|
|
|
[ 310 ]
مسألة 3 : يجوز استعمال غسالة الاستنجاء في التطهير على الأقوى وكذا غسالة
سائر النجاسات على القول بطهارتها ((1)) (1)،
وأمّا على المختار من وجوب الاجتناب عنها احتياطاً فلا .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأمّا
تفسير عبارة الماتن بذلك وحمل قوله : «ما دام كذلك» على معنى
ما دام متغيّراً بحيث لو ذهب عنه التغيّر لكان موجباً للطهارة ، فقد
عرفت أن زوال التغيّر لا يقتضي الحكم بذلك ما لم يطرأ عليه مطهّر شرعي . على
أن الظاهر عدم إرادة الماتن ذلك وإنما مراده بقوله : «ما دام ...»
هو ما دام الماء متغيّراً بغسل المتنجِّس فيه ، فكل مرّة يتغيّر الماء
بذلك لا يكفي في الحكم بطهارة المغسول به ولا أنها تعدّ من الغسلات المعتبرة في
التطهير ، ويشهد لذلك قوله : «ولا يحسب غسلة من الغسلات فيما يعتبر فيه
التعدّد» ومعه لا مسوغ لتفسيره بما عرفت .
(1)
لطهارتها مع الشروط المتقدِّمة في محلها وكذلك الحال في بقية الغسالات
ـ على القول بطهارتها ـ كما هو الصحيح في الغسلة المتعقبة
بالطهارة . والوجه في جواز استعمالها في إزالة الخبث ثانياً وثالثاً وهكذا
إنما هو إطلاق الروايات الآمرة بالغسل كقوله (عليه السلام) «إغسل ثوبك من
أبوال ما لايؤكل لحمه»(2)
وقوله (عليه السلام) «صب عليه
الماء مرّتين» (3)
وقوله «إغسله في المِركَن مرّتين» (4)
وغيرها
فانّه لا فرق في صدق الغسل بالماء بين الغسل بالغسالة وغيرها . نعم ، في
ارتفاع الحدث بالماء المستعمل في إزالة الخبث كلام قدّمنا تفصيله في محلِّه (5)
وقلنا
إن القول بعدم جواز استعماله في رفع الحدث هو الصحيح إن تمت الاجماعات المنقولة في
المسألة ولم نناقش في رواية عبدالله بن سنان «الماء الذي يغسل به الثوب أو يغتسل
به الرجل من الجنابة
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وهو الصحيح في الغسلة المتعقبة بطهارة
المحل .
(2) كما في حسنة عبدالله بن سنان المروية في الوسائل
3 : 405 / أبواب النجاسات ب 8 ح 2 .
(3) كما في صحيحة البزنطي المروية في الوسائل 3 : 396
/ أبواب النجاسات ب 1 ح 7 .
(4) كما في صحيحة محمد بن مسلم المروية في الوسائل 3
: 397 / أبواب النجاسات ب 2 ح 1 .
(5) في الماء المستعمل قبل المسألة
[ 134 ] .
لا يجوز أن يتوضّأ منه وأشباهه» (1)
بحسب
السند والدلالة ، وإلاّ فهو مبني على الاحتياط .
وأمّا
إزالة الخبث به ثانياً وثالثاً وهكذا فقد عرفت أنها هو الصحيح للاطلاق المتقدِّم
تقريبه . وقد يقال بعدم الكفاية لموثقة عمار الآمرة بصب الماء في الاناء
وتحريكه ثم تفريغه من الماء ، ثم صب ماء آخر فيه مع التحريك والافراغ وهكذا
إلى ثلاث مرّات (2)
بتقريب أن الغسالة لو جاز أن يغسل بها المتنجِّس
ثانياً وثالثاً لم يكن وجه للأمر بافراغ الاناء من الماء المصبوب فيه أولاً ثم صب
ماء آخر فيه ، بل كان تحريك ذلك الماء فيه بعينه مرّة ثانية وثالثة كافياً في
تطهير الاناء من دون حاجة إلى تفريغه منه أبداً ، فالأمر بتفريغه من الماء
المصبوب فيه أوّلاً كاشف قطعي عن عدم كفاية الغسالة في إزالة الخبث بها ثانياً
وثالثاً .
هذا
ما ربما يتوهم في المقام ولكنه من الفساد بمكان لا ينبغي التعرض له ، وذلك
لأن الموثقة أجنبية عما نحن بصدده ، حيث إنها من أدلة نجاسة الغسالة وكلامنا
إنما هو في الغسالة الطاهرة ، وقد بيّنا في مورده أن غير الغسالة المتعقبة
بطهارة المحل محكوم بالنجاسة ، وعليه فالوجه في أمره (عليه السلام) بافراغ
الاناء من الماء المصبوب فيه أوّلاً وثانياً إنما هو نجاسة الغسالة في المرّتين
لعدم كونها فيهما متعقبة بالطهارة ، ومن الظاهر أن الماء المتنجِّس لا يكفي
في تطهير مثله من الأشياء المتنجسة . وأما أمره (عليه السلام) بالافراغ في
الغسلة الثالثة فهو أيضاً مستند إلى نجاسة الماء ، بناء على أنّ الغسالة
مطلقاً نجسة ولو ما دامت في المحل ، وأمّا بناء على ما هو الصحيح من
طهارة الغسالة حينئذ فالوجه في أمره (عليه السلام) أن الغسلة الثالثة لا يتحقق من
غير إفراغ الاناء ، حيث إن مجرد صبّ الماء فيه لا يكفي في صدق الغسل عليه
ما دام لم يفرغ من الماء . فليس الوجه في أمره (عليه السلام) بالصب في
الغسلة الثالثة أن الغسالة الطاهرة لا تزال بها الخبث ثانياً وثالثاً .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 1 : 215 / أبواب الماء المضاف ب 9 ح
13 .
(2) الوسائل 3 : 496 / أبواب النجاسات ب 53 ح
1 .
[ 311 ]
مسألة 4 : يجب في تطهير الثوب أو البدن بالماء القليل من بول غير
الرضيع ، الغسل مرّتين (1) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)
أسنده في الحدائق (1)
ومحكي المدارك (2)
وغيرهما
إلى الشهرة مطلقاً . وقيّدها في الجواهر بـ «بين المتأخرين» (3)
وعن
المعتبر أنه مذهب علمائنا (4)
. وعن الشهيد في البيان عدم وجوب
التعدّد إلاّ في إناء الولوغ (5)
وعنه (قدس سره) في ذكراه اختيار
التعدّد (6)
ناسباً إلى الشيخ في مبسوطه عدم وجوب التعدّد في غير
الولوغ (7)
. وقد استظهر القول بذلك عن العلاّمة في جملة من
كتبه (8)
ولكنه في المنتهى ذهب إلى التفصيل بين صورتي جفاف
البول وعدمه بالاكتفاء بالمرة في الصورة الاُولى دون الثانية (9)
.
وعن صاحبي المدارك (10)
والمعالم (11)
الاكتفاء
بالمرة في البدن دون الثوب هذه هي المهم من أقوال المسألة وقد يوجد فيها غير ذلك
من الوجوه .
أمّا
ما ذهب إليه الشهيد في البيان والعلاّمة في جملة من كتبه من كفاية الغسل مرّة
واحدة في غير الولوغ فلم يقم عليه دليل فيما نحن فيه سوى الأخبار الآمرة بغسل
ما أصابه البول (12)
من غير تقييده بمرّتين . وفيه :
أن هذه الأخبار غير واردة في مقام
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الحدائق 5 : 356 .
(2) المدارك 2 : 336 .
(3) الجواهر 6 : 185 .
(4) المعتبر 1 : 435 .
(5) البيان : 93 .
(6) الذكرى : 15 السطر 4 .
(7) المبسوط 1 : 37 .
(8) كالقواعد 1 : 193 .
(9) المنتهى 3 : 264 .
(10) المدارك 2 : 337 .
(11) المعالم (فقه) : 321 .
(12) كما في صحيحة وحسنة ابن سنان وموثقة سماعة
المروية في الوسائل 3 : 405 / أبواب النجاسات ب 8 ح 2 ، 3 ، 1 .
البيان من تلك الناحية أعني كفاية الغسل مرّة واحدة
وعدمها ، بل إنما وردت لبيان أصل الوجوب . على أنها على تقدير كونها
مطلقة لا بدّ من تقييدها بمرتين على ما دلّ عليه غير واحد من
الأخبار .
ولعلّ
نظرهم من الاكتفاء بالمرة الواحدة إلى صورة زوال العين وجفافها كما حكي ذلك عن
العلاّمة (قدس سره) في المنتهى حيث فصّل بين صورتي جفاف البول وعدمه واكتفى بالمرة
الواحدة في الاُولى دون الثانية ، ولعله من جهة أن الغسلة الاُولى للازالة
والثانية للتطهير ـ ولو بدعوى استفادة ذلك من المناسبات المركوزة بين
الحكم وموضوعه ـ فمع زوال العين بنفسها لا حاجة إلى تعدد
الغسلتين .
وهذا
الاحتمال وإن كان أمراً معقولاً في نفسه إلاّ أن الظاهر من الأخبار الآمرة بالغسل
مرّتين أن للغسلتين دخالة في التطهير لا أن إحداهما من باب الازالة كما
ادعي . بل لو سلمنا أن الغسلة الاُولى للازالة فلا مناص من اعتبار كون
الازالة بالماء فلا يكون الازالة على إطلاقها موجبة للطهارة وإن كانت مستندة إلى
أمر آخر غير الماء ، كما إذا جف البول أو مسح بخرقة ونحوها فان ظهور الأخبار
في مدخلية الماء في الطهارة أمر غير قابل للانكار ، ومن الجائز أن تكون
الغسلة الاُولى موجبة لحصول مرتبة ضعيفة من الطهارة لتشتد بالثانية ولا يكون الأمر
بها لمجرد الازالة حتى يكتفى بمطلقها ، هذا كله على أن حمل الروايات الآمرة
بالتعدد على صورة وجود العين حمل لها على مورد نادر ، لأن الغالب في غسل
الثوب والجسد إنما هو غسلهما بعد الجفاف ولا أقل من أن ذلك أمر غير غالبي ،
هذا .
ويمكن
الاستدلال لهذه الدعوى بما رواه الشهيد (قدس سره) في الذكرى عن الصادق (عليه
السلام) «في الثوب يصيبه البول ، إغسله مرّتين : الاُولى للازالة
والثانية للانقاء» (1)
فان الغرض من الغسلة الاُولى إذا
كان هو الازالة فالمطهّر هو الغسلة الثانية حقيقة فيصدق أن الغسلة الواحدة كافية
في تطهير نجاسة البول ، والازالة قد تتحقق بالجفاف وقد تتحقّق بغيره كما
مرّ ، هذا .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الذكرى : 15 السطر 4 .
وقد
سبقه إلى ذلك المحقق (قدس سره) في المعتبر (1)
حيث
نقل رواية الحسين بن أبي العلاء المتقدِّمة (2)
بزيادة
«الاُولى للإزالة والثانية للإنقاء» وهي كما ترى صريحة الدلالة على مسلك الشهيد
(قدس سره) إلاّ أن الكلام في ثبوت تلك الزيادة ، لأنها على ما اعترف به جملة
من الأكابر لم يرد في شيء من كتب الحديث ، فهذا صاحب المعالم (قدس سره) ذكر
في محكي كلامه «ولم أرَ لهذه الزيادة أثراً في كتب الحديث الموجودة الآن بعد
التصفّح بقدر الوسع» (3)
ونظيره ما ذكره صاحب الحدائق والفاضل
السبزواري في ذخيرته (4)
فليراجع . والظاهر اشتباه
الأمر على الشهيد حيث حسب الزيادة من الرواية مع أنها من كلام المحقِّق (قدس سره)
ذكرها تفسيراً للرواية . على أ نّا لو سلمنا أن المحقِّق نقل الزيادة
تتمّة للرواية أيضاً لم يمكننا المساعدة عليها ، لما عرفت من أنها ممّا لا
عين له ولا أثر في كتب الحديث فالأمر مشتبه على المحقِّق (قدس سره) . ولو
تنزّلنا عن ذلك وسلّمنا عدم اشتباه الأمر عليه وهي رواية حقيقة فالواسطة التي وصلت
منها الرواية إلى المحقق (قدس سره) مجهولة عندنا ولم يظهر أنها من هو فلا يمكن الاعتماد
عليها بوجه .
وأمّا
ما ذهب إليه صاحبا المعالم والمدارك من التفصيل بين الثوب والبدن والاكتفاء
بالمرّة في البدن دون الثوب ، فهو مستند إلى استضعاف الأخبار الواردة في
التعدّد في البدن . ويرد عليه ما أورده صاحب الحدائق (قدس سره) وحاصله :
أن ما دلّ على التعدّد في الجسد عدة روايات :
منها :
صحيحة أو حسنة أبي إسحاق النحوي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : «سألته
عن البول يصيب الجسد ؟ قال : صب عليه الماء مرّتين» (5)
ومنها :
حسنة الحسين بن أبي العلاء قال : «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن البول
يصيب
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المعتبر 1 : 435 .
(2) في ص 12 .
(3) المعالم (فقه) : 320 .
(4) الحدائق 5 : 360 ، ذخيرة المعاد : 161
السطر 33 .
(5) الوسائل 3 : 395 / أبواب النجاسات ب 1 ح 3 ،
4 ، 396 / ح 7 .
الجسد ؟ قال : صب عليه الماء مرّتين فانّما
هو ماء ...» (1)
ومنها :
صحيحة البزنطي المروية في آخر السرائر (2)
وهي
بعين الألفاظ المنقولة من الحسنة ومضمونها . وهذه الأخبار كما ترى بين صحيحة
وحسنة فلا مجال فيها للمناقشة سنداً . فإلى هنا ظهر أن الصحيح هو ما ذهب إليه
الماتن وفاقاً للمشهور من وجوب التعدّد في البول .
بقي
الكلام في جهات : الاُولى :
هل الحكم بالتعدّد يخص الثوب والبدن فيكتفى بالغسلة الواحدة في غيرهما أو أنه يعم
جميع الأشياء المتنجسة بالبول ؟
الأخبار
الآمرة بالتعدد إنما وردت في الثوب والبدن ولا يمكننا التعدي إلى غيرهما من الأشياء
الملاقية له إلاّ بدعوى دلالة الأخبار على العموم بالغاء خصوصيتي الثوب
والجسد ، وهذا مما لا سبيل إليه ، لأ نّا وإن قلنا إن الأمر بغسل
ما لاقاه بول أو دم أو غيرهما من الأعيان المذكورة في الروايات إرشاد إلى نجاسة
الملاقي ، وتعدينا عن مواردها إلى جميع ما يلاقي الأعيان النجسة حسبما يقتضيه
الفهم العرفي من مثله ، إذ الانفعال عندهم ليس من الاُمور المختصة بملاقاة
الأعيان المذكورة في الأخبار ، بل المستفاد منه أن ملاقاة مطلق العين النجسة
سبب في تأثر الملاقي ، إلاّ أنه في خصوص المقام ليس لنا جزم بعدم خصوصيتي الثوب
والبدن في وجوب التعدّد في الغسل ، لأنه من المحتمل القوي أن الشارع أراد
فيهما المحافظة على المرتبة الشديدة من الطهارة ومع هذا الاحتمال ليس لنا أن نتعدى
إلى غيرهما .
وعلى
الجملة إنما يمكننا التعدي إلى غير الثوب والجسد فيما إذا علمنا بعدم دخل
خصوصيتهما في الحكم المترتب عليهما وجزمنا بوحدة المناط في الأشياء الملاقية مع
البول بأسرها ، وأما مع عدم القطع بذلك فلا ، لأ نّا نحتمل دخل
خصوصيتى الثوب والبدن في حكمهما ، لوضوح أن الأحكام الشرعية تختلف باختلاف
موضوعاتها مع أنها مما قد تجمعه طبيعة واحدة . فنرى أن الشارع حكم بوجوب
الغسل ثلاث مرات في الاناء ولم نر من الأصحاب من تعدّى عنه إلى غيره مما صنع من
مادته من صفر أو خزف أو غيرهما ، مع العلم بأن الجميع صفر أو غيره من المواد
إلاّ أنه إذا اصطنع بهيئة
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ، (2) الوسائل 3 : 395 / أبواب النجاسات ب 1 ح
3 ، 4 ، 396 / ح 7 .
الاناء يعتبر في تطهيره الغسل ثلاث مرّات وإذا كان
على هيئة اُخرى كفى في تطهيره الغسل مرّة واحدة مثلاً . وكذا نرى أن الشارع
حكم بطهارة مخرج الغائط بالتمسح بالأحجار أو بغيرها من الأجسام القالعة
للقذارة ، ولا يحكم بطهارة هذا الموضع بعينه إذا تنجس بغير الغائط من
النجاسات بمجرد إزالتها ، كما إذا تنجس بدم قد خرج من بطنه أو أصابه من
الخارج ، بل يجب غسله بالماء .
ولأجل
هذا وذاك لا يحصل القطع لنا بعدم الفرق بين الثوب والجسد وغيرهما من المتنجسات
بالبول ، ولا يصغى إلى ما قيل من أن التوقف في ذلك من الخرافات ، بل
الحكم بتعدّد الغسل أو الصب يختص بمورد النصوص وهو الثوب والجسد ، وأما في
غيرهما فاطلاقات مطهرية الغسل محكمة وهي تقتضي الاكتفاء بالغسل مرّة واحدة .
الجهة
الثانية : هل الصبة الواحدة المستمرة بقدر
زمان الغسلتين أو الصبتين والفصل بينهما كافية عن الصبتين أو الغسلتين المأمور
بهما في تطهير الثوب والبدن أو يعتبر تحققهما بالانفصال ؟ فلو فرضنا امتداد
كل من الصبتين دقيقة واحدة والفصل بينهما أيضاً كذلك بحيث كان زمانهما مع الفصل
بينهما ثلاث دقائق لم تكف الصبة الواحدة المستمرة ثلاث دقائق أو أكثر في الحكم
بطهارة البدن أو الثوب ، بل لا بدّ من صب الماء عليهما مرّتين بانفصال
كل منهما عن الآخر أو غسلهما كذلك .
حكي
عن الشهيد في الذكرى القول بكفاية الصبة الواحدة بقدر الغسلتين أو الصبّتين (1)
،
وتبعه جماعة ممن تأخر عنه ، ولعله من جهة أن الاتصال بين الغسلتين بالصب ليس
بأقل من القطع بينهما بالفصل . إلاّ أن الصحيح هو اعتبار الفصل بين الغسلتين
أو الصبتين لأنه الذي يقتضيه الجمود على ظواهر الأخبار الآمرة بالصب أو الغسل
مرّتين ، حيث إن ظواهرها أن للتعدد دخلاً في حصول الطهارة المعتبرة .
ودعوى : أن وصل الماء ليس بأقل من فصله ، مندفعة بأنه وجه استحساني لا
مثبت له ، فانّه على خلاف ما عليه أهل المحاورة ، حيث إن السيد إذا أمر
عبده بالسجدة مرّتين أو برسم خطّين مستقيمين لم يكتف العبد في امتثاله بالسجدة
الواحدة الممتدّة
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الذكرى : 15 السطر 19 .
بقدر زمان السجدتين والفصل بينهما أو برسم خط واحد
كذلك ، فرفع اليد عن ظهور الأخبار في التعدّد بمثل ذلك من الوجوه الاستحسانية
مما لا مسوّغ له .
الجهة
الثالثة : هل الحكم بوجوب التعدّد يختص ببول
الآدمي أو أنه يعم غيره من الأبوال النجسة ؟
ظاهر
الأسئلة الواردة في الروايات ـ حسب المتفاهم العرفي ـ هو الاختصاص لأنهم كانوا
يبولون على وجه الأرض وهي على الأغلب صلبة فكان يترشح منها البول إلى أبدانهم
وأثوابهم ومن أجل ذلك تصدّوا للسؤال عن حكمه ، ولا يبعد بهذه المناسبة دعوى
انصراف الأخبار إلى بول الآدمي وأنه المنسبق إلى الأذهان من الأسئلة ، ولعل
هذا هو الوجه في عدم استفصالهم عن كون البول مما يؤكل لحمه أو من غيره مع طهارة
البول مما يؤكل لحمه . ومن ذلك يظهر أن نظرهم إنما هو السؤال عن خصوص بول
الآدمي فتعميم الحكم إلى مطلق الأبوال النجسة مما لا وجه له . بل يمكن
التمسّك في ذلك باطلاق قوله (عليه السلام) «إغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل
لحمه» (1)
لأنّ مقتضى إطلاقه جواز الاكتفاء بالمرّة الواحدة في
بول غير الآدمي فلا يجب التعدّد في مطلق الأبوال النجسة حينئذ .
الجهة
الرابعة : أن الظاهر من أسئلتهم عن أن البول
يصيب الثوب أو البدن ، هو اختصاص السؤال والجواب بما قد يصيبه البول وقد لا
يصيبه فيعتبر في مثله الغسل مرّتين ، وأما ما كان في معرض الاصابة دائماً فلا
تشمله الروايات بوجه ، وعليه فلا يجب التعدّد في مخرج البول حينئذ ،
إذ لا يصح أن يقال إنه مما يصيبه البول ، بل إن كان هناك دليل يدل على اعتبار
التعدّد فيه فهو ، وإلاّ فيقتصر فيه بالصبة الواحدة أو الغسل مرّة .
الجهة
الخامسة : هل يعتبر إزالة العين النجسة قبل
الغسلتين أو الصبتين أو أن إزالتها بالغسلة الاُولى كافية في حصول الطهارة
بالثانية ؟
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وهي حسنة عبدالله بن سنان المروية في الوسائل 3 :
405 / أبواب النجاسات ب 8 ح 2 .
قد
يتوهّم أنّ الغسلتين أو الصبتين لا بدّ من أن تقعا بعد إزالة العين بشيء فلا
تكفى إزالتها بالغسلة الاُولى من الغسلتين . ويتوجه عليه أن الحكم بذلك يتوقف
على دلالة الدليل ولا دليل على اعتبار وقوع الغسلتين بعد إزالة العين ، بل
الأمر بغسل ما أصابه البول مرّتين أو صبّ الماء عليه كذلك يقتضى باطلاقه كفاية
الإزالة باُولى الغسلتين وعدم اعتبار وقوعهما بعد إزالة العين بمزيل . بل
المناسبة المرتكزة بين الحكم وموضوعه أن الغسلة الاُولى للازالة والثانية للانقاء
كما نقلناه عن المحقق (قدس سره) (1)
هذا .
وقد
يقال : إن مقتضى الاطلاق في الروايات كفاية إزالة
العين ولو بالغسلة الثانية فلا يعتبر إزالتها باُولى الغسلتين . ويندفع
بأن الأخبار الواردة في المقام منصرفة إلى البول المتعارف الذي يكفي في إزالته
الغسل أو الصب مرّة واحدة ، كما يرشدنا إليه قوله في بعض الأخبار المتقدِّمة
«فانّما هو ماء» (2)
تعليلاً لما أمر به من صبّ الماء
عليه مرّتين ، فان ظاهره بيان أن الماء كما أنه لا لزوجة له ويكفي في إزالته
صبّ الماء عليه مرّة واحدة ، فكذلك الحال في البول فتكون الغسلة الثانية
مطهّرة لا مزيلة ، ومعه فالأخبار مختصة بالبول الذي يكفي في إزالته الغسل
مرّة واحدة ، فإذا فرض بول لا يكفي ذلك في إزالته فهو خارج عن مورد
الروايات ، هذا .
ويمكن
أن يوجّه المدعى بتقريب آخر : وهو أن الأخبار الواردة في المقام وإن اُخذت
فيها الاصابة كما في قوله : «يصيب الثوب أو البدن» وظاهر الاصابة الحدوث
فانّها لا تطلق على بقاء البول ، إلاّ أن من المقطوع به عدم الفرق في نجاسة
البول بين الحدوث والبقاء ، وعليه فاذا أصاب الثوب أو البدن وجب غسله أو صبّ
الماء عليه مرّتين كما دلّت عليه الأخبار المتقدِّمة ، فإذا غسلناه مرّة
واحدة ولم يزل بذلك فهو أيضاً بول متحقق في الثوب أو البدن فيجب غسله مرّتين
بمقتضى إطلاق الروايات وعليه فمقتضى الاطلاقات هو العكس أعني اعتبار كون الغسلة
الاُولى مزيلة للعين
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص 25 .
(2) الوسائل 3 : 395 ، 396 / أبواب النجاسات ب
1 .
وأما من بول الرضيع غير المتغذي بالطعام فيكفي صبّ
الماء مرّة وإن كان المرّتان أحوط (1) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وإلاّ وجب غسله مرّتين ، لأنه بول متحقق في
الثوب أو البدن ولا فرق في تحققه بين الحدوث والبقاء .
(1)
الكلام في هذه المسألة يقع من جهات :
الاُولى :
أن الصبّة الواحدة هل تكفي في إزالة بول الرضيع غير المتغذي بالطعام أو
لا بدّ في تطهيره من صبّ الماء عليه مرّتين ؟
المشهور
بل المتسالم عليه بينهم كفاية الصب مرّة خلافاً لما حكي عن كشف الغطاء من اعتبار
الصب مرّتين (1)
، ولعل الوجه فيه أن حسنة الحلبي قال : «سألت
أبا عبدالله (عليه السلام) عن بول الصبي ؟ قال : تصب عليه الماء» (2)
الدالّة
على كفاية الصبة الواحدة مطلقة ، ومقتضى قانون الاطلاق والتقييد تقييدها بما
دلّ على اعتبار التعدّد في مطلق البول كما في حسنة أو صحيحة أبي إسحاق
النحوي (3)
وحسنة الحسين بن أبي العلاء (4)
وغيرهما
من الأخبار المشتملة على قوله (عليه السلام) : «صب عليه الماء مرّتين» بعد
السؤال عن إصابة البول للجسد ، هذا .
ولكن
الصحيح هو ما ذهب إليه المشهور في المسألة ، وذلك لأنّ حسنة الحلبي وإن كانت
مطلقة إلاّ أن حسنة الحسين المتقدِّمة ظاهرة الدلالة على كفاية الصبة الواحدة في
بول الصبي قال : «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن البول يصيب الجسد ؟
قال : صب عليه الماء مرّتين فانّما هو ماء» ، «وسألته عن الثوب يصيبه
البول ؟ قال : إغسله مرّتين» ، «وسألته عن الصبي يبول على
الثوب ؟ قال : تصب عليه الماء قليلاً ثم تعصره» (5)
.
والوجه في الظهور : أن التفصيل قاطع للشركة فانّه (عليه السلام) فصّل
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كشف الغطاء : 179 السطر 8 .
(2) الوسائل 3 : 397 / أبواب النجاسات ب 3 ح 2 .
(3) الوسائل 3 : 395 / أبواب النجاسات ب 1 ح 3 .
(4) الوسائل 3 : 395 / أب