّها ناقضة للطهارة كالجنابة (3) .

   وأمّا البحث الثّاني فالصحيح فيه أنّ كلّ غسل وجوبي أو إستحبابي يغني عن الوضوء إذ أيّ وضوء أنقى من الغسل غير غسل الإستحاضة المتوسطة ، وتفصيل الكلام في ذلك يأتي بعد التكلّم في الأغسال إن شاء الله تعالى (4) .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لا يبعد جواز رفع اليد عمّا بيده والإتيان بغسل ارتماسي ، وسيأتي أ نّه يكفي عن الوضوء في غير غسل الاستحاضة المتوسطة .

(2) تقدّم قبل المسألة [ 462 ] .

(3) يأتي في المسألة [ 787 ] .

(4) يأتي التفصيل في ص 402 ، وتأتي الإشارة في المسألة [ 820 ] ، [ 1055 ] .

ــ[24]ــ

   وعليه لو قلنا إنّ الأحداث الكبيرة ناقضة للوضوء وكان المكلّف قد أحدث بالأصغر في أثناء غسل مس الميت أو الحيض أو غيرهما فلا يترتّب على حدثه ذلك أثر ولا يجب عليه بذلك الحدث الوضوء بعد الغسل ، لأ نّه سواء أحدث في الأثناء أم لم يحدث يجب عليه الوضوء بحدثه الأكبر ، لأنّ المفروض أ نّه ناقض للطهارة كالبول .

   ودعوى : أنّ أثر الحدث الأصغر في أثناء الغسل بطلان الغسل في الأعضاء السابقة وعدم كفاية ضمّ الغسل في الأعضاء الباقية إليه فلا مناص من استئنافه .

   مندفعة بأنا إنّما التزمنا بذلك في غسل الجنابة لأجل الآية المباركة كما مرّ(1) ، وأمّا في غيره من الأغسال فلم يدل دليل على أنّ الحدث الأصغر في الأثناء موجب لبطلان الغسل في الأعضاء السابقة ، بل حاله في الأثناء حال الحدث بعد الغسل ، فكما أ نّه لا يوجب بطلان الغسل السابق كذلك الحدث الواقع في أثنائه ، وعليه فلا بدّ من إتمام غسله والوضوء بعده أو قبله .

   فإن قلت : إنّ الغسل وإن لم يبطل بالحدث في أثنائه إلاّ أ نّه لا إشكال في أنّ الحدث الأصغر في نفسه سبب مستقل للوضوء ، وبما أنّ الحدث الأكبر أيضاً سبب له على الفرض ، لأ نّه يوجب إنتقاض الطّهارة كالبول وإن كان سبباً للغسل أيضاً ، فهناك سببان مستقلان للوضوء ، والأصل عدم التداخل ، ومعه لا بدّ من إتمام غسله وضمّ وضوءين إليه .

   قلت : لو تمّ هذا المدعى وجب الغسل مع الوضوءين مطلقاً ، بلا فرق في ذلك بين الحدث الأصغر في أثناء الغسل والحدث الأصغر قبله أم بعده ، لأ نّه سببب مستقل على كلّ حال ، كما أنّ الحدث الأكبر سبب ، والأصل عدم التّداخل ، ولا يمكن الإلتزام بوجوب الغسل مع الوضوءين بوجه .

   وحلّ ذلك أنّ أصالة عدم التّداخل إنّما هي فيما إذا كان الأمران تكليفيين مولويين كما إذا ورد إن ظاهرت فكفّر ، وإن أفطرت فكفّر ، فيقال في مثله إنّ المكلّف إذا ظاهر

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مرّ في الصفحة 21 .

ــ[25]ــ

وأفطر وجبت عليه كفّارتان ، لأنّ الأصل عدم التّداخل ، وأمّا في الأوامر الإرشاديّة إلى الشرطيّة فحسب كما هو الحال في المقام لأنّ معنى الأمر بالوضوء على تقدير البول أو مسّ الميت ونحوهما عدم جواز الدّخول في الصّلاة حينئذ من غير وضوء ، فلا مجال فيه لأصالة عدم التّداخل كما مرّ تحقيقه غير مرّة (1) ، بل مقتضى إطلاق الدّليل في مثله التداخل ، لعدم تقييد الوضوء بفرد دون فرد ، ومن هنا لا يجب عليه غير وضوء واحد فيما إذا بال مرّتين أو نام وبال ، هذا إذا كان المكلّف متطهّراً .

   وأمّا إذا كان محدثاً فاغتسل وأحدث في أثنائه وبنينا على أنّ غير غسل الجنابة لا يغني عن الوضوء فأيضاً الأمر كما قدّمناه ، فإنّ الوضوء واجب في حقّه سواء أحدث في أثناء غسله أم لم يحدث ، وقد مرّ أ نّه لا دليل على بطلان غسله بالحدث الأصغر في أثنائه ، وعليه فيجب عليه إتمام الغسل مع الوضوء .

   وأمّا إذا قلنا إنّ كلّ غسل يغني عن الوضوء ـ كما هو الصّحيح ـ غير غسل الإستحاضة المتوسطة فأيضاً لا كلام في صحّة غسله ، لما مرّ من أنّ الحدث الأصغر لا دليل على كونه موجباً لبطلان الغسل في الأجزاء السابقة ، إلاّ أنّ الصّحيح حينئذ وجوب الوضوء بعده أو في أثنائه ، لأنّ بقيّة الغسل ليست بغسل حتّى يكون أنقى من الوضوء ، وإنّما الدّليل دلّ على أنّ الغسل يغني عن الوضوء ، وليس غير الغسل التامّ بغسل ، فإطلاقات أدلّة وجوب الوضوء بعد البول محكّمة ، فلا مناص من أن يتمّ غسله ويضمّ إليه الوضوء أيضاً .

   اللّهمّ إلاّ أن يعدل عن التّرتيبي إلى الإرتماسي ، بأن يرفع يده عن غسله في الأجزاء السابقة ، لأ نّه أمر سائغ له على الفرض ، وهو مخيّر بينهما في أثناء الغسل كما كان مخيراً بينهما قبله ، فلا يجب الوضوء حينئذ ، لأنّ إرتماسه غسل صحيح ، لقوله (عليه السلام) «إذا إرتمس إرتماسة واحدة أجزأه ذلك» (2) ، ومع الغسل الصّحيح التام لا يجب الوضوء ، لأنّ الغسل أنقى من الوضوء ، هذا .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مرّ في المسألة [ 237 ] ، وسيأتي في الصفحة 43 .

(2) الوسائل 2 : 230 /  أبواب الجنابة  ب 26 ح 5 ، 12 ، 13 ، 15  كلّها بمضمونه .

ــ[26]ــ

ولا فرق بين أن يكون الغسل ترتيبيّاً أو إرتماسيّاً (1) إذا كان على وجه التّدريج ((1))

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   وربما يستدلّ على بطلان الغسل في الأعضاء السابقة بالحدث الأصغر الواقع في أثنائه بمرسلة الصدوق عن الصّادق (عليه السلام) حيث قال فيها «إذا أردت ذلك فإن أحدثت حدثاً من بول أو غائط أو ريح أو منيّ بعدما غسلت رأسك من قبل أن تغسل جسدك فأعد الغسل من أوّله» (2) ، وبرواية الفقه الرضوي (3) الّتي هي أيضاً بمضمون المرسلة .

   إلاّ أنّ المرسلة ضعيفة بإرسالها ، والفقه الرضوي لم يثبت كونه رواية فضلاً عن إعتبارها ، نعم على تقدير كونهما معتبرتين لدلّتا بإطلاقهما على بطلان غير غسل الجنابة أيضاً بالحدث الأصغر في أثنائه .

    عدم الفرق بين التّرتيبي والإرتماسي في المسألة

   (1) يأتي فيه ما قدّمـناه في التّرتيبي بعينه ، ففي غسل الجنابة لا بدّ وأن يستأنف غسله ، بخلاف غسل غير الجنابة ، إذ لا دليل على بطلان غيره من الأغسال بالحدث الأصغر في أثنائه ، إلاّ أ نّه يضم إليه الوضوء من جهة الحدث الأصغر . اللّهمّ إلاّ أن يعدل عما بيده إلى الإرتماسي [ الدفعي ] فإنّه يصح ويغني عن الوضوء في غسل الجنابة وغيره ، بناءً على أنّ كلّ غسل يغني عن الوضوء في غير غسل الإستحاضة المتوسطة .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تقدّم أ نّه يعتبر في صحّة الإرتماسي التدريجي الدفعة العرفيّة ، وعليه يجوز للمغتسل رفع اليد عن المقدار المتحقّق ولو بخروجه من الماء ثمّ الاغتسال ارتماساً أو ترتيباً ، ومعه لا حاجة إلى الوضوء في غسل الجنابة قطعاً .

(2) الوسائل 2 : 238 /  أبواب الجنابة ب 29 ح 4 .

(3) المستدرك 1 : 474 /  أبواب الجنابة ب 21 .

ــ[27]ــ

وأمّا إذا كان على وجه الآنيّة (1) فلا يتصور فيه حدوث الحدث في أثنائه .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    تقارن الحدث الأصغر مع الإرتماسي

   (1) كما هو الصّحيح ، حيث قدّمنا أ نّه أمر آنيّ عقلي غير قابل للتجزئة (1) ، وعليه فلا معنى لوقوع الحدث الأصغر في أثنائه ، إذ لا أثناء له حتّى يقع الحدث في أثنائه . نعم يمكن أن يقارنه الحدث الأصغر ، بأن يتحقّق الحادثان مقترنين ، وهذا لا ينافي عدم إمكان وقوع أحدهما في أثناء الآخر لبساطته ، إذ لا مانع من أن يكون البسيط مقارناً لأمر آخر بحسب الزّمان ، وهل يكون هذا موجباً لبطلان غسل الجنابة كما كان هو الحال في الغسل التّرتيبي أو الإرتماسي التّدريجي أو لا يكون ؟

   التحقيق صحّة الغسل حينئذ وعدم بطلانه بمقارنة الحدث الأصغر معه ، وذلك لأنّ نسبة الغسل إلى ارتفاع الجنابة كنسبة العلّة إلى معلولها ونسبة الحكم إلى موضوعه ومن البديهي أنّ التقدّم في العلّة ومعلولها وكذا في الحكم وموضوعه طبعي رتبي ، وأمّا بحسب الزّمان فهما متقارنان ، لإستحالة تخلّف المعلول عن علّته والحكم عن موضوعه ، وعليه فالمكلّف حينما يغتسل محكـوم بإرتفاع جنابته ، وبما أنّ الحدث الأصغر مقترن مع الغسل فهو مقترن مع إرتفاع الحدث والجنابة لا محالة ، فالحكم بكونه محدثاً بالحدث الأصغر إنما هو في زمان الحكم بعدم جنابته ، ومن الواضح أنّ وظيفة المحدث بالحدث الأصغر غير الجنب هو التوضؤ دون الإغتسال ، كما قدّمنا تقريبه عند الإستدلال بالآية المباركة (2) .

   نعم ، لو قلنا بإعتبار المرسلة ورواية الفقه الرّضوي وتعدّينا عن موردهما الّذي هو الغسل التّرتيبي إلى المقام لأمكن الحكم ببطلان غسل الجنابة حينئذ ، إلاّ أ نّك عرفت عدم تماميّة شيء منهما .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تقدّم في المسألة [ 665 ] .

(2) تقدّم في الصفحة 21 .

ــ[28]ــ

   [ 692 ] مسألة 9 : إذا أحدث بالأكبر في أثناء الغسل فإن كان مماثلاً للحدث السّابق ـ كالجنابة في أثناء غسلها أو المس في أثناء غسله ـ فلا إشكال في وجوب الإستئناف ، وإن كان مخالفاً له فالأقوى عدم بطلانه ، فيتمّه ويأتي بالآخر ، ويجوز الإستئناف بغسل ((1)) واحد لهما ويجب الوضوء بعده ((2)) إن كانا غير الجنابة أو كان السابق هو الجنابة ((3)) حتّى لو استأنف وجمعهما بنيّة واحدة على الأحوط، وإن كان اللاّحق جنابة فلا حاجة إلى الوضوء ، سواء أتمّه وأتى للجنابة بعده أم استأنف وجمعهما بنيّة واحدة (1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   وقوع الحدث الأكبر في أثناء الغسل وصوره

   (1) للمسألة صور : فإنّ الحدث الأكبر الواقع في أثناء الغسل إمّا أن يكون متماثلاً مع الحدث السابق ، كما إذا خرج منه المني في أثناء غسله من الجنابة ، أو مسّ الميت في أثناء غسله من المس وهكذا ، وإمّا أن يكون مخالفاً له ، وعليه فقد يكون المتقدّم هو الجنابة وما وقع في الأثناء غير الجنابة ، وقد يكون المتقدّم غير الجنابة والمتأخر هو الجنابة ، وثالثة يكون المتقدِّم والمتأخِّر كلاهما غير الجنابة .

   أمّا إذا كان المتأخر والمتقدّم متماثلين فلا ينبغي الإشكال في أنّ المتأخر موضوع مستقل للحكم بوجوب الإغتسال ، وظاهر الأمر بالغسل حينئذ إيجاده من الابتداء فلا يكفي تتميم الغسل السابق في إرتفاع حدثه ، فيجب عليه حينئذ أن يستأنف غسله ، ففي غسل الجنابة لا يجب عليه الوضوء حينئذ ، لأ نّه مغن عنه ، وأمّا في غيره فيبتني على القول بأ نّه يغني عن الوضوء أو لا يغني ، وحال المكلّف حينئذ من هذه الجهة حال ما إذا لم يكن له إلاّ حدث واحد ولم يطرأ عليه الحدث الثّاني في أثناء غسله .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) إرتماساً ، وأمّا التّرتيبي فيقصد به رفع الحدث الموجود على النحو المأمور به في الواقع .

(2) على الأحوط ، ولا يبعد عدم وجوبه في غير غسل الإستحاضة المتوسطة كما سيأتي .

(3) إذا كان الاستئناف بغسل ارتماسي كان الاحتياط في هذا الفرض ضعيفاً .

ــ[29]ــ

   وأمّا إذا  كان المتقدّم والمتأخر متخالفين فقد تقدّم أنّ له صوراً ثلاثاً ، ولا إشكال في جميع تلك الصور في عدم بطلان الغسل في الأعضاء السابقة بالحدث الأكبر الواقع في أثنائه ، لأ نّه لا دليل عليه ، وإنّما الكلام في أ نّه هل يوجب الوضوء أو لا يوجبه ؟

   أمّا الصورة الاُولى ووقوع الحدث غير الجنابة في أثناء غسل الجنابة ، كما إذا مسّ الميت في أثناء غسل الجنابة ، فإن قلنا إنّ الأحداث الكبيرة غير الجنابة أيضاً من نواقض الوضوء فهي في أنفسها توجب الوضوء ولا رافع له ، لأنّ غسل الجنابة إنّما يغني عن الوضوء فيما إذا وقع بتمامه بعد الحدث ، وأمّا إذا وقع بعضه بعد الحدث فلا يوجب رفعه ، ومعه لا بدّ من أن يتمّ غسله ثمّ يغتسل لمسّ الميت ويضمّ إليه الوضوء أيضاً ، نعم له أن يرفع يده عن غسله ويعدل إلى الإرتماس فإنّه حينئذ يكفي عن كلا الحدثين كما يغني عن الوضوء أيضاً .

   وأمّا إذا لم نقل بكونها من النواقض ، فسواء قلنا بكونها مغنية أم لم نقل لا يجب عليه الوضوء في مفروض المسألة ، لأنّ غسل الجنابة ليس قبله ولا بعده وضوء ، ولم يحدث سبب يقتضي الوضوء ، بلا فرق في ذلك بين أن يكون المكلّف محدثاً بالأصغر قبل حدثه الأوّل أم كان متطهراً منه .

   وأمّا الصّورة الثّانية  اُعني ما إذا كان الحدث الواقع في الأثناء هو الجنابة والحدث الأوّل غير الجنابة ، كما إذا أجنب في أثناء غسل مسّ الميت ، فلا إشكال في عدم وجوب الوضوء عليه ، لأ نّه لا بدّ من أن يغتسل للجنابة في أثناء غسله أم بعده وغسل الجنابة يغني عن الوضوء .

   وله في هذه الصّورة أيضاً أن يرفع يده عن غسله ويأتي بغسل الجنابة بعد ذلك لأ نّه يرفع جميع الأحداث الطارئة عليه سواء قصدها أم لم ينوها ، لما يأتي من أنّ غسل الجنابة يرفع ما تقدّم عليه من الأحداث ، وهذه الصّورة أيضاً لا يفرق فيها بين ما إذا كان المكلّف متطهراً قبل حدثه الأوّل أم كان محدثاً .

   وأمّا الصّورة الثّالثة  بأن يكون الحدثان كلاهما غير الجنابة ، كما إذا مسّت المرأة ميتاً في أثناء إغتسالها من النّفاس ، فإن كان المكلّف متطهراً قبل حدثه السابق وقلنا

ــ[30]ــ

إنّ الحدث الأكبر غير الجنابة ليس من نواقض الوضوء ولا يوجبه كما هو الصّحيح فلا موجب لتوهم وجوب الوضوء عليه ، لأ نّه كان متطهراً على الفرض ، وما وقع من الحدثين غير ناقض ولا موجب للوضوء ، فطهارته باقية بحالها .

   وأمّا إذا كان محدثاً قبل حدثه السّابق وقلنا أنّ الحدثين غير ناقضين ولا موجبين للطهارة فلا مناص من أن يتوضأ ، لأ نّه محدث بالأصغر ولم يطرأ ما يرفعه .

   وأمّا إذا قلنا إنّ الأحداث الكبيرة غير الجنابة موجبة للطهارة ومغنية عن الوضوء فأيضاً لا يجب عليه الوضوء ، لإغتساله من الحدثين ، وهما يغنيان عن الوضوء ، وإن قلنا بالتفصيل في ذلك بين الأحداث ولم نقل بإغناء بعضها عن الوضوء ، كغسل الإستحاضة المتوسطة مثلاً ، فلا بدّ من التفكيك في المقام والحكم بعدم وجوب الوضوء في غسل الإستحاضة المذكورة والحكم بوجوبه فيه .

    بقي الكلام في شيء  وإن ظهر حكمه ممّا تقدّم ، وهو ما إذا أحدث بالحدث الأكبر في أثناء الوضوء ، فهل يجب عليه إتمامه أو لا بدّ من إستئنافه الوضوء ؟

   إذا كان الحدث الطارئ هو الجنابة فلا إشكال في بطلان وضوئه ، لأنّ المني من جملة النواقض ، وليس له إتمامه لأ نّه محدث وهو جنب، والمحدث الجنب يجب عليه الغسل بمقتضى الآية المباركة(1) دون الوضوء .

   وأمّا إذا كان غير الجنابة فإن قلنا إنّها من النواقض كالبول والغائط فأيضاً لا كلام في بطلان الوضوء بها ، ويجب عليه إستئنافه كما يجب عليه أن يغتسل من الحدث الطارئ في الأثناء ، وأمّا إذا لم نقل بكونها من النواقض ـ كما لا نقول به ـ لأدلّة حصر النواقض فلا وجه لبطلان وضوئه ، بل له أن يتمّه ويغتسل من حدثه ، نعم إذا قلنا بإغناء كلّ غسل عن الوضوء لا يجب عليه التوضؤ فيما إذا إغتسل من حدثه الطارئ في أثناء وضوئه ، لأ نّه يغني عن الوضوء .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المائدة 5 : 6 .

ــ[31]ــ

   [ 693 ] مسألة 10 : الحدث الأصغر في أثناء الأغسال المستحبّة أيضاً لايكون مبطلاً لها (1) ، نعم في الأغسال المستحبّة لإتيان فعل(2)