|
|
|
فصل في
المطهِّرات
وهي
اُمور :
أحدها :
الماء وهو عمدتها ، لأنّ سائر المطهِّرات مخصوصة بأشياء خاصّة بخلافه فإنّه
مطهِّر لكل متنجِّس حتى الماء المضاف (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فصل في
المطهِّرات
(1)
المتنجِّس إمّا من الأجسام الجامدة وإمّا من المائعات ، والمائع إمّا هو
الماء وإمّا غيره ، وهو المضاف وما يلحقه من اللبن والدهن ونحوهما .
أمّا
الجوامد من الأجسام فمطهّرها على نحو الاطلاق إنما هو الغسل بالماء ، وذلك
للإستقراء وملاحظة الموارد المتعدِّدة من الثوب والبدن والحصر والفرش والأواني
وغيرها مما حكم فيها الشارع ـ على اختلافها ـ بتطهيرها بالغسل ، حيث سئل عن
إصابتها بالدم أو المني أو البول أو غيرها من النجاسات وأمروا (عليهم السلام)
بغسلها بالماء . ومن هذا يستفاد أن الغسل بالماء مطهِّر على الاطلاق فان
الأمر في تلك الموارد بالغسل ـ على ما قدمناه في محلِّه ـ إرشاد إلى أمرين :
أحدهما : كون ملاقاة الأعيان النجسة منجِّسة لملاقياتها .
وثانيهما : طهارة الملاقي المتنجِّس بغسله بالماء ، وحيث إن المستفاد من
تلك الأوامر حسب المتفاهم العرفي عدم اختصاص الطهارة المسببة من الغسل بمورد دون
مورد لوضوح عدم مدخلية شيء من خصوصيات الموارد في ذلك فلا مناص من التعـدِّي
والحـكم بأن الغسل بالماء مطهّر للأجسام المتنجِّسة على الإطلاق . ومن ثمة لا
نضايق من الحكم بكفاية الغسل بالماء في تطهير الأجسام المتنجِّسة التي لم تكن
متكونة في زمان صدور الأمر بالغسل في الموارد المتقدِّمة وذلك
كما في البرتقال والطماطة ، وليس هذا إلاّ من
جهة أن الغسل بالماء مطهّر مطـلقاً . نعم قد اعتبر الشارع في حصول الطهارة
بذلك بعض القيود يأتي عليها الكلام في تفاصيل المطهّرات إن شاء الله ،
هذا .
مضافاً
إلى موثقة عمار الواردة في من يجد في إنائه فأرة ميتة وقد توضأ من ذلك الماء
مراراً أو اغتسل منه أو غسل ثيابه ، قال (عليه السلام) : إن كان رآها في
الاناء قبل أن يغتسل أو يتوضأ
أو يغسل ثيابه ثم يفعل ذلك بعدما رآها في الاناء فعليه أن يغسل ثيابه ويغسل كل ما
أصابه ذلك
الماء ...(1)
لدلالتها على أن المتنجِّس بالماء المتنجِّس مطلقاً
يطهر بالغسل .
وكيف
كان فبالموثقة والاسـتقراء نحكم بأن الجوامد يطهّرها الغسل بالماء هذا ولكن بعض
الجوامد غير قابل للتطهير بالاستهلاك ولا بالغسل ، لعدم استهلاكه في الأجزاء المائية
ولا يتداخل الماء في أجزائه ليطهر بالغسل كما في الدهن الجامد إذا تنجس حال
ميعانه ، فان مثله لا يستهلك في الماء لانفصاله عن الأجزاء المائية بالطبع
ولا يرسب الماء في جوفه ، ويأتي ذلك في المسألة التاسعة عشرة إن شاء
الله .
نعم ،
لم يستبعد الماتن (قدس سره) الحكم بطهارة الدهن حينئذ فيما إذا جعل في ماء عاصم
وغلى الماء مقداراً من الزمان فان الماء يصل بذلك إلى جميع أجزائه ، إلاّ أن
الصحيح عدم كفاية ذلك في تطهيره على ما يأتي في محلِّه (2)
لأنّ
الغليان إنما يوجب تصاعد الأجزاء وتنازلها وهذا لا يقتضي سوى وصول العاصم إلى
السطح الظاهر من الأجزاء ولا يوجب تداخل العاصم ووصوله إلى جوفها . ونظيره
الفلزات كالذهب والفضة وغيرهما إذا تنجست حال ذوبانها ، حيث لا يمكن الحكم
بتطهيرها بشيء لعدم استهلاكها في الماء وعدم رسوبه في جوفها حتى إذا فرضنا ـ فرضاً
غير واقع ـ أن الفلز كالدهن يذوب بالغليان في الماء ، لما مرّ من أن الغليان
الذي هو تصاعد الأجزاء وتنازلها لا يوجب سوى وصول الماء إلى السطح الظاهر من
أجزائه ولا يقتضي تداخله ووصوله إلى جوفه ، هذا كلّه في الأجسام الجامدة .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المروية في الوسائل 1 : 142 / أبواب الماء المطلق
ب 4 ح 1 .
(2) في ص 73 .
وأمّا
المياه المتنجِّسة فقد قدّمنا في محلِّه(1)
أن
مطهّرها هو اتصالها بالماء العاصم أو بممازجتها معه بناء على اعتبار الامتزاج في
تطهيرها .
وأمّا
المضاف النجس فقد أسلفنا في بحث المياه(2)
عدم
قابليته للطّهارة إلاّ بالاستهلاك وانعـدام موضـوعه ، ولا نعرف مخـالفاً في
المسـألة سـوى ما حكي عن العـلاّمة (قدس سره) من الحكم بطهارة المضاف
باتصاله بالكثير (3)
، إلاّ أنه من الفلتات ولم يقم
دليل على أن الاتصال بالكر مما يطهّر المضاف ، وإنما يطهره الاستهلاك كما
ذكره في المتن ، ولكن في إسناد التطهير إلى الاستهلاك ضرباً من المسامحة إذ
لا موضوع مع الاستهلاك حتى يحكم بطهارته لأجله. نعم، إسناد الطهارة
بالاستهلاك إلى الماء إسناد حقيقي لا تسامح فيه ، وذلك لأن الاستهلاك بما هو
هو غير موجب للطهارة بوجه ومن هنا لو استهلك المضاف المتنجِّس في ماء قليل حكمنا
بنجاسة القليل لملاقاته المضاف المتنجِّس وإن استهلك فيه المضاف ،
فلا بدّ في الحكم بالطهارة من أن يكون الماء كرّاً وغير منفعل بالملاقاة
فمثله مطهّر للمضاف مشروطاً باستهلاكه فيه .
بل
يمكن أن يقال : لا تسامح في إسناد التطهير إلى الاستهلاك أيضاً ، وذلك
لأن المضاف إذا استهلك في الماء العاصم ثم فصلناه عن الماء بالتبخير فهو محكوم
بالطهارة لا محالة ، لأن أجزاءه المستهلكة في الماء المتحققة فيه عقلاً قبل
الانفصال قد حكم بطهارتها على الفرض ، ومعه تكون طاهرة ولو بعد الانفصال فلا
تستند طهارة الأجزاء المستهلكة إلاّ إلى الاستهلاك السابق مع بقاء المضاف ووجود
الموضوع ، لفرض انفصاله عن الماء فلا تسامح في إسناد التطهير إلى الاستهلاك
كما لا مسامحة في إسناده إلى الماء . وكيف كان الاستهلاك مطهّر للمضاف ،
بل ذكرنا في بحث الماء المضاف أن المضاف المتنجِّس إذا أ ثّر في الماء العاصم
باستهلاكه كما إذا قلبه مضافاً بعد مضي زمان لم يحكم بنجاسة شيء منهما ، وذلك
لأن المضاف قد حكم بطهارته بالاستهلاك فاذا قلب المطلق إلى الاضافة لم يكن موجب
للحكم بنجاسته ، فان
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) شرح العروة 2 : 48 .
(2) شرح العروة 2 : 46 .
(3) التذكرة 1 : 33 ، المختلف 1 : 74 المسألة
40 .
بالاستهلاك (1)
بل يطهّر بعض الأعيان النجسة كميت الانسان فانّه يطهر بتمام غسله(2) .
ويشترط في التطهير به اُمور ، بعضها شرط في كل من القليل والكثير ،
وبعضها مختص بالتطهير بالقليل . أما الأوّل فمنها : زوال العين
والأثر (3)
بمعنى الأجزاء الصغار منها لا بمعنى اللّون والطّعم ونحوهما (4)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ما لاقاه من أجزاء المضاف محكوم بالطهارة ،
وانقلاب الماء الطاهر مضافاً ليس من أحد المنجّسات .
(1)
قد عرفت أنه لا تسامح في إسناد الطهارة بالاستهلاك إلى الماء وكذا في إسنادها إلى
الاستهلاك .
(2)
يأتي الكلام على ذلك في محله إن شاء الله تعالى .
(3)
لا يخفى ما في عدّ ذلك من شرائط التطهير بالماء من المسامحة ، لأن زوال العين
والأجزاء الصغار التي تعد مصداقاً للنجاسة لدى العرف مقوّم لمفهوم الغسل المعتبر
في التطهير ، ولا يتحقق غسل بدونه لأنه بمعنى إزالة العين ومع عدمها لا غسل
حقيقة .
(4)
وعن العلاّمة (قدس سره) في المنتهى وجوب إزالة الأثر بمعنى اللون دون
الرائحة (1)
، وفي محكي النهاية : وجوب إزالة الرائحة دون
اللّون ـ إذا كان عسر الزوال ـ (2)
وعن
القواعد ما ربما يفهم منه وجوب إزالة كل من اللون والرائحة إذا لم يكن عسر في
إزالتهما . (3)
والتحقيق
وفاقاً للماتن (قدس سره) عدم اعتبار شيء من ذلك في حصول الطهارة بالغسل وذلك أما
أوّلاً : فلاطلاق الروايات الآمرة بالغسل ، حيث لم تدل إلاّ على اعتبار
الغسل في تطهير المتنجِّسات ، وقد أشرنا آنفاً إلى أن الغسل بمعنى إزالة
العـين وأمّا إزالة الرائحة أو اللّون فهي أمر خارج عن مفهومه واعتبارها فيه
يتوقّف على
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المنتهى 3 : 243 .
(2) النهاية 1 : 279 .
(3) القواعد 1 : 195 .
دلالة دليل وهو مفقود . وأما ثانياً : فلأن
النجاسات بأكثرها تشتمل على رائحة أو لون لا تزولان بزوال عينها كما في دم الحيض
والميتة وبعض أقسام المني ، فترى أنها بعدما غسلت وأزيلت عينها تبقى رائحتها
أو لونها ، ولم ترد مع ذلك إشارة في شيء من الأخبار الواردة في التطهير عن
الأعيان المذكورة وغيرها إلى اعتبار زوال الرائحة أو اللّون وإنما دلت على لزوم
غسلها فحسب . ويؤيده ما في جملة من الروايات (1)
من
الأمر بصبغ الثوب الذي أصابه الحيض بالمشق حتى يختلط فيما إذا غسل ولم يذهب
أثره .
نعم ،
لا يمكن الاستدلال على المدعى بما ورد في الاستنجاء من أن الريح لا ينظر
إليها(2)
وذلك لأنّ الموضع المخصوص له خصوصية من بين سائر المتنجسات بحيث
لا يمكن قياس غيره به ، ومن هنا يكفي في تطهيره التمسح بالأحجار ،
مع أن الأجزاء المتخلِّفة من النجس في المحل قد لا يقلعها التمسح
بالأحجار ، لوضوح أنه ليس من الأجسام الصقيلة حتى تزول عنه العين بالتمسح
بها ، فمقايسة غيره من المتنجِّسات به في غير محلِّه .
وأمّا
ما يقال من أن بقاء الأثر كاللون والريح وغيرهما يكشف عن بقاء العين
لا محالة ، لأن انتقال العرض من معروضه أمر غير معقول ،
فيندفع أوّلاً : بأن الأحكام الشرعية لا تبتني على
التدقيقات الفلسفية وإنما تدور مدار صدق العناوين المأخوذة في موضوعاتها
عرفاً ، وبما أن الأثر المتخلف من العين من قبيل الأعراض لدى العرف والنجاسة مترتبة
على عنوان الدم والعذرة ونحوهما ولا يصدق شيء من هذه العناوين على الأوصاف
والأعراض فلا يمكن الحكم بنجاسة الآثار المتخلفة في المحل .
وثانياً :
بأن كبرى استحالة انتقال العرض وإن كانت مسلمة ، إلاّ أنها غير منطبقة على
المقام ، لأن عروض الرائحة أو اللون أو غيرهما من آثار النجس على الثوب مثلاً
كما يحتمل أن يكون مستنداً إلى انتقال أجزاء ذلك النجس إلى الثوب لاستحالة انتقال
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 3 : 439 / أبواب النجاسات ب 25 ، 2
: 369 / أبواب الحيض ب 52 .
(2) كما في حسنة ابن المغـيرة المرويّة في الوسـائل 3
: 439 / أبواب النجاسات ب 25 ح 2 ، 1 : 322 / أبواب
أحكام الخلوة ب 13 ح 1 .
ومنها :
عدم تغيّر الماء ((1))
في أثناء الاستعمال (1) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العرض من دون معروضه ، كذلك يحتمل أن يكون
مستنداً إلى المجاورة ، لأنها ربما تسبب استعداد الشيء للتأثر بآثار
مجاوره ، وهذا لا بمعنى انتقال أعراض ذلك النجس إليه حتى يدفع
باستحالته ، بل بمعنى تأهل الشيء لأن يعرض عليه مثل ذلك العرض من الابتداء
كما عرض على النجس ، وهذا كما إذا جعلنا مقداراً قليلاً من الميتة في حب من
الماء فان الماء يكتسب بذلك رائحة الجيفة إذا مضى عليه زمان ، ولا يحتمل أن
يكون ذلك مستنداً إلى انتقال أجزاء الجيفة إلى الماء ، حيث إن الجيفة لقلتها
لا يمكن أن تنتشر في تلك الكمية من الماء ، فليس ذلك إلاّ من جهة تأهل
الماء بالمجاورة لعروض الرائحة عليه من الابتداء ، ويمكن مشاهدة ما ادعيناه
بالعيان فيما إذا ألقينا كمية قليلة من اللبن على أكثر منها من الحليب ،
لأنها يقلبه لبناً لا محالة من دون أن يكون ذلك مستنداً إلى انتشار الأجزاء
اللبنية في الحليب ، فلا وجه له سوى التأهل بالمجاورة .
(1)
وتفصيل الكلام في هذه المسألة يقع في صور ثلاث :
الاُولى :
ما إذا تغيّر الماء بأوصاف عين النجس في الغسلة المتعقبة بطهارة المحل .
الثانية :
الصورة مع حصول التغيّر في غير الغسلة المتعقبة بالطهارة .
الثالثة :
ما إذا تغيّر الماء بأوصاف المتنجِّس بلا فرق في ذلك بين الغسلة المتعقبة بالطهارة
وغيرها .
أمّا
الصورة الاُولى : فلا مناص فيها من اشتراط عدم
تغيّر الماء في التطهير به وفاقاً للماتن (قدس سره) ، وذلك لاطلاق ما دلّ على
نجاسة الماء المتغيّر بأوصاف النجس ولا موجب لرفع اليد عن إطلاقه ، ومع الحكم
بتقذره لا يمكن الحكم بطهارة المتنجِّس المغسول به .
وتوضيح
ذلك : أن الغسالة غير المتغيرة بالنجس وإن التزمنا فيها بتخصيص أدلة
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لا يشترط عدم تغيره بأوصاف المتنجِّس
بالاستعمال ، بل ولا بأوصاف النجس أيضاً في غير الغسلة المتعقبة بطهارة
المحل .
انفعال الماء القليل بالملاقاة على جميع الأقوال
المذكورة في الغسالة ، حيث إنّا سواء قلنا بطهارتها مطلقاً أم قلنا بنجاستها
بالانفصال عن المحل أو قلنا بنجاستها مطلقاً ، غير أن خروج المقدار المتعارف
منها مطهّر للأجزاء المتخلفة في المحل نظير الدم المتخلف في الذبيحة ، حيث إن
خروج المقدار المتعارف منه بالذبح موجب لطهارة الأجزاء المتخلفة منه في
الذبيحة ، لا بدّ من أن نلتزم بتخصيص أدلة انفعال الماء القليل
بالملاقاة إما مطلقاً أو ما دام في المحل أو بعد خروج المقدار المتعارف من
الغسالة ، لوضوح أنه لولا ذلك لم يمكن الحكم بطهارة شيء من المتنجسات بالغسل
وبه ينسد باب التطهير بالمياه وهو على خلاف الضرورة والاجماع القطعي بين
المسلمين . وأما الأدلّة القائمة على نجاسة الماء المتغيّر بأوصاف النجس فلا
نرى ملزماً لتخصيصها بوجه وليست هناك ضرورة تدعو إليه ولا تترتب على القول بنجاسة
الماء المتغيّر مطلقاً أيّ مفسدة ومعه لا بدّ من الالتزام بعدم حصول الطهارة
إلاّ بالماء غير المتغيّر بالنجس . نعم يستلزم ذلك القول بتخصيص أدلة انفعال
الماء القليل وهو مما نلتزمه كما عرفت ، هذا .
وقد
يُقال : لا مانع من التزام حصول الطهارة
بالماء المتغيّر بالاستعمال دون المتغيّر قبل الغسل به واستعماله ، تمسكاً
باطلاقات الأدلّة الآمرة بالغسل كما في صحيحة محمّد ابن مسلم «اغسله في المِركَن
مرّتين فان غسلته في ماء جار فمرة واحدة» (1)
وغيرها ،
لأنّ إطلاقها يشمل ما إذا تغيّر الماء بغسله واستعماله ، وبهذا نلتزم بتخصيص
ما دلّ على نجاسة الماء المتغيّر وحصول الطهارة بالماء المتغيّر بالاستعمال ،
أو أ نّا نتحفّظ بإطلاق ما دلّ على نجاسة الماء المتغيّر وما دلّ على كفاية
الغسل في تطهير المتنجسات ، فنلتزم بزوال النجاسة السابقة الموجودة في
المتنجِّس ـ حسب إطلاق ما دلّ على حصول الطهارة بالغسل ـ كما نلتزم
بتنجسه ثانياً من جهة ملاقاته الماء المتغيِّر ـ لإطلاق ما دلّ على نجاسة الماء
المتغيِّر بالنجس ـ وهاتان دعويان لا يمكن المساعدة على شيء منهما .
أمّا
بالاضافة إلى الدعوى المتقدِّمة فلأن النسبة بين إطلاقات ما دلّ على حصول
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 3 : 397 / أبواب النجاسات ب 2 ح 1 .
الطهارة بالغسل وبين إطلاق ما دلّ على نجاسة الماء
المتغيّر عموم من وجه ، لأن الاُولى مطلقة من حيث حصول التغيّر بالغسل وعدمه
والثاني أعم من حيث استناد التغيّر إلى نفس استعمال الماء أو إلى أمر سابق
عليه ، ومع التعارض في مورد الاجتماع ـ وهو الماء المتغيّر
بالاستعمال ـ يتساقطان فلا بد من الرجوع إلى أحد أمرين : إما
العموم الفوق كما دلّ على عدم جواز الصلاة في الثوب المتنجِّس ، فانّه إرشاد
إلى نجاسته ومقتضى تلك الاطلاقات أن النجاسة تبقى في أيّ متنجس إلى الأبد إلاّ أن
يطرأ عليه مزيل شرعي كالغسـل بالماء غير المتـغيّر وهذا هو المسـتفاد من قوله
(عليه السلام) في موثقة عمار «فاذا علمت فقد قذر» (1)
ولا
يكفي الغسل بالماء المتغيّر لأجل الشك في مطهريته ومقتضى الاطلاق بقاء النجاسة ما
لم يقطع بارتفاعها ، وأما استصحاب النجاسة ـ مع الغض عن الاطلاق ـ فهو يبتني
على القول بجريان الاستصحاب في الأحكام ، وحيث إنّا لا نقول به وقد عرفت
تمامية الاطلاقات الفوق فلا مناص من اشتراط عدم انفعال الماء ولو
بالاستعمال .
وأما
بالاضافة إلى الدعوى الثانية أعني التحفظ على كلا الاطلاقين : فلأن ظاهر
ما دلّ على طهارة المتنجِّس بالغسل أن ذلك سبب لحصول الطهارة
بالفعل ، والطهارة الفعلية لا تجتمع مع الحكم بنجاسة الماء بغسله من جهة
ملاقاته مع الماء المتغيّر وهو نجس ، هذا كله في الصورة الاُولى .
وأمّا
الصورة الثانية : وهي ما إذا تغيّر الماء بأوصاف
النجس في الغسلة غير المتعقبة بطهارة المحل ، فلا نلتزم فيها بالاشتراط
فتغيّر الماء حين استعماله كعدمه ، اللّهمّ إلاّ أن يكون هناك إجماع تعبدي
على اعتبار عدم تغيّر الماء حتى في الغسلة الاُولى أعني ما لا يتعقبه طهارة
المحل ، أو ادعي انصراف أدلة المطهرية عن الغسل بالماء المتغيّر ، إلاّ
أن قيام الاجماع التعبدي في المسألة مما لا نظنّه ولا نحتمله ، ودعوى
الانصراف لو تمّت فانّما تتم في الغسلة المتعقبة بالطهارة بأن يقال : إنّ
ظاهر الغسل المأمور به هو الذي تتعقبه طهارة المحل بالفعل فلا يشمل الغسل غير
المتعقب بالطهارة كذلك . وأمّا الغسلة غير المتعقبة بالطهارة كما في محل
الكلام فلا معنى لدعوى انصراف
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 3 : 467 / أبواب النجاسات ب 37 ح
4 .
ومنها :
طهارة الماء (1) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المطهرية عنها كما لعلّه ظاهر . على أن التغيّر
في الغسلة الاُولى أمر غالبي كما في الغسلة الاُولى فيما أصابه بول كثير أو دم
كذلك ـ فيما إذا قلنا بلزوم التعدّد في مثله ـ فدعوى الانصراف ساقطة وإطلاقات أدلة
الغسل هي المحكمة ، ومقتضاها عدم الفرق في الغسلة غير المتعقبة بطهارة المحل
بين تغيّر الماء باستعماله وعدمه .
وأمّا
الصورة الثالثة أعني ما إذا استند التغيّر إلى
المتنجِّس لا إلى عين النجس : فاشتراط عدم التغيّر بذلك يبتني على ما أسلفناه
في محلِّه(1)
من أن المتغيّر بالمتنجِّس كالمتغيّر بأوصاف النجس في
الحكم بنجاسته أو أن التغيّر بالمتنجس مما لا أثر له ؟ وقد عرفت في محلّه أن
المتعيّن عدم نجاسته لأنه المستفاد من الأخبار ولو بملاحظة القرائن المحتفّة بها
كقوله (عليه السلام) في صحيحة ابن بزيع «حتى يذهب الريح ويطيب طعمه» (2)
على
التفصيل المتقدِّم هناك ، وعليه لا أثر لتغيّر الماء بأوصاف المتنجِّس
ما دام لم ينقلب مضافاً بلا فرق في ذلك بين الغسلة المتعقبة بالطهارة
وغيرها ، وكلام الماتن وإن كان مطلقاً في المقام إلاّ أنه صرح في محله بعدم
نجاسة المتغيِّر بأوصاف المتنجِّس فليلاحظ .
(1)
لأنّ الطهارة الحاصلة للأشياء المتنجسة بغسلها حسبما هو المرتكز لدى العرف ،
مترتبة على الماء الطهور وهو ما كان طاهراً في نفسه ومطهراً لغيره . ويمكن
الاستدلال عليه بجملة من الروايات الواردة في موارد خاصة كالأمر بصب ماء الاناء
إذا ولغ الكلب فيه (3)
والأمر باهراق الماءين المشتبهين
إذا وقع في أحدهما قذر وهو لا يدري أ يّهما (4)
إلى
غير ذلك من الأخبار ، حيث إن الماء المتنجِّس لو جاز غسل
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) شرح العروة 2 : 62 .
(2) الوسائل 1 : 172 / أبواب الماء المطلق ب 14 ح
6 .
(3) كما في صحيحة البقباق وغيرها المروية في الوسائل
1 : 226 / أبواب الأسآر ب 1 ح 4 ، 3 : 415 / أبواب
النجاسات ب 12 ح 2 .
(4) كما في موثقة سماعة المروية في الوسائل 1 : 151 /
أبواب الماء المطلق ب 8 ح 2 ، 169 / أبواب الماء المطلق ب 12 ح 1 .
ولو في ظاهر الشرع (1) .
ومنها : إطلاقه بمعنى عدم خروجه عن الاطلاق في أثناء الاستعمال(2).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المتنجِّس به أو كان تترتب عليه فائدة اُخرى مما يجوز
استيفاؤه لم يكن للأمر بصبه وإهراقه وجه صحيح ، فالأمر باهراقه أو بصبه كناية
عن عدم قابليته للاستعمال .
ويؤيده
الأخبار المانعة عن التوضؤ من الماء الذي تدخل فيه الدجاجة أو الحمامة وأشباههما
وقد وطئت العذرة (1)
أو الذي قطرت فيه قطرة من دم
الرّعاف(2)
والناهية عن الشرب والتوضؤ مما وقع فيه دم(3)
أو
ممّا شرب منه الطير الذي ترى في منقاره دماً أو الدجاجة التي في منقارها قذر(4)
لأن
الشرب والتوضؤ مثالان لمطلق الانتفاعات المشروعة والمتعارفة فتشمل مثل الغَسل
والغُسل . وحيث إنّا نقطع بعدم الفرق بين تلك النجاسات الواردة في الأخبار
وبين غيرها من أفرادها ، كما لا فرق بين مثل الشرب والتوضؤ وغيرهما من
الانتفاعات والتصرفات المشروعة والمتعارفة ، فلا مناص من اشتراط الطهارة في
الماء .
(1)
كما إذا أثبتنا طهارته بالاستصحاب أو بقاعدة الطهارة في قبال إحراز أن الماء طاهر
واقعاً ، فلا فرق بين الطهارتين في المقام سوى أن الاُولى طهارة ظاهرية
والثانية واقعية .
(2)
لعدم مطهرية المضاف وغيره من أقسام المائعات ، فلا مناص من اشتراط بقاء
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كما في صحيحة علي بن جعفر المروية في الوسائل 1 :
155 / أبواب الماء المطلق ب 8 ح 13 ، 159 / أبواب الماء المطلق ب 9 ح
4 .
(2) كما في الصحيحة الاُخرى لعلي بن جعفر (عليه
السلام) الوسائل 1 : 150 / أبواب الماء المطلق ب 8 ح 1 ، 169 /
أبواب الماء المطلق ب 13 ح 1 .
(3) راجع حديث سعيد الأعرج المروي في الوسائل 1: 153
/ أبواب الماء المطلق ب 8 ح 8، 169 / أبواب الماء المطلق ب 13ح 2.
(4) راجع موثقة عمار المروية في الوسائل 1 : 231 /
أبوا الأسآر ب 4 ح 3 .
وأمّا الثاني : فالتعدّد في بعض المتنجسات كالمتنجِّس بالبول ((1)) وكالظروف (1)