ــ[1]ــ

   الثالث عشر :  الخلوص ، فلو ضمّ إليه الرِّياء بطل ، سواء كانت القربة مستقلّة والرِّياء تبعاً أو بالعكس أو كان كلاهما مستقلاًّ  (1)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حرمة الرِّياء في الشريعة المقدّسة

  (1) لا ينبغي الإشكال في حرمة الرِّياء في الشريعة المقدّسة ، ويكفي في حرمته الأخبار المسـتفيضة ، بل البالغة حدّ التـواتر(1) وفي بعضها «إن كل رياء شرك» (2) مضافاً إلى الآيات الكتابيّة التي ذمّ الله تعالى فيها المرائي في عمله ، فقد قال تعالى : (فَوَيْلٌّ لِلْمُصَلّيِنَ ا لَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ ا لَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ وَيَمْنَعُونَ ا لْماعُونَ )(3) وقال : (وَا لَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوَالَـهُمْ رِئَآءَ النَّاسِ ) (4) وقال : (كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ النَّاسِ )(5) وقال : (وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَرِهم بَطَرَاً وَرِئَآءَ النَّاسِ )(6) إلى غير ذلك مما ورد في ذمّ الرِّياء ، بل حرمة الرِّياء من جملة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وهي كثيرة جدّاً البالغة نحواً من أربعين رواية ، راجع الوسائل 1 : 59 / أبواب مقدّمة العبادات ب 8 ، 11 ، 12 وغيرها من الموارد .

(2) كرواية يزيد بن خليفة.  الوسائل 1 : 70 / أبواب مقدّمة العبادات ب 12 ح 2 ، والروايات المذكورة فيها هذه الجملة وإن كانت متعدِّدة إلاّ أنّ كلّها ضعيفة ، نعم ورد في موثقة مسعدة بن زياد :  «فاتّقوا الله في الرِّياء فانّه الشِّرك بالله... »  الوسائل 1 : 69 /  أبواب مقدّمة العبادات ب 11 ح 16 .

(3) الماعون 107 : 4 ـ 7 .

(4) النساء 4 : 38 .

(5) البقرة 2 : 264 .

(6) الأنفال 8 : 47 .

ــ[2]ــ

الضروريات وممّا لا ينبغي الاشكال فيه .

   إلاّ أن الكلام في موضوعه وأن المحرّم من الرِّياء أي شيء فنقول : إن الرِّياء وإن كان بمفهومه اللغوي يعمّ العبادات وغيرها لأنه بمعنى إتيان العمل بداعي إراءته لغيره إلاّ أنه لا دليل على حرمته في غير العبادات ، فاذا أتى بعمل بداعي أن يعرف الناس كماله وقوّته كما إذا رفع حجراً ثقيلاً ليعرف الناس قوّة بدنه وعضلاته لم يرتكب محرماً بوجه ، وذلك لأنّ المستفاد من الأخبار الواردة في حرمة الرِّياء أن حرمته من جهة أنه شرك وإشراك ، والشرك إنّما يتحقق في العبادات ، وأمّا إذا أتى بعمل لأن يرى الناس كمال صنعه ومعرفته فهو لا يكون مشركاً بالله بوجه ، وكيف كان فلا شك في عدم حرمة الإتيان بالعمل غير العبادي رياء ، نعم لا إشكال في حسن ترك الرِّياء في جميع الأفعال الصادرة من المكلّف حتى في غير العبادات بأن يأتي بجميع أعماله لله ، إلاّ أنه على تقدير تحققه في غير المعصومين قليل غايته ، وإنما المحرّم هو أن يعبد المكلّف الله سبحانه ليريه للناس .

   ثمّ إنّ المحرّم إنّما هو الرِّياء في العبادة بما أ نّها عبادة ، وأما إذا أتى بالعبادة لله سبحانه إلاّ أنه قصد فيها الرِّياء لا من حيث العبادة بل من جهة اُخرى ، كما إذا أجهر فيها بداعي إعلامه للغير أنه في الدار ، أو قصد ذلك في قيامه في الصلاة ليراه غيره في الدار لئلاّ يتوحّش عن الانفراد ، لأنه أيضاً إتيان للعمل بداعي أن يريه غيره إلاّ أنه ليس رياء في العبادة حقيقة ، وإنما هو رياء في شيء آخر مقارن للعبادة ، فلا إشكال في عدم بطلان العبادة بذلك لأنه لم يشرك في عبادته بل أتى بها خالصاً لوجهه الكريم ، فالرياء المحرّم هو الإتيان بالعبادة بداعي أن يري عبادته للغير .

   ثمّ إنّه إذا أتى بالعبادة امتثالاً لأمر الله سبحانه من غير أن يكون لرؤية غيره مدخلية في عبادته ولو بتأكد داعيه إلاّ أنه يعلم أن غيره يرى عبادته وهو يسره فالظاهر صحّة عبادته ، وذلك لفرض عدم مدخلية رؤية الغير في عبادته وإنما محركه نحو العمل هو الامتثال وطاعة ربّه ، ورؤية الغير من الآثار المترتبة على عمله العبادي قهراً من غير أن يكون لها مدخلية فيه ولو بالتأكّد ، كما هو الحال في الصلاة في أماكن

ــ[3]ــ

الاجتماع كالمساجد، أو في مكان مكشوف وإن كان ذلك موجباً لسروره وفرحه، ومجرّد السرور برؤية الغير وحبّه ظهور عمله لدى الغير أمر اتفاقي غير مبطل للعبادة ، لعدم صدورها إلاّ بالداعي الإلهي ، فإن مثله خارج عن الرِّياء خروجاً تخصّصيّاً موضوعياً لأنّ الرِّياء بمفهومه اللّغـوي والعرفي لا يشمل مثله حيث يعتبر في مفهومه أن تكون لرؤية الغير مدخلية في عمله، ومع فرض عدم دخالتها في العمل لا يصدق عليه الرِّياء.

   ثمّ لو تنزلنا عن ذلك وسلمنا صدق الرِّياء عليه فهو خارج عن الرِّياء المبغوض المحرّم قطعاً ، وذلك بقرينة ما حمل عليه ـ أي على الرِّياء ـ في رواياته ، حيث حمل عليه عنوان الشرك ، وورد أن كل رياء شرك ، وهذا المحمول قرينة على أن الرِّياء المحرّم المبغـوض إنّما هو الرِّياء الذي يكون شركاً ، وبما أنّ مفروض المسألة عدم الاشراك في العبادة بوجه لعدم مدخلية رؤية الغير فيها على الفرض ، فهو من الرِّياء غير المحرّم شرعاً ، هذا  كلّه .

   مضافاً إلى صحيحة زرارة أو حسنته باعتبار إبراهيم بن هاشم ، عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : «سألته عن الرجل يعمل الشيء من الخير فيراه إنسان فيسره ذلك ، قال : لا بأس ، ما من أحد إلاّ وهو يحب أن يظهر له في الناس الخير ، إذا لم يكن صنع ذلك لذلك»(1) ، وقوله : «ما من أحد» محمول على الغالب في عامّة الناس .

  وأمّا ما ورد في موثقة النوفلي عن السكوني وكذا في غيرها من أنّ للمرائي علامات ثلاث : ينشط إذا رأى الناس ، ويكسل إذا كان وحده ، ويحب أن يحمد في جميع اُموره(2) فهو غير معارض للصحيحة أو الحسنة بوجه ، وذلك لا لأجل ضعفها

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المروية في الوسائل 1 : 75 / أبواب مقدّمة العبادات ب 15 ح 1 .

(2) المروية في الوسائل 1 : 73 / أبواب مقدّمة العبادات ب 13 ح 1 . وهذه الرواية وإن عبر عنها في كلام غير واحد بالخبر ، الدال على ضعفها لوجود النوفلي وهو حسين بن يزيد في سندها ولم يرد فيه توثيق في كتب الرجال ، إلاّ أنه بناء على ما أفاده سيِّدنا الاُستاذ (دام ظله) من وثاقة كل من وقع في أسانيد كتاب كامل الزيارات أو تفسير القمي ، وكان السند الواقع فيه متصلاً بالمعصوم (عليه السلام) لشهادة ابن قولويه وعلي بن إبراهيم (رضوان الله عليهما) بذلك فالرواية موثقة لوجود النوفلي في أسناد الكتابين .

ــ[4]ــ

من جهة حسين بن زياد النوفلي ، لما قرّرنا في محلِّه من أن الرجل موثق(1) ، بل لأجل أنها قاصرة الدلالة على بطلان العبادة بمجرّد السرور بظهور العمل لدى الغير ، وذلك لأنّ النشاط عند رؤية الناس يستلزم التغير في كيفية العمل لا محالة بتحسين تجويده أو باطالة ركوعه وسجوده ونحوهما ، ولا إشكال في أنه رياء وإتيان بالعبادة بداعي غيره تعالى، وهذا بخلاف مفروض الكلام من أنه يأتي بالعبادة بداعي أمر الله فحسب إلاّ أنه يسره رؤية الغير لعمله من غير أن تكون لرؤية الغير مدخلية في عبادته ، نعم هذا غير مناسب للمتقين إلاّ أنه مطلب آخر . على أن سرور العامل بمشاهدة غيره عمله أمر جبلي طبعي في غير المعصومين (عليهم السلام) وجماعة قليلين ، فكيف يمكن الحكم بحرمته وأن الغالب بل الجميع يرتكبون المحرّم في عباداتهم . فالمتحصل أن الرِّياء المحرّم إنما هو مختص بالعبادة فيما إذا كان لرؤية الغير مدخلية فيها بما هي عبادة .

    الأنحاء المتصوّرة في الرّياء

   والرِّياء على هذا النحو يتصور على وجوه : أحدها : أن يأتي بالعبادة خالصة لغير الله سبحانه ، بأن يكون محركه نحوها إراءة عبادته للغير من غير أن تكون مستندة إلى امتثال أمر الله سبحانه ولو على نحو التشريك . وثانيهما : أن يأتي بها بداعي كل من امتثال أمره تعالى ورؤية غيره ، بأن يكون كل من الرِّياء والامتثال له مدخلية في عمله ، فالمحرك والداعي هو مجموع طاعة الخالق والمخلوق بحيث لو كان كل منهما منفكّاً عن غيره لم تصدر منه العبادة بوجه . والحكم ببطلان العبادة في هاتين الصورتين على طبق القاعدة قلنا بحرمة الرِّياء أم لم نقل ، حتى لو فرضنا أن تلك الروايات المستفيضة بل المتواترة لم تكن أيضاً كنا حكمنا ببطلان العبادة في الصورتين المذكورتين ، وذلك لأنه يشترط في صحّة العمل العبادي استناده إلى الله سبحانه بأن يكون الداعي الإلهي مستقلاًّ في الداعوية والمحركية ، بحيث لو كان وحده كفى في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) معجم رجال الحديث 7 : 122 .

ــ[5]ــ

التحرّك نحوه وإصدار العبادة وأن يأتي بنيّة التقرب إليه ، فإذا أتى به لا بنيّة القربة كما في الصورة الاُولى أو بنيّة القربة ونيّة أمر آخر على نحو الاشتراك ولو كان من الاُمور المباحة كالتبريد في الوضوء ، فلا محالة وقعت العبادة باطلة ، والحكم ببطلانها حينئذ على طبق القاعدة .

   فما عن السيِّد المرتضى (قدس سره) من إفتائه بصحّة العبادة المراءى فيها وأن المنفي هو القبول وترتّب الثواب عليها (1) ممّا لا يحتمل عادة إرادته هاتين الصـورتين بل من المظنون قويّاً بل المطمأن به أنه أراد غيرهما كما نبيِّنه إن شاء الله تعالى(2) ، لأن بطلان العبادة حينئذ مستند إلى فقدانها النيّة المعتبرة وإن لم يكن فيها رياء ، وعليه :

   فمحل الكلام في الحكم ببطلان العبادة من جهة الرِّياء هو ما إذا كان له داعيان مستقلاّن للعبادة أحدهما : داعي الامتثال ، وثانيهما : داعي الرِّياء وإراءته العمل للغير بحيث كان كل منهما في نفسه وإن لم ينضم إليه الآخر صالحاً للداعوية والمحركية نحو العبادة على تقدير انفراده ، ولكنهما اجتمعا معاً في عبادته وانتسب العمل إليهما ـ  من جهة استحالة صدور المعلول الواحد عن علّتين مستقلتين ، فلا محالة يستند إليهما على نحو الاشتراك في التأثير   ـ وحينئذ يستند بطلانها إلى الرِّياء لتمامية شرائطها في نفسها لأنها منتسبة إلى الله سبحانه حيث صدرت عن داع قربي ، ولكنّها لما كانت على نحو الاشتراك بينه تعالى وبين غيره حكمنا ببطلانها .

   أو كان داعي الامتثال مستقلاً في المحركية والانبعاث بحيث لو كان وحده كفى في إصدار العبادات ، وكان داعي الرِّياء غير مستقل في الداعوية بأن لم يكن مؤثراً في البعث والعمل في نفسه إلاّ إذا ضم إليه داع آخر ، وهذا هو مراد الماتن (قدس سره) من كون داعي القربة مستقلاً والرِّياء تبعاً . وهاتان الصورتان هما محل البحث في المقام ، وقد ذهب المشهور فيهما إلى بطلان العبادة بالرياء ، وخالفهم في ذلك السيِّد المرتضى (قدس سره) والتزم بصحتها وسقوط الثواب عنها وعدم قبولها للرياء .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الانتصار : 100 /  المسألة 9 .

(2) في ص 17 ـ 18 .

ــ[6]ــ

   والكلام في ذلك يقع من جهتين ، إحداهما : صحّة العبادة المراءى فيها وبطلانها من جهة ما تقتضيه القاعدة في نفسها ، وثانيتهما صحتها وفسادها بالنظر إلى الأخبار الواردة في المقام .

   أمّا الكلام من الجهة الاُولى فالصحيح صحّة العبادة في مفروض الصورتين حيث صدرت عن داع إلهي مستقل في داعويته ، بحيث لو كان وحده كفى في الداعوية نحو العمل ، بلا فرق في ذلك بين أن ينضم إليه داع آخر غير داعي الامتثال مستقل في داعويته على تقدير وحدته ، أو تبعي لا يستقل في الداعوية في نفسه حتى ينضم إليه داع آخر ، وذلك لأن المعتبر في صحّة العبادة أن تكون صادرة عن الداعي القربي الإلهي المستقل ، وأما انحصار الداعي في ذلك وأن لا يكون معه داع آخر فهو غير معتبر في صحّتها كما يأتي تفصيله عند تعرض الماتن (قدس سره) في نفس المسألـة كما إذا أتى بالعبادة بداع إلهي مستقل منضماً إلى داع آخر مباح أيضاً مستقل في داعويته أو تبعي كقصد التبريد بالوضوء ، حيث يأتي منا هناك أن العبادة إذا كانت صادرة عن داع قربي مستقل في داعويته صحت سواء كان هناك داع آخر أم لم يكن ، لعدم اعتبار انحصار الداعي بالداعي الإلهي ، فلو توضّأ بداعيين أحدهما قربي مستقل والآخر أمر آخر كالتبريد ونحوه ، يحكم بصحة وضوئه لا محالة . فالعبادة المراءى فيها محكومة بالصحة بمقتضى القاعدة .

   وأمّا الكلام من الجهة الثانية فقد عرفت أن حرمة الرِّياء مما لا ينبغي الإشكال فيه بمقتضى الأخبار المستفيضة وما ورد في ذمّه من الآيات (1) بل هو في مرتبة شديدة من الحرمة حتى عبر عنه بالشرك في جملة من رواياته ، كما أن الرِّياء وجه من وجوه العمل والعبادة وليس من وجوه القصد النفساني ، لأن العمل بنفسه رياء كما في قوله تعالى : (والّذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ) أو (كالّذي ينفق ماله رئاء الناس )وقوله تعالى : (الّذين هم يراءون ) ، وعليه فالأخبار الواردة في حرمة الرِّياء منطبقة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تقدّمت الاشارة إلى مواضع الآيات في صدر المسألة فلاحظ .

ــ[7]ــ

على حرمة العبادة التي أتى بها بداعي إرائتها للناس وإرائة أنه خيّر من الأخيار ، ومع حرمة العمل ومبغوضيته كيف يمكن التقرّب به ، لأن المبغوض لا يكون مقرباً والمحرّم لا يكون مصداقاً للواجب ، فلا محالة تبطل العبادة بذلك هذا .

   على أن في الأخبار الواردة في الرِّياء مضافاً إلى دلالتها على حرمته دلالة واضحة على بطلان العمل المأتي به رياءً ، وأنه مردود إلى من عمل له وغير مقبول ، وفي بعضها أن الله سبحانه يأمر به ليجعل في سجين ، إلى غير ذلك من الأخبار ، وهذه الأخبار وإن كان أغلبها ضعيفة إلاّ أن استفاضتها بل الاطمئنان بصدور بعضها ـ لو لم ندع العلم ـ كافية في الحكم باعتبارها ، على أن بعضها معتبرة في نفسه .

   فقد روى البرقي في المحاسن عن أبيه عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال «يقول الله عزّ وجلّ : أنا خير شريك فمن عمل لي ولغيري فهو لمن عمله غيري» (1) هكذا في نسخة الوسائل المطبوعة جديداً وقديماً ، والظاهر أنها غلط . وفي نسختنا المصححة من الوسائل «فهو كمن عمله غيري» والظاهر سقوط اللاّم عن قوله «غيري» وعليه فالرواية هكذا : «من عمل لي ولغيري فهو كمن عمله لغيري» وعليه فهي كالصريح في بطلان العبادة بالرياء حيث نزلها سبحانه منزلة العمل الذي أتى به خالصاً لغيره تعالى ، ومن الظاهر أن العمل لغيره مما لا يحسب من العمل لله في ديوانه بل يحسب لمن أتى له لأنه خير شريك ، فكأنه مما لم يأت به(2) وأي شيء أصرح في بطلان العمل من هذا التعبير ؟

   والرواية لا بأس بها من حيث سـندها إلاّ من جهـة والد الـبرقي ، حيث ذكـر

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 1 : 72 /  أبواب مقدّمة العبادات ب 12 ح 7 .  المحاسن 1 : 392 / 875 .

(2) بل في موثقة مسعدة بن زياد « ... إن المرائي يدعى يوم القيامة بأربعة أسماء : يا كافر يا فاجر يا غادر يا خاسر ، حبط عملك وبطل أجرك فلا خلاص لك اليوم... » الوسائل 1: 69 / أبواب مقدّمة العبادات ب 11 ح 16 . وفي موثقة السكوني « ... إن الملك ليصعد بعمل العبد ... يقول الله عزّ وجلّ : اجعلوها في سجين ، إنه ليس إياي أراد به» الوسائل 1 : 71 / أبواب مقدّمة العبادات ب 12 ح 3 .

ــ[8]ــ

النجاشي في حقه أنه ضعيف في حديثه(1) وعن ابن الغضائري : أن حديثه يعرف وينكر (2) ، إلاّ أن الشيخ (قدس سره) وثقه صريحاً (3) وعليه فالرواية معتبرة ، بل لا معارضة بين توثيق الشيخ إياه وبين ما حكي عن النجاشي وابن الغضائري أصـلاً لأن الظاهر أن كلام النجاشي (ضيعف في حديثه) لا تعرض له إلى نفي وثاقة الرجل بل هو بمعنى ضعف رواياته لأنه يروي عن الضعفاء ، ومن هنا قد يقبل حديثه وقد ينكر كما في كلام ابن الغضائري ، فلا تنافي بين كلامهما وكلام الشيخ (قدس سره) .

   هذا ولكن السيِّد المرتضى (قدس سره) ذهب إلى صحّة عبادة المرائي وإسقاطها الإعادة والقضاء ، وغاية الأمر أنها غير مقبولة وأن عاملها لا يثاب ، بدعوى أن الأخبار الواردة في حرمة الرِّياء إنّما تدلّ على نفي قبول العبادة المراءى فيها ، ونفي القبول أعم من البطلان حيث قد يكون العمل صحيحاً ولكنه غير مقبول ، وقد قال الله سبحانه : (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ ا لْمتَّقِين )(4) لأن من الظاهر أن عمل غير المتقين أيضاً صحيح إلاّ أنه غير مقبول عنده تعالى (5) .

   والجواب عن ذلك بوجوه :

   الأوّل : أن الأخبار الواردة في المقام غير منحصرة بما اشتمل على نفي القبول ، لأن منها ما هو كالصريح في بطلان العبادة بالرياء كما قدّمناه عن البرقي في المحاسن عن أبيه .

   الثاني : هب أن الأخبار منحصرة بما ينفي القبول ، إلاّ أنه ليس بأعم من البطلان بل هو هو بعينه ، وذلك لأن النفي إنما هو نفي القبول في مقام المولوية والآمرية لا في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رجال النجاشي : 335 / 898 .

(2) مجمع الرجال 5 : 205 .

(3) وثقه في كتاب الرجال في أصحاب الرضا (عليه السلام) ، 363 /  باب الميم رقم : 4 ، مضافاً إلى أنه واقع في أسانيد كامل الزيارات أيضا .

(4) المائدة 5 : 27 .

(5) الانتصار : 100  /  المسألة 9 .

ــ[9]ــ

مقام نفي الثواب ، ومع صحّة العمل لا معنى لعدم القبول ، فنفيه عين بطلان العمل وعدم صحّته وهو بمعنى عدم احتسابه عملاً . وبهذا المعنى أيضاً يستعمل في عرفنا اليوم فيقال لا أقبل ذلك منك ، بمعنى لا أحسبه عملاً لك فهو كالعدم ، نعم قد يرد أن العمل الفلاني لا يثاب عليه ، ولا إشكال أنه أعم من البطلان ، إلاّ أنه أمر آخر غير نفي القبول .

   وأمّا الآية المباركة الواردة في قضيّة ابني آدم (إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ا لاْخَرِ قَالَ لاََقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ ا لْمتَّقِينَ )(1) فهي أجنبية عمّا نحن بصدده ، لأن المتقين في الآية المباركة بمعنى المؤمنين ، أي من آمن بالله ورسوله واليوم الآخر ، والقاتل في الآية المباركة لم يكن مؤمناً بالله ولا باليوم الآخر ، ولذا كان مخلداً في النار في التابوت ، ويؤيده تفسيره بالشيعة في زماننا بمعنى المؤمن في كل عصر . ومن الظاهر أن غير المؤمن لا يتقبّل عمله لبطلانه وعدم إيمان فاعله ، فالآية المباركة غير راجعة إلى ما نحن فيه .

   ثمّ لو فسرنا المتقين بمن اجتنب عن المحرمات وأتى بالواجبات فلا مناص من التأويل في ظاهر الآية المباركة بحملها على عدم الثواب بمرتبته الراقية وعدم القبول الكامل الحسن ، وذلك لضرورة أنّ أعمال غير المتقين أعني الفسقة أيضاً مقبولة وهي ممّا يثاب عليه ، وكيف يمكن أن يدعى أن من ارتكب شيئاً من الفسق لا يقبل عمله ولا يثاب عليه مع صراحة الكتاب العزيز في أنه مما يثاب عليه ويعاقب لقوله تعالى : (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة خَيْراً يَرَهْ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة شَرَّاً يَرَهُ )(2) وعليه لا بدّ من حمل نفي القبول في الآية المباركة على أن عمل غير المتقين بالمعنى الأخير ممّا لا يثاب عليه بثواب كامل ولا يقبل بقبول حسن .

   الثالث : أن دلالة الأخبار الواردة في المقام على حرمة العبادة المراءى فيها كافية

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المائدة 5 : 27 .

(2) الزّلزلة 99 : 7 ، 8 .

ــ[10]ــ

وسواء  كان الرِّياء في أصل العمل (1) أو في كيفيّاته (2)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحكم بالفساد وإن لم نفرض لها دلالة على البطلان ، لما مرّ من أن الرِّياء وجه من وجوه العمل ، ومع حرمة العمل ومبغوضيته كيف يمكن التقرب به ، وكيف يمكن أن يكون المحرّم مصداقاً للواجب .

   فالمتحصل إلى هنا أن الصحيح هو ما ذهب إليه المشهور من بطلان العبادة بالرياء . هذا تمام الكلام في أصل حرمة الرِّياء وفي بطلان العبادة به . ويقع الكلام بعد ذلك في خصوصياته ، لأن الرِّياء قد يتحقق في أصل العمل واُخرى في كيفياته وثالثة في جزء من أجزائه ، وهو قد يكون جزءاً وجوبياً واُخرى استحبابيا .

   (1) كما إذا أتى بالصلاة أو بالوضوء أو بغيرهما من العبادات بداعي إراءتها للناس على تفصيل قد عرفت ، وعرفت الوجه في بطلانها .

    الرِّياء في كيفيّات العمل

   (2) الرِّياء في الكيفية مع إتيان أصل العمل بداعي الله سبحانه على قسمين ، لأن الكيفية المراءى فيها قد تكون متحدة الوجود مع العبادة خارجاً ، كما إذا صلّى في المسجد رياء وإن كان أصل الصلاة مستنداً إلى الداعي الإلهي ، إلاّ أن الحصّة الخاصّة من الصلاة أعني الصلاة في المسجد صادرة بداعي الرِّياء ، ونظيره ما إذا صلّى بوقار وإطالة رياء للنشاط الحاصل له عند رؤية الناس . واُخرى تكون موجوداً عليحدة ولا تتحد مع العبادة في الوجود ، وهذا كما إذا صام لله إلاّ أنه قرأ الأدعية في صيامه بداعي الرِّياء ، أو صلّى لله وتحنك رياء ، لأن التحنّك وقراءة الأدعية أمران آخران غير الصيام والصلاة .

   أمّا الرِّياء في الكيفيّة المتحدة مع العمل في الوجود فهو موجب لبطلان العـبادة لا محالة ، لأن الحصّة الخاصّة من العبادة أعني الموجود الخارجي قد صدرت عن داع

ــ[11]ــ

أو في أجزائه ((1)) (1)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إلهي أعني داعي الرِّياء فهي محرمة ومبغوضة ، والمبغوض كيف يقع مقرّبـاً والمحرّم لا يمكن أن يقع مصداقاً للواجب فتبطل .

   وأما الرِّياء في الكيفية المنحازة عن أصل العمل فلا موجب لكونه مبطلاً للعبادة لأن المبغوض والمحرّم شي