بسم الله الرّحمن الرّحيم

    الحمد لله ربّ العالمين ، والصّلاة والسّلام على سيِّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطّاهرين .

   أمّا بعـد ،  فهذا هو الجزء السّادس من كتـابنا  «التنقيح»  في شرح العروة الوثقى وقد مكّننا الله تعالى من إعداده للطّبع، ونرجو من فضله العميم أن يوفّقنا لإتمام بقيّة أجزاء الكتاب ، إنّه خير موفِّق ومعين .

ــ[1]ــ

 فصل

في مستحبّات غسل الجنابة

    وهي أُمور :

   أحدها : الإستبراء من المني بالبول قبل الغسل .

   الثّاني : غَسل اليدين ثلاثاً إلى المرفقين أو إلى نصف الذراع أو إلى الزَّندين من غير فرق بين الإرتماس والتّرتيب .

   الثّالث : المضمضة والإستنشاق بعد غَسل اليدين ثلاث مرّات ، ويكفي مرّة أيضاً .

   الرّابع : أن يكون ماؤه في التّرتيبي بمقدار صاع ، وهو ستمائة وأربعة عشر مثقالاً وربع مثقال .

   الخامس : إمرار اليد على الأعضاء لزيادة الإستظهار .

   السّادس : تخليل الحاجب غير المانع لزيادة الإستظهار .

   السّابع : غسل كلّ من الأعضاء الثّلاثة ثلاثاً .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فصل : في مستحبّات غسل الجنابة

    قد تعرّض (قدس سره) لجملة من الاُمور الّتي قالوا باستحبابها في غسل الجنابة إلاّ أنّ بعضها لم يرد فيه رواية ، وإنما أفتى بعض الأصحاب باستحبابه ، وهو يبتني على

ــ[2]ــ

   الثّامن : التّسمية ، بأن يقول «بسم الله» والأولى أن يقول «بسم الله الرّحمن الرّحيم» .

   التّاسع : الدُّعاء المأثور في حال الإشتغال ، وهو : «اللّهمّ طهِّر قلبي ، وتقبَّل سعيي ، واجعل ما عندك خيراً لي ، اللّهمّ اجعلني من التّوّابين ، واجعلني من المتطهِّرين» ، أو يقول : «اللّهمّ طهِّر قلبي ، واشرَح صدري ، وأجرِ على لساني مِدحتك والثّناء عليك ، اللّهمّ اجعله لي طَهوراً وشِفاءً ونوراً ، إنّك على كلّ شيء قدير» ، ولو قرأ هذا الدُّعاء بعد الفراغ أيضاً كان أولى .

   العاشر : الموالاة والابتداء بالأعلى في كلّ من الأعضاء في التّرتيبي .

   [ 684 ] مسألة 1 : يكره الاستعانة بالغير في المقدّمات القريبة على ما مرّ في الوضوء (1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تماميّة قاعدة التّسامح في أدلّة السنن في نفسها ثمّ تعديتها إلى فتوى الفقيه ، ومن ثمّ لا يهمّنا التعرّض لها في المقام . ثمّ تعرّض لعدّة مسائل :

   (1) لم ترد رواية في كراهة الاستعانة بالغير في المقدّمات في الغسل ، وإنّما ذكروا ذلك في الوضوء وادّعوا دلالة بعض الأخبار (1) عليها معلّلاً بأنّ الله أمر أن لا يشرك في عبادته . وقد قدّمنا هناك (2) أنّ الظّاهر من تعليل الرّواية أنّ المنهي عنه هو الاستعانة بالغير في النيّة ، بأن يأتي بالوضوء لغير الله ، فإنّ العبادة لا بدّ أن يؤتى بها مستقلّة لله ، ولا يصحّ إتيانها للغير مستقلاًّ أو بالانضمام ، ولا دلالة لها على كراهة الاستعانة بالمقدّمات ، بل لا يتحقق الوضوء من غير الاستعانة بالغير في المقدّمات إلاّ على وجه الندرة والشذوذ ، لاحتياجه إليها ولو من حيث المكان والماء وغيرها .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 1 : 476 / أبواب الوضوء ب 47 ح 1 ، 2 ، 3 ، 4 .

(2) ذيل القسم الثّاني قبل المسألة [ 561 ] .

ــ[3]ــ

   [ 685 ] مسألة 2 : الاسـتبراء بالبول قبل الغسل ليس شرطاً في صحّته (1) وإنّما فائدته عدم وجوب الغسل إذا خرج منه رطوبة مشتبهة بالمني ، فلو لم يستبرئ واغتسل وصلّى ثمّ خرج منه المني أو الرطوبة المشتبهة لا تبطل صلاته ويجب عليه الغسل لما سيأتي .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   عدم إشتراط الاستبراء في صحّة الغسل

   (1) وذلك لعدم دلالة الدليل على الإشتراط ، فمقتضى إطلاق الأخبار الواردة في كيفية الغسل الآمرة بغسل الرأس والبدن بل وغسل الفرج (1) وسكوتها عن بيان إعتبار البول في صحّته مع كونها واردة في مقام البيان عدم إشتراطه به .

   نعم ، قد يستدلّ على اشتراط الغسل بالبول قبله بصحيحة محمّد بن مسلم «عن الرّجل يخرج من إحليله بعد ما اغتسل شيء ، قال يغتسل ويعيد الصّلاة ، إلاّ أن يكون بال قبل أن يغتسل ، فإنه لا يعيد غسله» (2) ، نظراً إلى أنه لا وجه للأمر بإعادة الصّلاة والاغتسال إلاّ بطلان الغسل قبل البول بخروج البلل من إحليله ، فهذا يدل على اشتراط الغسل بالبول قبله .

   وفيه : أنّ راوي هذا الحديث وهو محمّد بن مسلم قد روى متّصلاً بهذا الحديث وقال «قال أبو جعفر (عليه السلام) من اغتسل وهو جنب قبل أن يبول ، ثمّ وجد بللا فقد انتقض غسله ، وإن كان بال ثمّ اغتسل ثمّ وجد بللا فليس ينقض غسله ولكن عليه الوضوء ، لأنّ البول لم يدع شيئاً» (3) ، فإن التّعبير بالانتقاض كالصريح في أنّ غسله قبل أن يبول قد وقع صحيحاً ، إلاّ أ نّه انتقض بحدوث الجنابة الجديدة أعني البلل المشتبه ، وبهذا نحمل الأمر بإعادة الصّلاة فيها على ما إذا صلّى بعد خروج البلل المشتبه .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 2 : 229 / أبواب الجنابة ب 26 .

(2) الوسائل 2 : 251 / أبواب الجنابة ب 36 ح 6 .

(3) الوسائل 2 : 251 / أبواب الجنابة ب 36 ح 7 .

ــ[4]ــ

   وقد يتوهّم : أنّ الأمر بإعادة الغسل على تقدير عدم البول قبل الاغتسال وخروج البلل المشتبه بعده ـ كما في صحيحة الحلبي(1) وموثقة سماعة (2) وغيرهما (3) بل وكذا في صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة حيث دلّت على أ نّه إذا بال قبل أن يغتسل لا يعيد غسله ـ يدل على بطلان الغسل الواقع من غير بول ، إذ لو كان الغسل قبل أن يبول صحيحاً وكانت الرطوبة المشتبهة جنابة جديدة لم يصح التعبير بإعادة الغسل حينئذ لأنّ السبب الجديد يستدعي الإتيان بالعمل إبتداء ، ولا يصح أن يقال إنّه يوجب إعادة العمل . مثلاً زوال الشّمس سبب في الأمر بصلاة الظّهر ، فلا يصح معه أن يقال إذا زالت الشّمس أعد صلاة الظّهر ، لأ نّها حينئذ ليست إعادة للمأتي به ، بل هو مأمور به بالأمر الثّاني مستقلاًّ إبتدائيّاً ، فالأمر بالإعادة يكشف عن عدم كون البلل المشتبه الخارج بعد الغسل وقبل البول سبباً جديداً ، وإنما هو كاشف عن فساد الغسل الواقع قبل البول .

   ويدفعه : أنّ الكبرى المشار إليها وإن كانت صحيحة ، فإنّ السبب الجديد يستدعي إيجاد المأمور به إبتداء ، لا أ نّه يوجب إعادته ، فالتعبير بالإعادة غير صحيح عند حدوثه ، إلاّ أنّ تلك الكبرى غير منطبقة على المقام ، حيث إنّ الغسل ليس واجباً نفسيّاً ، وإنّما هو شرط مقارن للصلاة ، وإنّما يؤتى به قبلها من جهة عدم تمكّن المكلّف من أن يأتي به مقارناً للمأمور به ، فإذا أتى به قبل الصّلاة فإنّما يأتيه بداعي أن يصلِّي مع الطّهارة ، فإذا إغتسل ولم يحصل به غرضه الدّاعي إلى إتيانه ، أي لم يأت بالصلاة بعده لتخلّل جنابة جديدة بينهما واحتاج إلى إتيان الغسل ثانياً تحصيلاً لثمرته وغرضه صحّ أن يقال أعد غسلك ، لا لأنّ الغسل الواقع قبل الجنابة وقع باطلاً ، بل لأ نّه لم يحصل غرضه ولم يترتّب عليه ثمرته وكان في حكم الفاسد من حيث عدم إمكان الإتيان بالصلاة معه .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 2 : 250 / أبواب الجنابة ب 36 ح 1 ، 5 .

(2) الوسائل 2 : 251 / أبواب الجنابة ب 36 ح 8 .

(3) كموثقة سليمان بن خالد ورواية معاوية بن ميسرة ، نفس المصدر ح 10 ، 9 .

ــ[5]ــ

   والّذي يدلّنا على ذلك الأخبار المستفيضة الآمرة بإعادة الوضوء إذا غلب النوم العقل أو تحقّق بعده غيره من نواقض الوضوء(1) وما ورد من أنّ الوضوء لا يعاد من الرعاف ونحوه(2) ، إذ لا يتوهّم أنّ عدم النوم شرط في صحّة الوضوء ، فالأمر بإعادته حينئذ ليس بكاشف عن وقوعه فاسداً ، وإنّما هو من جهة عدم ترتب الغرض المقصود منه عليه ، فكان الإتيان به صحيحاً كالإتيان به فاسداً من حيث عدم ترتب الواجب عليه فليراجع . فالصحيح عدم دلالة شيء من ذلك على إشتراط الغسل بالبول قبله .

   نعم ، موثقة أحمد بن هلال كالصريح في الإشتراط حيث قال «سـألته عن رجل إغتسل قبل أن يبول ، فكتب : إنّ الغسل بعد البول إلاّ أن يكون ناسياً فلا يعيد منه الغسل»(3) ، لأنّ قوله «إنّ الغسل بعد البول» كالصريح في أ نّه إذا وقع قبل البول فسد .

   إلاّ أ نّها ضعيفة الدلالة على المدّعى ، وذلك لعدم تعرّضها لخروج البلل المشتبه بعد الغسل ، وبطلان الغسل قبل البول إذا لم يخرج منه البلل المشتبه ممّا لا يلتزمون بـه فإنّما يقول من قال به على نحو الشرط المتأخّر ، وأ نّه إذا خرجت منه الرّطوبة المشتبهة يكشف ذلك عن عدم صحّة الغسل الواقع قبل البول ، وأمّا إذا إغتسل ولم يبل ولم يخرج منه بلل بعد ذلك فلا يحكمون ببطلان غسله بوجه .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 1 : 248 / أبواب نواقض الوضوء ب 1 ح 9 ، ب 3 ح 2 ، ب 5 ح 5 ، ب 7 ح 9 ، ب 9 ح 9 ، 10 .

(2) الوسائل 1 : 265 / أبواب نواقض الوضوء ب 7 ح 5 و 8 و 11 ، ب 7 ح 9 ، ب 6 ح 1 ، ب 9 ح 8 ، ب 10 ح 2 ، ب 14
ح 1،  ب 16 ح 3 .

(3) الوسائل 2 : 252 / أبواب الجنابة ب 36 ح 12 .

ــ[6]ــ

   [ 686 ] مسألة 3 : إذا اغتسل بعد الجنابة بالإنزال ثمّ خرج منه رطوبة مشتبهة بين البول والمني فمع عدم الإستبراء قبل الغسل بالبول يحكم عليها بأنها مني ، فيجب الغسل ، ومع الإستبراء بالبول وعدم الإستبراء بالخرطات بعده يحكم بأ نّه بول فيوجب الوضوء ، ومع عدم الأمرين ((1)) يجب الإحتياط بالجمع ((2)) بين الغسل والوضوء إن لم يحتمل غيرهما ، وإن إحتمل كونها مذياً مثلاً ـ  بأن يدور الأمر بين البول والمني والمذي  ـ فلا يجب عليه شيء ، وكذا حال الرّطوبة الخارجة بدواً من غير سبق جنابة ، فإنّها مع دورانها بين المني والبول يجب الإحتياط بالوضوء والغسل ، ومع دورانها بين الثّلاثة أو بين كونها منيّاً أو مذياً ، أو بولاً أو مذياً لا شيء عليه (1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   البلل المشتبه وصوره

   (1) الصور ثلاث لأ نّه عند خروج البلل بعد الإغتسال قد لا يستبرئ بالبول قبله ، وقد يستبرئ بالبول قبل الإغتسال إلاّ أ نّه لا يستبرئ بعد البول بالخرطات وثالثة يستبرئ بالبول قبل الإغتسال كما أ نّه يستبرئ بالخرطات بعد البول .

   الكلام في الصورة الاُولى :  أعني ما إذا إغتسل من غير أن يبول قبله ، وفيه جهات للكلام :

    الجهة الاُولى :  أ نّه لا إشكال حينئذ في أنّ البلل المشتبه الخارج بعد الغسل في حكم المني ، ويجب معه الإغتسال ، وذلك للأخبار المعتبرة الّتي فيها صحيحة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لعلّه أراد بالأمـرين عدم الاسـتبراء بالبول وعدم الاسـتبراء بالخرطات ، وإلاّ كانت كلمة «عدم» من سهو القلم .

(2) هذا  إذا  كان متطهِّراً قبل خروج الرّطوبة المشتبهة كما لعلّه المفروض ، وأمّا  إذا  كان محدثاً بالأصغر فالأظهر كفاية الإقتصار على الوضوء ، ومنه يظهر الحال فيما إذا خرجت الرّطوبة من غير سبق الجنابة .

ــ[7]ــ

وموثقة (1) ، حيث دلّت على أ نّه كالمني ولا بدّ معه من الإغتسال ، وهذا هو المعروف المشهور بينهم .

   وقد نسب إلى الصدوق القول بإستحباب الغسل حينئذ (2) ، تمسكاً بما رواه من أ نّه إن كان قد رأى بللاً ولم يكن بال فليتوضأ ولا يغتسل ، إنّما ذلك من الحبائل (3) ، فإذا ضمّ ذلك إلى الأخبار الآمرة بالغسل حينئذ فتكون النتيجة هي إستحباب الغسل عند خروج البلل المشتبه فيما إذا إغتسل ولم يكن قد بال .

   ويدفعه : أن الرّواية قاصرة السند والدلالة ، أمّا بحسب السند فلأ نّها مرسلة ولا اعتبار بالمراسيل ، وأمّا من حيث الدلالة فلأن البلل الخارج حينئذ إذا كان من الحبائل كالمذي فلماذا وجب معه الوضوء ، فالصحيح هو ما ذهب إليه المشهور من وجوب الغسل حينئذ .

   نعم ، ورد في رواية زيد الشحّام عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال «سألته عن رجل أجنب ثمّ إغتسل قبل أن يبول ثمّ رأى شيئاً ، قال : لا يعيد الغسل ، ليس ذلك الّذي رأى شيئاً» (4) ، وفي رواية عبدالله بن هلال قال «سألت أبا عبدالله عن الرّجل يجامع أهله ثمّ يغتسل قبل أن يبول ثمّ يخرج منه شيء بعد الغسل ، قال : لا شيء عليه ، إنّ ذلك ممّا وضعه الله عنه» (5) . وهما تدلاّن على عدم وجوب الغسل حينئذ .

   إلاّ أ نّهما ليستا قابلتين للمعارضة مع الأخبار الدالّة على وجوب الإغتسال لضعفهما بحسب السند ، أمّا الاُولى فبأبي جميلة المفضّل بن الصالح ، وأمّا الثّانية فبعبد الله بن هلال . بل يمكن المناقشة في دلالتهما أيضاً ، حيث إنّ الجماع غير مستلزم للإنزال دائماً حتّى يجب البول بعده ، وكذا الجنابة المطلقة ، فإنّ البحث إنّما هو في الجنابة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 2 : 250 / أبواب الجنابة ب 36 .

(2) نسبه إليه في المستمسك 3 : 119 ، وراجع الفقيه 1 : 48 / باب صفة غسل الجنابة ، ذيل ح 188 .

(3) الوسائل 2 : 250 / أبواب الجنابة ب 36 ح 2 ومع اختلاف يسير ح 4 .

(4) الوسائل 2 : 253 / أبواب الجنابة ب 36 ح 14 .

(5) الوسائل 2 : 252 / أبواب الجنابة ب 36 ح 13 .

ــ[8]ــ

بالإنزال ، وهو غير مذكور فيهما ، إلاّ أنّ العمدة في المناقشة هي ضعف سنديهما .

    الجهة الثّانية :  هل يجب الغسل عند خروج البلل المشتبه بعد الغسل وقبل البول مطلقاً ، أو أ نّه يختص بما إذا ترك البول مع التمكّن منه قبل الإغتسال ، وأمّا إذا تركه لعدم تمكّنه من البول حينئذ فلا يجب عليه الإغتسال ؟

   الصحيح وجوب الغسل في كلتا الصورتين ، لإطلاق رواياته حيث لم يقم على التفصيل بين الصّورتين دليل ولو رواية ضعيفة .

   وهل يجب الغسل مطلقاً أو يختص بما إذا ترك البول قبل الغسل متعمداً ، وأمّا إذا تركه نسياناً فلا يحكم عليه بوجوب الغسل ؟

   نسب التفصيل بين الناسي والعامد إلى الشيخ(1) ، والمشهور عدم الفرق بين الصورتين وهو الصّحيح وذلك لعدم تماميّة ما استدلّ به على هذا التفصيل ، وهو رواية جميل بن درّاج قال «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الرّجل تصـيبه الجنابة ، فينسى أن يبول حتّى يغتسل ثمّ يرى بعد الغسل شيئاً ، أيغتسل أيضاً ؟ قال : لا ، قد تعـصّرت ونزل من الحـبائل»(2) ، وهي ضعيفة السند بعلي بن السـندي حيث لم تثبت وثاقته ومعه إطلاقات الأخبار الآمرة بالغسل حينئذ محكمة .

    الجهة الثّالثة :  أنّ مورد الأخبار الآمرة بالغسل عند خروج البلل المشتبه ما إذا احتمل أن تكون الرطوبة منيّاً ، ولا إطلاق لها يشـمل صورة العلم بعدم كونها منيّاً كما إذا علمنا بأ نّها بول أو مذي مثلاً ، وذلك لقوله (عليه السلام) «لأنّ البول لم يدع شيئاً» (3) ، فإنّ ظاهره أ نّه إنّما يغتسل إذا لم يبل من جهة احتمال أن يكون البلل منيّاً

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نسبه إليه في الحدائق 3: 31 وراجع الاستبصار 1 : 120 / باب وجوب الاستبراء من الجنابة ذيل الحديث 8 ، 9 ، التهذيب 1 : 145 / ب 6 ذيل الحديث 100 ، 101 .

(2) الوسائل 2 : 252 / أبواب الجنابة ب 36 ح 11 .

(3) الوسائل 2 : 251 / أبواب الجنابة ب 36 ح 7 .

ــ[9]ــ

فلا يشمل صورة العلم بعدم كونها من المني ، هذا .

   مع أ نّا لو سلمنا أ نّها مطلقة وإطلاقها يشمل ما إذا لم يحتمل كونها منيّاً فمقتضى الأخبار (1) الدالّة على حصر وجوب الغسل بالماء الأكبر عدم وجوب الغسل من غيره ، كالرطوبة المردّدة بين البول والمذي مثلاً ، فيختص الغسل بما إذا إحتمل كون الرّطوبة منيّاً ، لأنّ إحتماله منجّز حينئذ .

    الجهة الرّابعة :  أنّ الأخبار الآمرة بالغسل عند خروج البلل المشتبه بعد الغسل قبل أن يبول مقتضى إطلاقها وجوب الغسل سواء إستبرأ بالخرطات أم لم يستبرئ فهي كما تشمل غير موارد العلم الإجمالي بالناقض ، كما إذا تردّدت الرّطوبة بين أن تكون منيّاً أو بولاً أو مذياً ، كذلك تشمل موارد العلم الإجمالي بوجوده ، كما إذا دارت بين كونها بولاً أو منيّاً ، إلاّ أنّ مقتضى إطلاقها تعيّن الوظيفة حينئذ في الغسل وإنحلال العلم الإجمالي بذلك هذا كلّه في الصّورة الاُولى ، وهي ما إذا إغتسل من غير أن يستبرئ بالبول قبله .

   وأمّا الصّورة الثّانية : وهي ما إذا إستبرأ بالبول قبل غسله ولكنّه لم يستبرئ بعد البول بالخرطات ، فمقتضى الأخبار الواردة في المقام كموثقة سماعة : «فإن كان بال قبل أن يغتسل فلا يعيد غسله ولكن يتوضأ ويستنجي» (2) ، وما رواه معاوية بن ميسرة : «إن كان بال بعد جماعه قبل الغسل فليتوضأ» (3) وكذا الأخبار (4) المطلقة الواردة في الإستبراء الآمرة بالوضوء ـ  بعد خروج مطلق الرطوبة بعد البول وإن لم يكن مسبوقاً بالجنابة  ـ وجوب الوضوء حينئذ ، بل مقتضى الموثقة نجاسة البلل أيضاً ، حيث دلّت على وجوب الإستنجاء معه ، نعم ذكر شيخنا الأنصاري في رسائله (5) أنّ الأخبار إنما

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 2 : 187 و 188 / أبواب الجنابة ب 7 ح 6 و 11 ، 196 و 197 / ب 9 ح 1 ، 2 ، 3 .

(2) الوسائل 2 : 251 / أبواب الجنابة ب 36 ح 8 .

(3) الوسائل 2 : 252 / أبواب الجنابة ب 36 ح 9 .

(4) الوسائل 1 : 282 / أبواب نواقض الوضوء ب 13 .

(5) الفرائد 2 : 423 ـ صرّح الشيخ بنجاسة البلل من غير طريق الاستدلال بالموثّقة فراجع وتأمّل .

ــ[10]ــ

تدل على وجوب الوضوء مع البلل ولا دلالة لها على نجاسته ، إلاّ أنّ الموثقة حجّة عليه ، هذه جهة .

   الجهة الثّانية في المقام : أنّ الأخبار الآمرة بالوضوء حينئذ موردها ما إذا إحتملنا أن تكون الرّطوبة بولاً ، وأمّا إذا دار أمرها بين أن تكون منيّاً أو مذياً فلا يجب عليه الوضوء ، لأنّ الظّاهر من الأخبار أ نّه من جهة إحتمال خروج البول حينئذ .

   على أ نّا لو سلمنا إطلاق الأخبار وعدم إختصاصها بصورة إحتمال كون الرّطوبة المشتبهة بولاً فالأخبار الحاصرة لانتقاض الوضوء بالبول والغائط والرّيح والنّوم (1) تقتضي تقييد المطلقات بصورة إحتمال كون الرّطوبة بولاً لا محالة ، فإنّ دلالة الأخبار على إنحصار النواقض بما ذكر دلالة وضعية لكلمة إنّما ونحوها ، والدّلالة الوضعيّة متقدّمة على الدلالة بالإطلاق ومقدّمات الحكمة كما لا يخفى ، وعليه فلو فرضنا أنّ الرّطوبة دارت بين المني والمذي لا يجب عليه الغسل ، لأ نّه بال والبول لم يدع شيئاً من المني ، ولا يجب عليه الوضوء أيضاً ، لأ نّها ليست ببول على الفرض .

    بقي الكلام في الصّورة الثّالثة

   وهي ما إذا بال قبل الإغتسال واستبرأ بالخرطات بعد البول ، وهي المراد بقول الماتن «ومع عدم الأمرين يجب الإحتياط» ، فإنّ الأمرين السابقين هما الغسل مع عدم الإستبراء بالبول أو مع عدم الإستبراء بالخرطات على تقدير الإستبراء بالبول وعدمهما يكون عبارة عن الغسل مع الإستبراء بكلّ من البول والخرطات . وهذه الصّورة تنقسم إلى صور :

    الصورة الاُولى :  ما إذا بال واستبرأ بالخرطات ثمّ إغتسل وخرجت منه رطوبة مشتبهة مردّدة بين المني وغير البول للقطع بعدم كونها بولاً ، فلا يجب عليه حينئذ شيء من الغسل والوضوء ، أمّا عدم وجوب الغسل فلإستبرائه بالبول وهو لم يدع

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 1 : 245 و 246 / أبواب نواقض الوضوء ب 1 ح 2 ، 3 ، 248 / ب 2 .

ــ[11]ــ

شيئاً ، وأمّا عدم وجوب الوضوء فللقطع بعدم كون الرّطوبة بولاً على الفرض .

    الصورة الثّانية :  الصورة مع تردّد الرّطوبة بين أن تكون بولاً أو غير مني أو بين البول والمني والمذي ، وفي هذه الصّورة أيضاً لا يجب عليه الغسل ، وذلك لأ نّه إستبرأ بالبول وهو لم يدع شيئاً ، وهل يجب عليه الوضوء حينئذ ؟

   فقد يتوهّم وجوبه تمسّكاً بإطلاق الأخبار الآمرة بالوضوء فيما إذا بال واغتسل وخرجت منه رطوبة مشتبهة، لعدم تقييدها بصورة عدم الإستبراء بالخرطات ومقتضى إطلاقها حينئذ وجوب الوضوء (1) .

   و&