|
|
|
فالمتأخِّر منه لا يبطل العمل (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نهج البلاغة من أن إعجاب المرء بعمله أو بنفسه دليل
على ضعف عقله(1)
، فهو أمر حاصل في النفس من قلّة العقل والجهل وغير
قابل لأن يتعلّق به حكم شرعي بوجه .
(1)
هذه هي الجهة الرابعة من الكلام في العجب وحاصلها : أن
العجب المتأخِّر هل يوجب بطلان العمل وإن قلنا بعدم حرمته ، وذلك لإمكان أن
يكون حدوث هذا الأمر والصفة موجباً لبطلان العمل شرعاً ، أو لا يوجبه
وإن أوجب حبط ثوابها ؟ وهي التي تعرض لها الماتن (قدس سره) وحكم بعدم بطلان
العمل بالعجب المتأخر وهذا هو المشهور بين الأصحاب (قدس الله أسرارهم) بل ادعي
عليه الإجماع .
إلاّ
أن المحقق الهمداني (قدس سره) نقل عن السيِّد المعاصر (قدس سره)
ـ والظاهر أنه السيِّد علي في كتابه البرهان ـ بطلان العبادة
بالعجب المتأخر فضلاً عن مقارنه مستدلاًّ عليه بظواهر الأخبار الواردة في
الباب ، وقد أورد عليه باستحالة الشرط المتأخِّر وأن العمل بعد ما وقع
مطابقاً للأمر وبعد ما حكم الشـارع عليه بالصحّة يستحيل أن ينقلب عمّا وقع
عليه بحدوث ذلك الأمر المتأخِّر، وأمّا الإجازة في البيع الفضولي فلا نلتزم بكونها
شرطاً متأخِّراً وإنما نلتزم هناك بالكشف الحكمي(2)
.
هذا
ولكنّا ذكرنا في محلِّه أن الشرط المتأخِّر ممّا لا استحالة فيه ولا مانع من
اشتراط العمل بأمر متأخِّر ، لأنّ مرجعه إلى تقيد العمل بأن يأتي بعده بأمر
كذا فالواجب هو الحصّة الخاصة من العمل وهو الذي يتعقب بالشرط (3)
،
فإذا أتى
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رواها الكليني (رحمه الله) أيضاً في الاُصول
[ الكافي
1 : 27 / 31 ] بسنده عن أمير المؤمنين (عليه السلام)
وفيه : إعجاب المرء بنفسه . الوسائل 1 : 100 / أبواب
مقدّمة العبادات ب 23 ح 6 .
(2) مصباح الفقيه (الطهارة) 121 : السطر
22 .
(3) محاضرات في اُصول الفقه 2 : 308 .
بالعبادة ولم يتحقّق بعدها ذلك الشرط كشف هذا عن أن
ما تحقّق لم تكن هي الحصّة الخاصّة المأمور بها فلا محالة تقع باطلة ، فالشرط
المتأخر أمر ممكن .
وإنّما
الكلام في دلالة الدليل عليه في مقام الإثبات ، والصحيح أنه لا دليل على
اشتراط العبادة بعدم العجب المتأخِّر ، لأن أكثر الأخبار الواردة في المقام
كما تأتي في الجهة الخامسة إن شاء الله تعالى ضعيفة سنداً . على أنها قاصرة
الدلالة على بطلان العبادة بالعجب ، فلا يمكن الاعتماد عليها في الأحكام
الشرعية . على أنا لو فرضناها صحيحة من حيث الدلالة والسند أيضاً لم نكن
نلتزم ببطلان العبادة بالعجب المتأخِّر وذلك للقطع بعدم كونه مبطلاً لها ،
فلا مناص من تأويل تلك الأخبار وحملها على نفي الثواب ، وذلك لأن العجب ليس بأعظم
من الكفر المتأخِّر ، فلو أنّ المكلّف كفر ثمّ أسلم لم تجب عليه إعادة أعماله
السابقة فضلاً عن قضائها ، لأنه لا يوجب بطلان الأعمال المتقدِّمة فكيف
بالعجب المتأخِّر ، ولا نحتمل أن يجب على من عمره سبعون سنة مثلاً وقد أتاه
العجب في ذلك السن قضاء جميع أعماله السابقة شرعاً ، فلا بدّ من تأويل
ما دلّ على بطلانها بالعجب لو فرضنا دلالة الأخبار الآتية عليه وتماميتها سنداً
ودلالة .
وأمّا
ما ورد من أن سيّئة تسوءك خير عند الله من حسنة تعجبك (1)
فمعناه
أن السيّئة بعد الندم عليها ـ الذي هو المراد من قوله تسوءك ـ تتبدّل
بالحسنة ، لأن التائب من ذنب كمن لا ذنب له ، والتوبة عبادة موجبة
للتقرّب من الله تعالى . وأظن أن قوله تعالى :
(فَأُوْلئِك يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ
حَسَنت ) (2)
إنما
فسرت بالتوبة بعد المعصية لأنها عبادة ونتيجتها حسنة ، وهذا بخلاف العبادة
التي توجب العجب ، لأنه يذهب بثواب العبادة فلا يبقى فيها حسنة كما يبقى في
التوبة بعد السيّئة ، ولا يستلزم
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 1 : 105 / أبواب مقدّمة العبادات ب
23 ح 22 ، وبمضمونها روايات اُخرى في نفس الباب .
(2) الفرقان 25 : 70 .
وكذا المقارن (1)
وإن كان الأحوط فيه الإعادة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كون السيّئة المتعقبة بالندم خيراً من العبادة
المتعقبة بالعجب بطلانَ تلك العبادة بوجه . فالمتحصل أن العجب المتأخر
لا يقلب العبادة الواقعة مطابقة للأمر عما وقعت عليه من الصحّة .
وهذا
بناء على ما سلكناه في محلِّه من أن الأجر والثواب ليسا من جهة استحقاق المكلّف أو
الاُجرة وإنما هما من باب التفضل ، لأن الامتثال والطاعة التي أتى بها
المكلّف من وظائف العبودية ، والإتيان بوظيفة العبودية لا يوجب الثواب
لأنه عبد عمل بوظيفته(1)
، فالثواب تفضل منه سبحانه وقد قال عزّ من قائل :
(وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهُ
عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِّنْ أَحَد أَبَدَاً )(2)
أمر ظاهر ، لأن التفضّل بالثواب إنما هو فيما
إذا لم يتعقب العمل بالعجب الذي هو من الملكات القبيحة والأخلاق السيّئة وإن لم
يكن محرماً تكليفا .
(1)
هذه هي الجهة الخامسة من الكلام في العجب ، وأن العبادة هل
تبطل بالعجب المقارن ؟ وحاصل الكلام فيها أنه كالعجب المتأخر غير موجب لبطلان
العبادة ، وإن نقل المحقِّق الهمداني عن السيِّد المعاصر (قدس سره) بطلانها
بكل من العجب المقارن والمتأخِّر (3)
، إلاّ أن
المشهور عدم البطلان مطلقاً وهو الصحيح ، وذلك لعدم دلالة الدليل على البطلان
بالعجب ، نعم العجب يوجب بطلان العبادة في مقام إعطاء الثواب فلا يثاب بها
عاملها ، لا في مقام الامتثال حتى تجب إعادتها فضلاً عن قضائها والأخبار
الواردة في المقام أيضاً لا دلالة لها على بطلان العبادة بالعجب المقارن فضلاً من
المتأخِّر ، وهي جملة من الأخبار :
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) محاضرات في اُصول الفقه 2 : 395 .
(2) النور 24 : 21 .
(3) مصباح الفقيه (الطهارة) 121 : السطر
21 .
منها :
ما عن الخصال عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال «قال إبليس : إذا استمكنت من
ابن آدم في ثلاث لم اُبال ما عمل ، فانه غير مقبول منه ، إذا استكثر
عمله ، ونسي ذنبه ، ودخله العجب» (1)
،
والرواية لا بأس بها سنداً ، لأن والد البرقي وهو محمّد بن خالد وإن كان فيه
كلام إلاّ أنا قدمنا وثاقته ، ولكن موردها هو العجب المقارن دون المتأخِّر
لأن إبليس إنما لا يبالي بما عمله ابن آدم بعد استمكانه منه لا قبله ،
فالأعمال المتقدمة منه السابقة على استمكان اللعين مما يبالي بها لصحّتها وعدم
بطلانها بالعجب المتأخر ، وإنما لا يبالي بما عمله بعد استمكانه بتحقّق أحد
الاُمور المذكورة في الحديث ، فموردها العجب المقارن لا محالة .
ولكنّها
لا دلالة لها على بطلان العمل بالعجب المقارن ، لأن عدم المبالاة إنما يصح
إطلاقه في العمل المقتضي للمبالاة في نفسه ، فقوله «لا اُبالي» يدلّ على صحّة
العمل المقارن بالعجب ، وإلاّ فلو كانت العبادة باطلة به لما صح إطلاق عدم
المبالاة حينئذ لأنها ممّا يسرّ الشيطان حيث إنها إذا كانت باطلة فالإتيان بها
يكون محرماً للتشريع وحيث إن همّه إدخال العباد في الجحيم وإبعادهم عن الله جلّت
عظمته فيفرح بارتكابهم للمحرم المبعد عنه سبحانه ، ولا معنى لعدم المبالاة
إلاّ في العـمل الصحيح إلاّ أنه لا يعتني به ولا يتوحّش لطرو العجب المزيل
لثوابه والمانع عن حصول التقرب به وإن كان صحيحاً في مقام الامتثال .
ومنها :
ما عن أبي عبيدة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال «قال رسول الله (صلّى الله عليه
وآله وسلّم) قال الله تعالى : إن من عبادي المؤمنين لمن يجتهد في عبادتي
فيقوم من رقاده ولذيذ وساده فيجتهد لي الليالي فيتعب نفسه في عبادتي ، فأضربه
بالنعاس الليلة والليلتين نظراً مني له وإبقاء عليه فينام حتى يصبح فيقوم وهو ماقت
زارئ لنفسه عليها ، ولو اُخلي بينه وبين ما يريد من عبادتي لدخله العجب من
ذلك ، فيصيره العجب إلى الفتنة بأعماله فيأتيه من ذلك ما فيه هلاكه لعجبه
بأعماله ورضاه
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 1 : 98 / أبواب مقدّمة
العبادات ب 22 ح 7 .
عن نفسه حتى يظن أنه قد فاق العابدين وجاز في عبادته
حدّ التقصير ، فيتباعد مني عند ذلك وهو يظن أنه يتقرّب إليّ» الحديث (1)
.
وهي
أيضاً مما لا بأس بسندها ، وقد وردت مؤكدة لأحد التفسيرين الواردين في قـوله
تعالى :
(كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ ا لَّيْـلِ
مَا يَهْجَـعُونَ )(2)
حيث
فسّر تارة بكل جزء من أجزاء الليلة الواحدة ، والمعنى أنه قليل من كل ليلة من
الليالي ما يهجعون ويستريحون ، لأنهم يشتغلون في أكثر ساعات الليلة بالعبادة
وصلاة الليل ولا ينامون إلاّ قليلاً ، واُخرى بكل فرد من أفراد الليل بمعنى
أنهم في بعض أفراد الليل أي في بعض الليالي ينامون ويهجعون ولا يشغلونها بالعبادة
والصلاة . والرواية مؤكدة للتفسير الثاني كما عرفت .
إلاّ
أنها كسابقتها في عدم الدلالة على بطلان العبادة بالعجب ، وغاية ما هناك
دلالتها على أن العجب من المهلكات والأوصاف القبيحة وقد ينتهي به الأمر إلى أنه
يرى نفسه أوّل العابدين ، وبه يناله الحرمان عما يصله لولاه ، وهذا مما
لا كلام فيه لما مرّ من أن منشأ العجب الجهل ، وهو قد يبلغ بالإنسان مرتبة
يمن بعمله على الله سبحانه حيث لا يرى استحقاقه في العبادة إلاّ بمقدار الإتيان
بالفرائض ، ويعتقد أن المستحبات التي يأتي بها كلها زائدة عن حدّ استحقاقه
تعالى فيمنّ بها عليه ، بل قد يفضل نفسه على أكثر العباد والمقربين .
وقد حكي عن بعضهم أنه كان يفضل نفسه على العباس (سلام الله عليه) لجهله ،
وحسبان أنه قد أشغل سنه بالعبادة والبحث وأتعب نفسه خمسين سنة أو أقل أو أكثر في
سبيل رضا الله سبحانه ، وهو (سلام الله عليه) إنما اشتغل بالحرب ساعتين أو
أكثر فيفضل نفسه عليه (عليه السلام) ، وبذلك قد يناله الحرمان عن شفاعة
الأئمة الأطهار فيتباعد عن الله سبحانه . إلاّ أن العجب يوجب بطلان العبادة
فهو مما لا يستفاد من الرواية بوجه .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 1 : 98 / أبواب مقدّمة العبادات ب
23 ح 1 .
(2) الذاريات 51 : 17 .
ومنها :
ما عن عبدالرحمن بن الحجاج عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال «قلت لأبي عبدالله
(عليه السلام) : الرجل يعمل العمل وهو خائف مشفق ثمّ يعمل شيئاً من البرّ
فيدخله شبه العجب به ، فقال : هو في حاله الاُولى وهو خائف أحسن حالاً
منه في حال عجبه» (1)
وربّما يتوهم أن في سند الرواية
إشكالاً ، لأن فيه محمّد بن عيسى عن يونس ، وقد تكلّم بعضهم فيما رواها
محمّد هذا عن يونس ، وهو توهم فاسد ، وقد ذكرنا في محلِّه أنّ الرّجل في
نفسه ممّا لا كلام عليه كما أن روايته عن يونس كذلك (2)
فليراجع .
وأما
دلالتها فهي أيضاً قاصرة حيث لم يقل (عليه السلام) : إن عمله الأوّل ـ أي
القبيح الذي يستكشف بقرينة المقابلة ـ أحسن من عبادته التي فيها عجب ، بل
قال : إن حالته في ذلك العمل أعني الخوف ـ الذي هو عبادة اُخرى عند الندم
والتوبة لأن حقيقتها الخوف والندم ـ أحسن من حالته الثانية وهي العجب وهو مما لا
كلام فيه وإنما البحث في بطلان العبادة بالعجب وهو لا يكاد يستفاد من
الحديث .
ومنها :
ما عن يونس عن بعض أصحابه عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال «قال رسول الله (صلّى
الله عليه وآله) في حديث قال موسى بن عمران (عليه السلام) لإبليس : أخبرني
بالذنب الذي إذا أذنبه ابن آدم استحوذت عليه ، قال : إذا أعجبته
نفسه ، واستكثر عمله ، وصغر في عينه ذنبه . وقال قال الله عزّ وجلّ
لداود : يا داود بشر المذنبين وأنذر الصديقين ، قال : كيف اُبشر
المذنبين واُنذر الصديقين ؟ قال : يا داود بشر المذنبين أني أقبل التوبة
وأعفو عن الذنب ، وأنذر الصديقين أن لا يعجبوا بأعمالهم فانه ليس عبد أنصبه
للحساب إلاّ هلك» (3)
.
وهي
ضعيفة السند بالإرسال ، وعادمة الدلالة على بطلان العمل بالإعجاب ، لأن
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 1 : 99 / أبواب مقدّمة العبادات ب
23 ح 2 .
(2) معجم رجال الحديث 18 : 91 .
(3) الوسائل 1 : 99 / أبواب مقدّمة العبادات ب
23 ح 3 .
البشارة إنّما هي لقبول التوبة بعد الذنب ، لا
للذنب في مقابل العبادة التي فيها عجب والرواية إنّما تدل على ما قدمناه من أن
الثواب والأجر تفضل منه سبحانه وليس باستحقاق منهم للثواب ، كيف وقال
سبحانه :
(وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهُ
عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَد أَبَدَاً ) (1)
لأنه إذا
أعجبته عبادته فحاسبه الله سبحانه على أعماله لم يخلص أحد من حسابه جلت عظمته
وهلك ، فان الإعجاب قد يبلغ بالإنسان إلى تلك المرتبة فيمنّ بعمله على الله
ويحاسبه الله سبحانه على ما عمل وتصبح نتيجـته الخسران والهلاكة .
ومنها :
ما عن سعد الاسكاف عن أبي جعفر (عليه السلام)
قال : «ثلاث قاصمات الظهر رجل استكثر عمله ، ونسي ذنوبه ، وأعجب
برأيه» (2)
وهي على تقدير تمامية سندها أجنبية عما نحن بصدده
رأساً ، لأن الكلام في إعجاب المرء بعمله ، وأما الإعجاب برأيه وعقله
وحسبان أنه أعقل الناس فهو أمر آخر لا كلام لنا فيه ، ولا إشكال في أنه من
المهلكات لأنه إذا رأى نفسه أعقل الناس وترك مشاورتهم واستقلّ في أعماله برأيه فلا
محالة يقع في المهلكة والخسران . ثمّ على تقدير إرادة العمل من الرأي لا
دلالة لها على بطلان العبادة بالعجب ، لأنها إنما دلّت على أن العجب قاصم
للظهر لما يترتب عليه من المفاسد والمخاطر من تحقير عمل غيره والغرور والكبر ،
بل وتحقير الله سبحانه بالمن بعبادته ، وأما أنه يوجب بطلان العمل المقارن به
أيضاً فلا يستفاد منها بوجه .
ومنها :
ما عن عبدالرحمن بن الحجاج عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : «إن الرجل
ليذنب الذنب فيندم عليه ويعمل العمل فيسره ذلك فيتراخى عن حاله تلك فلإن يكون على
حاله تلك خير له ممّا دخل فيه» (3)
، ولا بأس
بها سنداً ، وأما من حيث الدلالة فلا يستفاد منها بطلان العبادة
بالعجب ، وأما كون حالة التندم خيراً من
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) النور 24 : 21 .
(2) الوسائل 1 : 97 / أبواب مقدّمة العبادات ب
22 ح 6 .
(3) الوسائل 1 : 99 / أبواب مقدّمة العبادات ب
23 ح 4 .
حالة العجب والسرور فهو من جهة أنه بالتندم تتبدل
السيّئة حسنة ، حيث وردت الآية المباركة
(فَأُوْلئِك يُبَدِّلُ اللهُ سَيْئَاتِهِمْ
حَسَنت ) (1)
في
حق التائبين من الذنوب ، وهذا بخلاف العجب بالعبادة لأنه يذهب بثوابها كما
مرّ غير مرّة .
ومنها :
ما عن علي بن سويد عن أبي الحسن (عليه السلام)
قال : «سألته عن العجب الذي يفسد العمل ، فقال : العجب درجات منها
أن يزين للعبد سوء عمله فيراه حسناً ـ كما يتفق ذلك لكثير فيفتخر العامل بعمله
القبيح ، وأني شربت الخمر أو ضربت فلاناً أو سببته أو أهنته ، حيث يرى
عمله القبيح حسناً ويفتخر به ـ فيعجبه ويحسب أنه يحسن صنعاً ، ومنها أن يؤمن
العبد بربّه فيمن على الله عزّ وجلّ ولله عليه فيه المن» (2)
حيث
دلّت على أن فساد العمل بالعجب كان مفروغاً عنه عنده ، وقد سأله عن أنه أي
شيء . وفي سندها علي بن سويد ، وقد يتوهم أنه مردد بين الموثق وغيره فلا
يمكن الاعتماد على روايته ، والصحيح أنه هو علي بن سويد السائي الذي هو من
أصحاب الرضا (عليه السلام) ويروي عنه أحمد بن عمر الحـلال وهو ثقة وقد نقل في جامع
الرواة أيضاً هذه الرواية
عنه(3)،
ولكن دلالتها قاصرة ، لأن إفساد العبادة بالعجب وكونه مبطلاً لها إن لوحظ
بالإضافة إلى نفس ذلك العمل السوء الذي يحسبه حسناً ، ففيه أن المفروض فساد
العمل بنفسه ولا معنى لفساده بالعجب المقارن له ، وإن لوحظ بالإضافة إلى
الأعمال المتقدِّمة فقد عرفت أن مجرد العجب المتأخر لا يوجب انقلاب الأعمال
المتقدمة عما وقعت عليه من الصحّة والتمام ، كما أن العجب في إيمانه لا معنى
لكونه مبطلاً للإيمان ، حيث إن الإيمان غير قابل للاتصاف بالصحّة
والفساد ، فلا بدّ من توجيه الرواية بأن للعجب درجات ، والدرجة الكاملة
منه وهي التي توجب حسبان العمل السوء حسناً أو ما يقتضي الامتنان على الله تعالى
مع أنه له سبحانه المنّة عليه ، كما ورد في الآية المباركة
(قُل لا تَمُـنُّوا عَليَّ إسلَـمَكُم بَلِ
اللهُ يَمُنُّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الفرقان 25 : 70 .
(2) الوسائل 1 : 100 / أبواب مقدّمة العبادات ب
23 ح 5 .
(3) جامع الرّواة 1 : 585 .
عَلَيْكُم أنْ هَدَيكُم لِـلاِْ يمـنِ ) (1)
توجب فساد
الأعمال المتقدِّمة ، والالتزام بذلك ممّا لا يضرنا فيما نحن
بصدده ، لأنه أخص من المدعى وهو بطلان العمل بمطلق العجب . على أنّ
الإفساد يمكن أن يكون بمعنى إذهاب الثواب ، لا بمعنى جعل العمل باطلاً يجب
إعادته أو قضاؤه .
ومنها :
ما عن ميمون بن علي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال «قال أمير المؤمنين (عليه
السلام) : إعجاب المرء بنفسه دليل على ضعف عقله» (2)
،
وهي مضافاً إلى ضعف سندها أجنبية عن بطلان العبادة بالعجب ، وإنّما تدل على
أنّ المعجب قليل العقل .
ومنها :
ما عن علي بن أسباط عن رجل يرفعه عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : «إن
الله علم أن الذنب خير للمؤمن من العجب ولولا ذلك ما ابتلي مؤمن بذنب أبداً» (3)
وهي
مرفوعة كالمرسلة من حيث السند ، ولا دلالة لها على المدعى أيضاً لأنها لو
دلّت فإنما تدلّ على أن العجب محرم من حيث مقدمته أو من حيث إزالته كالذنب ،
وأما بطلان العمل به فلا يستفاد منه بوجه . على أنها لا تدلّ على حرمته أيضاً
وإلاّ لم يكن لجعله في مقابل الذنب وجه ، بل لا بدّ أن يقول إن هذا الذنب
خير من ذلك الذنب .
ومع
الإغماض عن جميع ذلك أيضاً لا دلالة لها على البطلان ، لأن وجه كون الذنب
خيراً أن المكلّف غالباً يدور أمره بين العجب بعمله ، كما إذا عمل طيلة حياته
بأعمال حسنة ولم يصدر منه ذنب لأنه حينئذ يعجب بنفسه حيث يرى صدور المعاصي عن غيره
وهو لم يعمل إلاّ خيراً ، وبين أن يذنب ذنباً ويعقبه الندم لأن مفروض كلامه
(عليه السلام) هو المؤمن ، ومن الظاهر أن الذنب المتعقب بالندامة
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الحجرات 49 : 17 .
(2) الوسائل 1 : 100 / أبواب مقدّمة العبادات ب
23 ح 6 .
(3) الوسائل 1 : 100 / أبواب مقدّمة العبادات ب
23 ح 7 .
والتوبة خير من العبادة الموجبة للعجب ، لأن
العجب يذهب بآثار العبادة ، بل قد يبلغ الإنسان مرتبة يمقتها الربّ الجليل
لمنَّته على الله سبحانه وتحقيره ، وأما الذنب المتعقب بالندامة فهو يتبدل
إلى الحسنة ، لأن التائب عن ذنب كمن لا ذنب له ، وقد عرفت أن الآية
المباركة واردة في حق التائبين ، وأما أن العبادة مع العجب باطلة فهو مما لا
يستفاد منها بوجه .
ومنها :
ما عن أبي عامر عن رجل عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «من دخله العجب
هلك»(1)
. وهي مضافاً إلى إرسالها لا تدل على بطلان العبادة بالعجب ، وكونه
موجباً للهلاك من جهة أنه قد يستلزم الكفر وتحقير الله سبحانه والمنّة عليه وغير
ذلك من المهالك .
ومنها :
ما عن إسحاق بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام)
قال : «أتى عالم عابداً فقال له : كيف صلاتك ؟ فقال : مثلي
يسأل عن صلاته وأنا أعبد الله منذ كذا وكذا ؟ قال : فكيف بكاؤك ؟
فقال : أبكي حتى تجري دموعي ، فقال له العالم : فإن ضحكك وأنت خائف
أفضل من بكائك وأنت مُدِلّ ، إن المدِلّ لا يصـعد من عمله شيء» (2)
.
وهي
ضعيفة سنداً بوجهين : من جهة محمّد بن سنان لعدم ثبوت وثاقته ، ومن جهة
نظر بن قرواش لأنه مجهول . وكذلك دلالة لأن عدم صعود العمل أعم من
البطلان ، وإلاّ للزم الحكم ببطلان عبادة عاق الوالدين وآكل الرِّبا ونحوهما
ممّا ورد أن العمل معه لا يصعد .
ومنها :
ما عن أحمد بن أبي داود عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليهما السلام) قال : «دخل
رجلان المسجد أحدهما عابد والآخر فاسق ، فخرجا من المسجد والفاسق صدّيق
والعابد فاسق ، وذلك أنه يدخل العابد المسجد مُدِلاًّ بعبادته ، يُدِلّ
بها
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 1 : 101 / أبواب مقدّمة العبادات ب
23 ح 8 .
(2) الوسائل 1 : 101 / أبواب مقدّمة العبادات ب
23 ح 9 .
فتكون فكرته في ذلك ; وتكون فكرة الفاسق في
التندم على فسقه ويستغفر الله عزّ وجلّ مما صنع من الذنوب» (1)
.
وضعف
سندها بالإرسال ظاهر . وأما دلالتها فهي أيضاً كذلك ، لأن صيرورة العابد
فاسقاً من جهة العجب لا دلالة له على إبطاله لأعماله ، وإنما وجهه أن العجب
قد يبلغ بالإنسان مرتبة يمنّ بعمله على الله ويحقره ، أو يعتقد أنه في مرتبة
الإمامة والنبوّة وينتظر نزول جبرئيل ، وقد يبكي ويتعجّب من تأخير نزوله وغير
ذلك ممّا يوجب فسقه بل كفره . وأما صيرورة الفاسق صدّيقاً فهو من جهة تندمه
وتوبته ، وقد عرفت أن بالتوبة تتبدل السيّئة حسنة .
ومنها : ما رواه البرقي في المحاسن عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : «إن الله فوّض الأمر إلى ملك من الملائكة فخلق سبع سماوات وسبع أرضين ، فلما أن رأى أن الأشياء قد انقادت له قال : من مثلي ؟ فأرسل الله إليه نويرة من النار ، قلت : وما النويرة ؟ قال : نار مثل الأنملة ، فاستقبلها بجميع ما خلق ، فتخيّل لذلك حتى وصلت إلى نفسه لما دخله العجب»