ــ[21]ــ

المأتي به والمأمور  به واختلافهما بحسب اختلاف القصود ، فان القصد هو المناط في التمايز بين مثل الظهرين وصلاتي الفجر ونافلتها وصلاة الأداء والقضاء ، على ما استفدناه من الروايات من أنها حقوق مختلفة باختلاف القصود ، وليست طبيعة واحدة ، فقد دلّتنا صحيحة عبيد بن زرارة «إلاّ أن هذه قبل هذه» (1) على مغايرة صلاتي العصر والظهر ، حيث أشار بكل من كلمتي «هذه» إلى احدى الصلاتين ، ولولا مغايرتهما لم يكن معنى لقوله : هذه وهذه ، لأنهما وقتئذ شيء واحد مركّب من ثمان ركعات وبحسب الطبع يكون إحدى الأربعة منها سابقة على الاُخرى من دون حاجة في ذلك إلى البيان والتنبيه .

   وأيضاً يدلّنا على ذلك ما ورد في العدول من الفريضة إلى النافلة ومن الحاضرة إلى الفائتة، ومن اللاّحقة الى السابقة .

   كما يمكن الاستدلال على التغاير في الأغسال بما دلّ على أنها حقوق متعدِّدة ، حيث قال (عليه السلام) «فاذا اجتمعت عليك حقوق أجزأها عنك غسل واحد» (2) ومع التغاير بحسب الطبيعة كيف يعقل الحكم بصحة المأتي به في محل الكلام ، لأن ما وقع لم يقصد وما قصد لم يقع ، وإن كان لو علم بالحال لأتى بما هو المأمور  به في حقه وترك ما بيده ، غير أنّ كونه كذلك لا يقتضي الحكم بصحة عمله بعد عدم انطباق المأمور  به على المأتي به في الخارج ، اللّهمّ إلاّ أن يقصد الفريضة الواقعية بحسب الواقع ، كما إذا أتى بها بقصد ما هو فريضة الوقت غير أنه أخطأ وطبّقها على صلاتي الظهر والعصر فانها حينئذ تقع صحيحة ، لأن الواجب الواقعي مقصود وقتئذ إجمالاً وهو يكفي في الحكم بصحة العمل وإن أخطأ في تطبيقه .

   وما سردناه هو الميزان الكلي في باب الامتثال ولا معنى فيه للداعي والتقييد ، فان المأمور  به إذا كان بحيث ينطبق على المأتي به في الخارج ، فلا مناص معه من الحكم

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 4 : 126 / أبواب المواقيت ب 4 ح 5 ، 21 .

(2) الوسائل 2 : 261 / أبواب الجنابة ب 43 ح 1 .

ــ[22]ــ

بالصحّة ولا موجب للحكم بالبطلان ، وإذا لم ينطبق على المأتي به لكونهما طبيعتين متغايرتين فلا مناص من الحكم بالبطلان ، هذا كله بحسب كبرى المسألة .

   وأمّا تطبيقها على المقام ، فالمكلف إذا توضأ بنية التجديد ثم ظهر أنه كان محدثاً بالأصغر واقعاً ، أو توضأ بنية رفع الكراهة عن الأكل أو الجماع لاعتقاده بجنابته ثم ظهر أنه كان محدثاً بالأصغر ، فقد عرفت أنه لا يأتي فيه احتمال التقييد والداعي بوجه فان باب الامتثال أجنبي عن ذلك بالكلية ، بل المدار فيه على ملاحظة أن المأتي به هل يتحد مع ما هو المأمور  به في حق المكلف وينطبق عليه أو لا .

   إذن لا بدّ من النظر إلى أن الوضوء التجديدي هل يتغاير مع الوضوء الرافع للحدث حقيقة ، وأن كلاًّ منهما طبيعة مغايرة مع الاُخرى حتى يحكم بفساد وضوئه لعدم انطباق المأمور  به على المأتي به ، أو أنهما متحدان ولا تغاير بينهما وحينئذ يحكم بصحّته ؟

   الثاني هو الأظهر ، لعدم الفرق في الوضوء بين المتجدد منه وغيره إلاّ في الأولية والثانوية ، والتقديم والتأخير ، وذلك لوضوح أن حقيقة الوضوء إنما هي الغسلتان والمسحتان مع إتيانهما بنية صالحة ، ولا يعتبر في حقيقته شيء زائد عليه ، وارتفاع الحدث به حكم شرعي مترتب عليه ، لا أنه من مقوّماته وأركانه ، إذن فالمتجدد متحد مع غيره وينطبق عليه الطبيعة المأمور  بها وإن قصد به التجديد ، لأن التجديد كغير التجديد ، هذا كله في الوضوء المتجدد .

   وأما الوضوء بنية رفع الكراهة ممن هو محدث بالحدث الأكبر ، فقد حكى المحقِّق الهمداني (قدس سره) عن صاحب الحدائق أن إطلاق الوضوء على الوضوء المجامع للحدث الأكبر ـ أعني الوضوء الذي أتى به المكلف بنية رفع الكراهة مثلاً وهو محدث بالحدث الأكبر ـ إنما هو من باب المجاز ، لأنه لا يرفع الحدث فلا يكون بوضوء حقيقة ، وهو نظير إطلاق الصلاة على صلاة الميت . إذن فهو طبيعة مغايرة للوضوء الصادر من المحدث بالأصغر (1) .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الفقيه (الطهارة) : 115 السطر 4 .

ــ[23]ــ

   وهذه الدعوى ـ على تقدير صحتها ـ تقتضي الحكم ببطلان الوضوء فيما إذا قصد به رفع الكراهة مثلاً ، لعدم انطباق المأمور  به على المأتي به حينئذ ، واختلافهما بحسب الحقيقة ، ومعه لا بدّ من الحكم بالبطلان .

   ولكن هذه الدعوى مما لا يمكن المساعدة عليه ، لأن الوضوء ليس إلاّ مسحتان وغسلتان مع الاتيان بهما بنية صالحة ، وهما متحققان في الوضوء الصادر من المحدث بالحدث الأكبر أيضاً ، وأما ارتفاع الحدث به وعدمه فقد عرفت أنه حكم شرعي طارئ عليه ، لا أنه من مقومات الوضوء ، ومعه كيف يقاس ذلك بصلاة الميت التي لا يعتبر فيها شيء من الركوع والسجود وغيرهما مما يعتبر في الصلاة ، وقد استفدنا من الروايات أنهما من مقومات الصلاة .

   لا يقال : إنّ مجرّد الشك في أن الوضوء من المحدث بالأكبر متّحد مع الوضوء الصادر من غيره حقيقة أو أنهما طبيعتان متعددتان ، كاف في الحكم بالبطلان وعدم جواز الاقتصار عليه .

   لأ نّه يقال : إنّ مجرّد الشك في ذلك وإن كان يكفي في ذلك ، إلاّ أنّ إطلاق أدلّته ، أعني ما دلّ على أنّ الوضوء غسلتان ومسحتان مع النية الصالحة لا تبقي مجالاً للشك في أنهما متحدتان بحسب الطبيعة أو متغايرتان .

   وعلى الجملة : إن الوضوء حقيقة واحدة سواء أصدر من المحدث بالأكبر أم من المحدث بالأصغر ، فاذا كانت الطبيعة متحدة تنطبق المأمور  به على المأتي به ، وبذلك يحكم بصحة الوضوء وارتفاع الحدث بكل من الوضوء المتجدِّد والوضوء المأتي به بنيّة رفع الكراهة مثلاً فيما إذا ظهر أنه محدث بالحدث الأصغر واقعاً ، وإن كان الحكم بالارتفاع في الوضوء التجديدي أظهر من ارتفاعه في الوضـوء المأتي به بنيّة رفع الكراهة .

 ــ[24]ــ

   [ 488 ] مسألة 4 : لا يجب في الوضوء قصد موجبه ، بأن يقصد الوضوء لأجل خروج البول ، أو لأجل النوم ، بل لو قصد أحد الموجبات وتبين أن الواقع غيره صحّ (1) ، إلاّ أن يكون على وجه التقييد ((1)) (2) .

   [ 489 ] مسألة 5 : يكفي الوضوء الواحد للأحداث المتعدِّدة إذا قصد رفع طبيعة الحدث ، بل لو قصد رفع أحدها صح وارتفع الجميع ، إلاّ إذا قصد رفع

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    عدم اعتبار قصد الموجب :

   (1) وذلك لما تقدم من أن الوضوء هو الغسلتان والمسحتان مع الاتيان بهما بنيّة صالحة ، وهذا هو الذي يترتب عليه الحكم بارتفاع الحدث أو إباحة الدخول في الغايات المترتبة عليه ، ولا اعتبار بقصد كونه رافعاً لحدث النوم أو البول أو غيرهما .

   (2) وهذا منه (قدس سره) إما بمعنى الجزم بالبطلان عند الاتيان به على وجه التقييد ، وإما بمعنى عدم الحكم فيه بصحة الوضوء للاستشكال فيه ، والاحتمال الثاني أظهر لمطابقته لاستشكاله (قدس سره) في المسألة المتقدمة .

   وكيف كان فقد عرفت أن في أمثال المقام أعني باب الامتثال لا سـبيل إلى التقييد بل المناط فيه إنما هو انطباق المأمور  به على المأتي به في الخارج ، وعدم مدخلية شيء من القيود المقصودة في صحته ، وبما أن الوضوء هو الغسلتان والمسحتان مع إضافتهما إلى الله سبحانه نحو إضافة ، فلا محالة ينطبق على الوضوء المأتي به بنية رفع الحدث البولي دون النومي مثلاً ، وأما قصد كونه رافعاً للحدث من جهة دون جهة فهو مما لا مدخلية له في صحة الوضوء، لما مرّ من أن ارتفاع الحدث به وعدمه حكم شرعي طرأ على الوضوء ، وليس أمراً راجعاً إلى المكلف ليقصده أو لا يقصده ، فان ما هو تحت قدرته واختياره إنما هو الاتيان بالغسلتين والمسحتين بنية صالحة ، والمفروض تحقّقه في المقام ، ومع انطباق المأمور  به على المأتي به لا موجب للتوقّف في الحكم بصحّته .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لا أثر للتقييد في أمثال المقام .

ــ[25]ــ

البعض دون البعض فانّه يبطل ((1)) ، لأ نّه يرجع إلى قصد عدم الرفع (1) .

   [ 490 ] مسألة 6 : إذا كان للوضوء الواجب غايات متعدِّدة فقصد الجميع حصل امتثال الجميع واُثيب عليها كلها ، وإن قصد البعض حصل الامتثال بالنسبة إليه ويثاب عليه، لكن يصح بالنسبة إلى الجميع ، ويكون أداء بالنسبة إلى ما لم يقصد ، وكذا إذا  كان للوضوء المستحب غايات عديدة .

   وإذا اجتمعت الغايات الواجبة والمستحبة أيضاً يجوز قصد الكل ويثاب عليها ، وقصد البعض دون البعض ، ولو كان ما قصده هو الغاية المندوبة ، ويصح معه إتيان جميع الغايات ، ولا يضر في ذلك كون الوضوء عملاً واحداً لا يتصف (2)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    كفاية الوضوء الواحد للأحداث المتعددة :

   (1) ولنفرض الكلام فيما إذا حدثت الأحداث المتعددة في زمان واحد من دون تقدّم شيء منها على الآخر بحسب الزمان ، كما إذا بال وتغوّط معاً ، وقد ظهر حكم هذه المسألة مما سردناه في الفروع المتقدمة ، وذكرنا غير مرة أن ارتفاع الحدث حكم شرعي قد طرأ على الوضوء وغير راجع إلى اختيار المكلف أبداً ، إذن فلا أثر لقصد المكلف الرفع من جهة دون جهة ، لأنه إذا أتى بطبيعة التوضؤ قاصداً بها ربّه فقد ارتفعت الأحداث بأجمعها بذلك ، اللّهمّ إلاّ أن يُشرّع في امتثاله تشريعاً بأن يقصد امتثال الأمر بالوضوء الرافع للحدث البولي دون النومي وهو تشريع محرم ، لوضوح أنه ليس لنا أمر شرعي مختص بالوضوء الرافع لبعض الأحداث دون بعض ، وهذا فرض خارج عن محل الكلام .

    تعدّد غايات الوضوء :

   (2) قد تكون الغايات واجبة كلها ، وقد تكون مستحبة كذلك ، ففي هاتين الصورتين لا إشكال في أن المكلف إذا أتى به بغاية واجبة أو مستحبة ترتبت عليه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لا تبعد صحته ولغوية القصد المزبور .

ــ[26]ــ

بالوجوب والاستحباب معاً ، ومع وجود الغاية الواجبة لا يكون إلاّ واجباً ، لأنه على فرض صحّته لا ينافي جواز قصد الأمر الندبي ، وإن كان متصفاً بالوجوب فالوجوب الوصفي لا ينافي الندب الغـائي ، لكن التحقيق صحّة اتصافه ((1)) فعلاً بالوجوب والاستحباب من جهتين .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الغايات الواجبة أو المستحبة كلها ، إلاّ أنه لا يقع امتثالاً إلاّ لخصوص الغاية الواجبة التي أتى به لأجلها ، أعني الغاية المقصودة له ، وأما غيرها من الغايات غير المقصودة له فلا تقع امتثالاً لها، لعدم قصدها على الفرض ، وإن كانت تقع صحيحة لتحقق ما هو مقدّمتها على الفرض .

   وكذلك الحال في الغايات المستحبة ، لأنه إنما يثاب بخصوص الغاية المندوبة التي قصدها دون غيرها لعدم قصد امتثالها ، وإن كانت كالواجبة تترتب عليه لا محالة لحصول ما هو مقدمتها كما مر .

   وثالثة تختلف الغايات المقصودة من الوضوء المأتي به ، فيكون بعضها من الغايات الواجبة المستحبة وذلك كالوضوء بعد الفجر ، حيث إن له غايتان : إحداهما : نافلة الفجر المستحبة . وثانيتهما : صلاة الفجر الواجبة ، وفي هذه الصورة قد يأتي به المكلف بقصد كلتا الغايتين ، ولا إشكال في صحته وقتئذ ، ويجوز له الدخول في كل من الغايتين المذكورتين ، لاندكاك الأمر الاستحبابي في الأمر الوجوبي ، وقد يأتي به بقصد الغاية الواجبة ، وفي هذه الصورة أيضاً لا إشكال في صحته وجواز دخوله في كلتا الغايتين .

   أمّا دخوله في الغاية الواجبة فالوجه فيه ظاهر ، وأمّا دخوله في المستحبة ، فلأجل حصول ما هو مقدّمتها في نفسها ، وإنما الخلاف والنزاع فيما إذا أتى به بقصد الغاية المستحبة فهل يحكم حينئذ بصحة وضوئه ، ويسوغ له الدخول في كلتا الغايتين

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بل التحقيق انّ المقدمة لا تتصف بشيء من الوجوب أو الاستحباب الغيري ، وأنّ عبادية الوضوء انما هي لاستحبابه في نفسه ، ولو سلّم ، فالأمر الاستحبابي يندك في الوجوبي فيمكن التقرّب به بذاته لا بحدّه .

ــ[27]ــ

المترتبتين عليه ، أو لا بدّ من الحكم بالبطلان ، ولا يترتب عليه شيء من غايتيه ؟

   يبتني الاشـكال في صحّة الوضـوء حينئذ على اسـتحالة اجتـماع الوجـوب والاستحباب في شيء واحد ، لأنهما ضدّان لا يجتمعان في محل واحد ، ومع فرض أن الوضوء مقدمة للغاية الواجبة يتصف لا محالة بالوجوب ، وبعد ذلك يستحيل أن يتصف بالاستحباب ، وبما أنه قد قصد به الغاية المستحبة له فيحكم على الوضوء بالفساد ، لأن ما قصده من الأمر الاستحبابي لم يقع ، والأمر الوجوبي الذي اتصف به الوضوء لم يقصد ، فلا مناص من الحكم بالفساد كما مر .

   ثم إن الاستشكال في المسألة بما تقدم تقريبه يبتني على القول بوجوب مقدمة الواجب شرعاً ، وأما إذا أنكرنا ذلك وقلنا بأنه لا دليل على وجوب مقدمة الواجب شرعاً ـ على ما قوّيناه في محلِّه (1) ـ فلا إشكال في المسألة بوجه ، وذلك لأن وجوب المقدمة عقلاً ، أعني اللاّ بدية العقلية غير مناف للحكم باستحباب المقدمة فعلاً ، فيقال إنها لما كانت مقدمة للغاية المستحبة فلا محالة تكون مستحبة فعلاً من غير أن يكون ذلك منافياً لشيء .

   كما أنه يبتني على القول بوجوب المقدمة مطلقاً ، وأما بناءً على أن الواجب من المقدمة هي التي يقصد بها التوصل إلى ذي المقدمة ، كما ذهب إليه شيخنا الأنصاري (قدس سره) (2) وقوّاه شيخنا المحقِّق (قدس سره) (3) فلا محالة يرتفع الاشـكال في المسألة ، نظراً إلى أن المفروض عدم قصد المتوضي التوصل به إلى الواجب ، وحيث إن الواجب من المقدمة ليس هو الطبيعي على إطلاقه ، بل إنما هو حصة خاصة منه ، وهي المقدمة التي قصد بها التوصل إلى الواجب فلا يتصف الوضوء بالوجوب في المقام ، ومعه لا مانع من الحكم باستحبابها فعلاً .

   وهذا بخلاف ما إذا قلنا بوجوب المقدمة على نحو الاطلاق ، فانه حينئذ يمكن أن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) محاضرات في اُصول الفقه 2 : 438 .

(2) مطارح الأنظار : 72 السطر 8  .

(3) نهاية الدراية 2 : 133 .

ــ[28]ــ

يقال : إن الوضوء الذي له غايتان إحداهما واجبة والاُخرى مستحبة إذا أتى به بقصد الغاية المستحبّة وقع فاسداً ، وذلك لأن الاستحباب إنما نشأ عن عدم المقتضي للوجوب ولا ينشأ من المقتضي لعدم الوجوب ، فان الاستحباب إنما ينشأ عن الملاك غير البالغ حد الالزام ، أعني عدم كون الملاك ملزماً ، ولا ينشأ عن الملاك الملزم لعدم الوجوب ، إذن فهو لا يقتضي عدم الوجوب ، وأما الوجوب فهو مقتض لعدم الاستحباب لنشوه عن الملاك الملزم للوجوب وهو يمنع عن تركه ، ومعه لا يبقى أيّ نزاع في البين ، لوضوح أنه لا تنافي بين المقتضي واللاّ مقتضي ، فاذا تحقق الوجوب ارتفع الاستحباب لا محالة .

   وعلى الجملة : الوضوء إذا كان مقدمة للواجب اتصف بالوجوب لا محالة ، وهذا يمنع عن اتصافه بالاستحباب ، ويصح معه أن يقال : إن ما قصده من الاستحباب لم يقع ، وما وقع من الأمر الوجوبي لم يقصد ، فلا بدّ من الحكم بالفساد .

   والجواب عن ذلك : أن المكلف قد يأتي بالوضوء قاصداً به الغاية المستحبة من دون أن يقصد الأمر الندبي المتعلق بالوضوء ، وهذا مما لا إشكال في صحّته ، بل هو خارج عن محل الكلام ، لوضوح أن قصد الغاية المندوبة غير مناف لوجوب الوضوء فان للمكلف أن يأتي بالوضوء الواجب بداعي الوصول به إلى تلك الغاية المندوبة كنافلة الفجر فانها مستحبة سواء أ كان الوضوء أيضاً مستحباً أم لم يكن ، فلا ينافي الوجوب الوصفي في الوضوء للندب الغائي بوجه كما أشار إليه الماتن (قدس سره) وما أفاده في المتانة بمكان ، فان المكلف حينئذ قد أتى بالغسلتين والمسحتين متقرباً بهما إلى الله سبحانه ، فلا مناص معه من أن يحكم بصحته ، كما أنه يصح أن يؤتى به الغاية الواجبة المترتبة عليه أيضاً لتحقق الطهارة التي هي المقدمة للصلاة الواجبة .

   واُخرى يأتي بالوضوء ويقصد به الأمر الندبي المتعلق به دون الغاية المندوبة المترتبة عليه ، وهذا هو الذي وقع الكلام في صحته وفساده ، بدعوى أن مع الوجوب المقدمي الغيري شرعاً لا يعقل ان يتصف الوضوء بالاستحباب .

   وأجاب الماتن (قدس سره) عن ذلك بأنه لا مانع من اجتماع الحكمين ، أعني الوجوب والاستحباب في مورد واحد بعنوانين ، لجواز اجتماع الأمر والنهي إذا كان

ــ[29]ــ

المجمع معنوناً بعنوانين وجهتين ، فاذا أمكن اجتماع الحرمة والوجوب في محل واحد أمكن اجتماع الوجوب والاستحباب أيضاً إذا كان بعنوانين متعددين ، والأمر في المقام كذلك ، فيقال باستحباب الوضوء بعنوان أنه مقدمة للمستحب كما يحكم بوجوبه من حيث إنه مقدمة للواجب ، هذا .

   وما أجاب به (قدس سره) عن الاشكال ساقط رأساً ، وذلك لأن اجتماع الأمر والنهي وإن كان ممكناً على ما حقّقناه في محلِّه(1) غير أنه إنما يجوز فيما إذا كان التركّب انضمامياً والجهتان تقييديتين ، والعنوانان في المقام ليسا كذلك ، بل إنما هما تعليليان والحكمان واردان على مورد واحد حقيقي بعلتين إحداهما : كون الوضوء مقدّمة للمستحب . وثانيتهما : كونه مقدّمة للواجب ، ومعه لا يمكن الحكم بجواز الاجتماع ونظيره ما إذا أوجب المولى إكرام العالم وحرّم إكرام الفساق ، وانطبق العنوانان على زيد العالم الفاسق في الخارج ، فانه يستحيل أن يتصف إكرامه بالحرمة والوجوب لفرض أنه موجود شخصي لا تعدّد فيه ، فلا مناص إما أن يحكم بحرمة إكرامه ، وإما بوجوبه ، والجهتان التعليليتان غير مفيدتين لجواز الاجتماع ، فهذا الجواب ساقط .

   والصحيح في الجواب عن الاشكال ـ بناء على القول بوجوب المقدمة مطلقاً ـ أن يقال : إنّ الوجوب إنما ينافي الاستحباب بحده وهو الترخيص في الترك ، لما قدّمناه في محلِّه (2) من أن الاستحباب إنما ينتزع عن الأمر المتعلق بشيء فيما إذا قامت قرينة على الترخيص في الترك ، ومن الواضح أن الوجوب لا يجتمع مع الترخيص في الترك ، وأما ذات الاستحباب أعني المحبوبية والطلب فهي غير منافية للوجوب أبداً ، لجواز اجتماع الوجوب مع المحبوبية فيندك ذات الاستحباب في ضمن الوجوب ، ومن الظاهر أن المقرب إنما هو ذات الاستحباب دون حده ، كما أن الداعي إلى إتيانه هو ذلك دون الحد ، لوضوح أنه يأتي به لمحبوبيته لا لكونه مرخصاً في الترك ، وهذا هو المراد باندكاك الاستحباب في الوجوب ، ولا يراد به اندكاك الاستحباب بحده في الوجوب

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) محاضرات في اُصول الفقه 4 : 257 .

(2) محاضرات في اُصول الفقه 2 : 131 .

ــ[30]ــ

لضرورة أنه بحده مباين للوجوب ، بل المراد هو اندكاك ذات الاستحباب في الوجوب ، وعليه فلا مانع من أن يكون الوضوء واجباً بالفعل ومستحباً أيضاً ، أي محبوباً وذا ملاك للطلب .

   هذا كلّه إذا لم نقل باختصاص الوجوب الغيري المقدمي بالمقدمة الموصلة ، وهي التي يقع في سلسلة علة الفعل والواجب ، وقلنا بوجوب المقدمة على نحو الاطلاق وأما إذا خصصنا الوجوب الغيري بالمقدمة الموصلة إلى الواجب كما قوّيناه في محلِّه(1) فان كان قد أتى المكلف بالوضوء بداعي الغاية المستحبة ولم يوصل ذلك إلى الصلاة الواجبة فلا إشكال في صحّته ، لأن هذه الحصة الحاصلة من الوضوء ليست متصفة بالوجوب المقدمي ـ لعدم كونها موصلة ـ ومع عدم اتصافها بالوجوب فأيّ مانع من استحبابها ، لأنها مقدمة لغاية مستحبة ، وهذا ظاهر .

   وإن كان قد أتى به المكلف بداعي الغاية المستحبة وكان موصلاً إلى الواجب ، فعلى القول بوجوب المقدمة الموصلة لا بدّ من الحكم بوجوبه ، وحينئذ إن قلنا بما أسلفناه آنفاً من أن الوجوب غير مناف للاستحباب في ذاته وإنما ينافي الاستحباب بحدّه فلا  تنافي بين الحكم بوجوب الوضوء واستحبابه فلا كلام ، وأما إذا لم نقل بصحته لتنافي الوجوب مع الاستحباب مطلقاً ، فلا يمكننا الحكم حينئذ بفساد الوضوء ، لأن الحكم بفساد الوضوء يستلزم عدم الفساد ، وكل ما استلزم وجوده عدمه فهو محال .

   بيان ذلك : أن الوضوء الذي أتى به بداعي الأمر الاستحبابي ـ وهو مقدّمة موصلة إلى الواجب ـ على هذا باطل في نفسه ، لأن ما قصده لم يقع وما وقع لم يقصد ، فاذا كان فاسداً لم يكن مقدمة موصلة إلى الواجب ، لأن الموصلة هي المقدمة الصحيحة دون الفاسدة ، إذ لا إيصال في الفاسدة ، ومعه لا يتصف بالوجوب لاختصاصه بالموصلة ، وإذا لم يكن واجباً فلا محالة يقع صحيحاً ، لأن المانع عن صحّته إنما هو الوجوب ، ومع عدمه فهو أمر مستحب ، لمكان أنه مقدمة للمستحب وقد أتى به المكلف بداعي الأمر الاستحبابي المتعلق به ، فلا مناص من الحكم بصحّته .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) محاضرات في اُصول الفقه 2 : 424 .

ــ[31]ــ

 فصل في بعض مستحبّات الوضوء

    الأوّل : أن يكون بمدّ وهو ربع الصاع ـ وهو ستمائة وأربعة عشر مثقالاً وربع مثقال ـ فالمدّ مائة وخمسون مثقالاً وثلاثة مثاقيل ونصف مثقال وحمصة ونصف .

   الثاني : الاستياك بأي شيء كان ولو بالإصبع ، والأفضل عود الأراك .

   الثالث : وضع الإناء الذي يغترف منه على اليمين .

   الرابع : غسل اليدين قبل الإغتراف مرة في حدث النوم والبول ومرتين في الغائط .

   الخامس : المضمضة والاستنشاق ، كل منهما ثلاث مرات بثلاث أكف ، ويكفي الكف الواحدة أيضاً لكل من الثلاث .

   السادس : التسمية عند وضع اليد في الماء ، أو صبّه على اليد وأقلّها : بسم الله والأفضل بسم الله الرّحمن الرّحيم ، وأفضل منهما : بسم الله وبالله اللّهمّ اجعلني من التوّابين واجعلني من المتطهّرين .

   السابع : الاغتراف باليمنى ولو لليمنى ، بأن يصبّه في اليسرى ثم يغسل اليمنى .

   الثامن : قراءة الأدعية المأثورة عند كل من المضمضة والاستنشاق ، وغسل الوجه واليدين ومسح الرأس والرجلين .

&