|
|
|
الرواية مجملة ويرجع في غير صورة العلم بنجاسة الدم
الموجود في منقار الطيور إلى أصالة الطهارة .
فيندفع
بقيام القرينة على تعيّن الأخذ باطلاق صدر الموثقة وهي ما أشرنا إليه آنفاً من أن
تخصيصها بصورة العلم حمل للرواية على المورد النادر ، لأن العلم بنجاسة ما في
منقار الطيور قليل الاتفاق غايته وعليه فالأصل في الدماء هو النجاسة .
هذا
غاية ما يمكن أن يقال في تقريب الدعوى المتقدمة إلاّ أنه
مما لا يمكن المساعدة عليه ، لأن صدر الموثقة وإن دلّ على أن الأصل الأولي هو
النجاسة في الدماء إلاّ أنه في خصوص موردها وهو منقار الطيور لا في جميع
الموارد ، وسرّه أن الموثقة قد دلت باطلاقها على نجاسة كل دم في نفسه ،
وقد خرجنا عن هذا الاطلاق بما دلّ على طهارة بعض الدماء ومنه ما تخلف في الذبيحة
بعد الذبح ، كما دلت باطلاقها على عدم جواز الشرب أو الوضوء من الماء الذي
شرب منه الطير وفي منقاره دم وإن احتمل أنه من الدم الطاهر ، فاذا شك في دم
أنه من المتخلف أو من غيره لم يمكن التمسك باطلاقها ، لأنه من التمسك بالمطلق
في الشبهات المصداقية وهو ممنوع كما قررناه في محلّه .
وأمّا
إذا شكّ في نجاسة ما في منقار الطير من الدم فلا مانع فيه من التمسّك باطلاقها
والحكم بنجاسته ، لما مرّ من أن تخصيصها بصورة العلم غير ممكن لاستلزامه حمل
الرواية على المورد النادر ، فكأن الشارع جعل الغلبة أمارة على النجاسة في
مورد الموثقة تقديماً للظاهر على الأصل ، لأنّ الغالب في جوارح الطيور مساورة
الجيف وعليه فلا أصل لأصالة النجاسة في غير مورد الموثقة ، فلو شككنا في
طهارة دم ونجاسته فلا مناص من الحكم بطهارته بمقتضى قاعدة الطهارة . وأمّا
إذا شككنا في نجاسته من ناحية عدم خروج المقدار المتعارف من الدم بالذبح فلا مناص
من الحكم بنجاسته لاستصحاب عدم خروجه كذلك ، فان مدرك طهارة الدم المتخلف
إنما هو السيرة ولا ريب في ثبوتها فيما أحرز خروج المقدار المتعارف من
الدم ، وأمّا ثبوتها عند الشك في ذلك فغير محرز ومعه يرجع إلى عموم ما دلّ
على نجاسة الدم .
بالاستصحاب وإن كان لا يخلو عن إشكال ((1)) .
ويحتمل التفصيل بين ما إذا كان الشك من جهة احتمال رد النفس فيحكم بالطهارة لأصالة
عدم الرد ، وبين ما كان لأجل احتمال كون رأسه على علوّ فيحكم بالنجاسة ،
عملاً بأصالة عدم خروج المقدار المتعارف .
[ 191 ]
مسألة 8 : إذا خرج من الجرح أو الدّمل شيء أصفر يشك في أنه دم أم لا محكوم
بالطهارة وكذا إذا شك من جهة الظلمة أنه دم أم قيح (1)
ولا يجب عليه الاستعلام (2) .
[ 192 ]
مسألة 9 : إذا حك جسده فخرجت رطوبة يشك في أنها دم أو ماء أصفر يحكم عليها
بالطهارة (3) .
[ 193 ]
مسألة 10 : الماء الأصفر الذي ينجمد على الجرح عند البرء طاهر (4)
إلاّ إذا علم كونه دماً أو مخلوطاً به ،
فانه نجس (5)
إلاّ إذا استحال جلداً (6) .
[ 194 ]
مسألة 11 : الدم المراق في الأمراق حال غليانها نجس منجّس وإن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)
لأصالة الطهارة أو لاستصحاب عدم كونه دماً ، وكذا الحال فيما إذا شك من جهة
الظلمة أ نّه دم أم قيح .
(2)
لعدم وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية وان أمكن بسهولة .
(3)
لأصالة الطهارة أو أصالة عدم كونه دماً ، لأنّ الأصل يجري في الأعدام الأزلية
كما يجري في غيرها .
(4)
إمّا للأصل الموضوعي وهو أصالة عدم كونه دماً ، أو لأصالة الطهارة .
(5)
وإن كان منجمداً لأنّ الانجماد ليس من أحد المطهرات .
(6)
فيحكم بطهارته لتبدّل الموضوع بالاستحالة كما يأتي في محلّه .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أظهره الحكم بالنجاسة فيما إذا كان الشك ناشئاً
من الشك في خروج الدم بالمقدار المعتاد .
كان قليلاً مستهلكاً ، والقول بطهارته بالنار
لرواية ضعيفة ، ضعيف (1) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)
هذه المسألة أجنبية عما نحن بصدده وهو نجاسة الدم ، وكان من حقها أن تؤخر إلى
بحث المطهرات ويتكلم هناك في أن النار هل هي مطهرة للدم كما ذهب إليه بعض
الأصحاب ، ولكنّا نتعرض لها في المقام على وجه الاختصار تبعاً للماتن (قدس
سره) فقد ادعى بعضهم أن النار من جملة المطهرات ، وما يمكن أن يستدل به على
مطهريتها جملة من الأخبار :
منها :
مرسلة ابن أبي عمير عن الصادق (عليه السلام) «في عجين عجن وخبز ثم علم أنّ الماء
كانت فيه ميتة ، قال : لا بأس ، أكلت النار ما فيه» (1)
.
وفيه
أوّلاً : أن الرواية مرسلة ، ودعوى أن
مراسيل ابن أبي عمير كمسانيده مندفعة بما مرّ غير مرّة من أ نّه لا اعتبار
بالمراسيل مطلقاً كان مرسلها ابن أبي عمير ونظراءه أم غيره .
وثانياً :
أنّ الظاهر من جوابه (عليه السلام) «لا بأس أكلت النار ما فيه» أن السؤال في
الرواية لم يكن عن مطهرية النار وعدمها وإلاّ لكان المتعين أن يجيب (عليه السلام)
بأن النار مطهرة أو ليست بمطهرة كما أجاب بذلك في صحيحة الحسن بن محبوب قال :
«سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الجص يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى ثم يجصّص
به المسجد أيسجد عليه ؟ فكتب إليَّ بخطّه : أنّ الماء والنار قد طهّراه»(2)
،
بل الظاهر أنّ السؤال فيها إنما هو عن حلية الخبز وحرمته نظراً إلى اشتمال
ماء العجين على الأجزاء الدقيقة من الميتة لأنه المناسب لقوله : «لا بأس أكلت
النار ما فيه» وعلى هذا لا مناص من حمل الميتة على ميتة ما لا نفس له
لطهارتها .
ومنها :
ما عن أحمد بن محمد بن عبدالله بن زبير عن جده قال : «سألت أبا عبدالله (عليه
السلام) عن البئر تقع فيها الفأرة أو غيرها من الدواب فتموت فيعجن من مائها
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 1 : 175 / أبواب الماء المطلق ب 14 ح
18 .
(2) الوسائل 3 : 527 / أبواب النجاسات ب 81 ح
1 .
أيؤكل ذلك الخبز ؟ قال : إذا أصابته النار
فلا بأس بأكله» (1)
، وهذه الرواية مضافاً إلى ضعف سندها ولو من جهة أحمد
بن محمد بن عبدالله بن زبير حيث إن الرجل لم يوجد له ذكر في الرجال بل قد نص
بجهالته فليراجع (2)
قاصرة الدلالة على المقصود ،
لأنّ الاستدلال بها على مطهرية النار يتوقف على القول بانفعال ماء البئر بملاقاة
النجس ، وقد قدمنا في محله أن ماء البئر معتصم بمادته واستدللنا على ذلك بعدة
من الأخبار فلتكن منها هذه الرواية ، وعليه فالغرض من نفي البأس عن أكله
معلقاً بإصابة النار للخبز إنما هو دفع الاستقذار المتوهم في الماء نظراً إلى
ملاقاته الميتة . فكأنّ إصابة النار تذهب بالتوهّم المذكور .
ومنها :
ما رواه الكليني والشيخ عن زكريا بن آدم قال : «سألت أبا الحسن (عليه السلام)
عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير ومرق كثير ، قال :
يهراق المرق أو يطعمه أهل الذمة أو الكلب ، واللّحم اغسله وكله ،
قلت : فانه قطر فيه الدم ، قال : الدم تأكله النار إن شاء
الله ...» (3)
وفيها مع ضعف سندها بابن المبارك أن قوله :
«الدم تأكله النار» إنما يناسب السؤال عن حلية أكل الدم الواقع في المرق ،
ومن هنا أجاب (عليه السلام) عن حكم الدم ولم يجب عن طهارة المرق ونجاسته ، إذ
لو كان السؤال عن طهارته بالنار وعدمها لكان المتعين أن يجيب بأن النار مطهّرة أو
ليست بمطهّرة كما قدّمناه في الجواب عن الرواية الاُولى ، ومعه لا مناص من
حمل الدم على الدم الطاهر وانّه وإن كان يحرم أكله ، إلاّ أنه لا مانع من أكل
المرق واللحم إذا انعدم الدم الموجود فيهما بالنار أو استهلك في ضمنهما .
وكيف كان فلا دلالة للرواية على أن الدم الواقع في المرق كان من القسم النجس ولا
على مطهرية النار بوجه .
ومنها :
ما عن سعيد الأعرج قال : «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن قدر فيها
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 1 : 175 / أبواب الماء المطلق ب 14 ح
17 .
(2) راجع تنقيح المقال 1 : 88 .
(3) الكافي 6 : 422 ح 1 . التهذيب 1 : 279 /
820 . الوسائل 3 : 470 / أبواب النجاسات ب 38 ح 8 .
[ 195 ]
مسألة 12 : إذا غرز إبرة أو أدخل سكيناً في بدنه أو بدن حيوان ، فان لم
يعلم ملاقاته للدم في الباطن فطاهر (1)
وإن علم ملاقاته ، لكنه خرج نظيفاً فالأحوط الاجتناب عنه ((1))
(2) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جزور
وقع فيها قدر أوقية من دم أيؤكل ؟ قال : نعم فان النار تأكل الدم» (2)
.
ومنها :
ما عن علي بن جعفر في كتابه عن أخيه قال : «سألته عن قدر فيها ألف رطل ماء
يطبخ فيها لحم وقع فيها أوقية دم هل يصلح أكله ؟ فقال : إذا طبخ فكل
فلا بأس» (3)
.
ويتوجّه
على هاتين الروايتين ما أوردناه على الأخبار المتقدِّمة من أنّ السؤال والجواب
فيهما ناظران إلى حلية الدم المذكور وحرمته لا إلى طهارة الدم بالنار . ومع
الاغماض عن ذلك كله وفرض أن الأخبار المتقدمة ناظرة إلى كل من النجاسة والحرمة تقع
المعارضة بينها وبين ما دلّ على عدم جواز التوضؤ بالماء الذي قطرت فيه قطرة من
الدم مطلقاً سواء طبخ أم لم يطبخ ، وهو صحيحة علي بن جعفر عن أخيه قال :
«وسألته عن رجل رعف وهو يتوضأ فتقطر قطرة في إنائه هل يصلح الوضوء منه ؟
قال : لا» (4)
فتتعارضان في الدم المطبوخ وبعد تساقطهما يرجع إلى
استصحاب نجاسة الماء قبل طبخ الدم . نعم ، هذا إنما يتم على مسلك من يرى
جريان الاستصحاب في الأحكام ، وأما على مسلكنا من عدم جريانه في الأحكام
الكلية الإلهية فلا مناص من الرجوع إلى قاعدة الطهارة بعد تساقطهما . والذي
يسهل الخطب عدم تمامية الأخبار المتقدمة كما مر .
(1)
لأصالة عدم الملاقاة للدم .
(2)
ولعلّ وجهه شمول ما دلّ على نجاسة الدم للدم الداخلي وقد عرفت منعه وأنه
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وإن كان الأظهر طهارته كما مرّ .
(2) ، (3) الوسائل 24 : 197 / أبواب الأطعمة المحرمة
ب 44 ح 2 ، 3 .
(4) الوسائل 1 : 151 / أبواب الماء المطلق ب 8 ح
1 ، وص 161 ب 13 ح 1 .
[ 196 ]
مسألة 13 : إذا استهلك الدم الخارج من بين الأسنان في ماء الفم فالظاهر
طهارته بل جواز بلعه (1) .
نعم ، لو دخل من الخارج دم في الفم فاستهلك فالأحوط الاجتناب عنه ((1))
(2) والأولى
غسل الفم بالمضمضة أو نحوها .
[ 197 ]
مسألة 14 : الدم المنجمد تحت الأظفار أو تحت الجلد من البدن إن لم يستحل وصدق
عليه الدم نجس ، فلو انخرق الجلد ووصل الماء إليه تنجس ،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا دليل على نجاسته فلا اشكال في طهارة الابرة أو
السكين في مفروض المسألة ، بل الحال كذلك ولو قلنا بنجاسة الدم وهو في
الباطن ، فان المقام حينئذ من موارد ما إذا كان الملاقى من النجاسات الداخلية
الباطنية ولا دليل على نجاسة الملاقي حينئذ كما قدّمنا تفصيله في مثل شيشة
الاحتقان(2)
، فليراجع .
(1)
لما ذكرناه في المسألة الاُولى من أحكام البول والغائط من أنه لا دليل على نجاسة
الدم والبول وغيرهما من النجاسات في الجوف فلا يحكم بنجاسة ماء الفم بملاقاة الدم
الخارج من بين الاسنان . نعم ، يحرم أكل الدم وإن لم يحكم بنجاسته لكنّه
إذا استهلك كما هو المفروض لم يبق ما يقتضي حرمة البلع لانتفاء موضوعها .
(2)
وكأ نّه (قدس سره) يريد بذلك التفـرقة بين النجاسـة الداخلية والخارجية
بالحكم بطهارة ماء الفم بملاقاة الاُولى دون الثانية إلاّ أن التفصـيل بينهما في
غير محله لما ذكرناه في المسألة الاُولى من أحكام البول والغائط من أنه لا دليل
على تنجس الأجزاء الداخلية بملاقاة شيء من النجاسات الداخلية والخارجية ،
ويدل عليه ما رواه عبدالحميـد بن أبي الديلـم قال «قلت لأبي عبدالله
(عليه السلام) : رجل يشرب الخمر فيبصق فأصاب ثوبي من بصاقه ؟ قال :
ليس بشيء» (3)
.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لا بأس بتركه .
(2) في المسألة
[ 161 ] .
(3) الوسائل 3 : 473 / أبواب النجاسات ب 39 ح
1 .
ويشكل معه الوضوء أو الغسل ، فيجب إخراجه إن لم
يكن حرج (1)
ومعه يجب أن يجعل عليه شيئاً مثل الجبيرة فيتوضأ أو يغتسل ((1)) (2) .
هذا إذا علم أ نّه دم منجمد ، وإن احتمل كونه لحماً صار كالدم من جهة
الرض ـ كما يكون كذلك غالباً ((2)) (3)
ـ فهو طاهر .
السادس
والسابع : الكلب والخنزير البريان (4) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)
لوضوح أن الانجماد ليس من أحد المطهرات . نعم ، إذا لم يعلم أنه دم أو
كان ولكنه استحال لحماً فلا إشكال في طهارته للاستحالة .
(2)
بل يجب عليه التيمم حينئذ كما يأتي في محلّه (3)
.
(3)
بل الغالب أن السواد المترائى تحت الجلد إنما هو من جهة انجماد الدم تحته وكونه من
اللحم المرضوض نادر جداً .
(4)
أما الكلب فلا إشكال في نجاسته عند الامامية في الجملة ، والأخبار في نجاسته
مسـتفيضة بل متواترة وقد دلّت عليها بألسنة مختلفة ففي بعضها : «إن الكلب رجس
نجس» (4)
وفي آخر : «ان الله لم يخلق خلقاً أنجس من
الكلب»(5)
وفي ثالث : «لا والله إنّه نجس لا والله إنه
نجس»(6)
وفي رابـع : «إن أصـاب ثوبك من الكلـب رطـوبة
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) فيه إشكال ، والأظهر أن وظيفته التيمم ،
ولا يكون المقام من موارد الوضوء أو الغسل مع الجبيرة كما يأتي .
(2) كون الغالب كذلك غير معلوم .
(3) في المجلد السادس من شرح العروة في أحكام
الجبائر .
(4) كما في صحيحة أبي العباس المروية في الوسائل 1 :
226 / أبواب الأسآر ب 1 ح 4 وكذا في 3 : 413 / أبواب النجاسات ب 11 ح 1 ، 415
ب 12 ح 2 ، 516 ب 70 ح 1 .
(5) كما ورد في موثقة ابن أبي يعفور المروية في
الوسائل 1 : 220 / أبواب الماء المضاف ب 11 ح 5 .
(6) كما في رواية معاوية بن شريح المروية في الوسائل
1 : 226 / أبواب الأسآر ب 1 ح 6 وكذا في 3 : 416 / أبواب النجاسات ب 12 ح 6 .
فاغسله»(1)
وفي
خامس : «سألته عن الكلب يشرب من الاناء قال : إغسل الاناء»(2)
إلى
غير ذلك من النصوص .
وفي
قبالها ما يدل بظاهره على طهارة الكلب ولأجله قد يتوهم حمل الأخبار المتقدِّمة على
التنزّه والاستحباب منها : صحيحـة ابن مسكان عن أبي عبدالله (عليه السلام)
قال : «سألته عن الوضوء مما ولغ الكلب فيه والسنور أو شرب منه جمل أو دابّة
أو غير ذلك أيتوضّأ منه أو يغتسل ؟ قال : نعم إلاّ أن تجد غيره فتنزّه
عنه»(3)
وقد حملها الشيخ (4)
على ما إذا كان الماء بالغاً قدر كر
مستشهداً له برواية أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) في حديث «ولا تشرب من سؤر
الكلب إلاّ أن يكون حوضاً كبيراً يستقى منه» (5)
ونفى
المحقق الهمداني (قدس سره) البعد عن حملها عليه ، لقوة احتمال ورودها في مياه
الغدران التي تزيد عن الكر غالباً (6)
.
والتحقيق
أ نّه لا مناص من تقييد إطلاق صحيحة ابن مسكان بما دلّ على انفعال الماء
القليل بملاقاة الكلب التي منها رواية أبي بصير المتقدمة وذلك لأن النسبة بينهما
هي العموم المطلق ، فان الصحيحة دلت على طهارة الماء الذي باشره الكلب مطلقاً
قليلاً كان أم كثير ، والأخبار المتقدمة قد دلت على انفعال الماء القليل
بملاقاة الكلب وعليه فمقتضى الصناعة العلمية وقانون الاطلاق والتقييد حمل الصحيحة
على ما إذا كان الماء بالغاً قدر كر فهو جمع دلالي وليس من الجمع التبرّعي في شيء
كما يظهر من كلام الشيخ وغيره .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ورد في صحيحة أبي العباس المروية في الوسائل 1 :
225 / أبواب الأسآر ب 1 ح 1 وكذا في 3 : 414 / أبواب النجاسات ب 12 ح 1 .
(2) ورد في صحيحة محمد بن مسلم المروية في الوسائل 1
: 225 / أبواب الأسآر ب 1 ح 2 ، 227 ب 2 ح 3 .
(3) الوسائل 1 : 228 / أبواب الأسآر ب 2 ح 6 .
(4) راجع التهذيب 1 : 226 / ذيل الحديث 649 .
(5) الوسائل 1 : 226 / أبواب الأسآر ب 1 ح 7 .
(6) مصباح الفقيه (الطهارة) : 544 السطر
36 .
ثم
لو سلمنا أنّ الصحيحة واردة في خصوص القليل فغاية ما يستفاد منها عدم انفعال الماء
القليل بالملاقاة، وهي إذن من الأدلة الدالة على اعتصام الماء القليل وقد عرفت
الجـواب عنها في محلّها(1)
، ولا تنافي بينها وبين الأخـبار
الدالة على نجاسـة الكلب بوجه .
هذا
وقد نسب إلى الصدوق (قدس سره) القول بطهارة كلب الصيد حيث حكي عنه : أنّ من
أصاب ثوبه كلب جاف فعليه أن يرشه بالماء ، وإن كان رطباً فعليه أن
يغسله ، وإن كان كلب صيد فان كان جافاً فليس عليه شيء وإن كان رطباً فعليه أن
يرشه بالماء (2)
.
وتدفعه
النصوص المتقدِّمة الظاهرة في نجاسة الكلب على وجه الاطلاق مضافاً إلى حسنة محمد
بن مسلم قال : «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الكلب السلوقي قال :
إذا مسسته فاغسل يدك»(3)
فانّها ظاهرة في نجاسة الكلب السلوقي بخصوصه .
هذا
كلّه في الكلب ، وأما الخنزير فنجاسته أيضاً مورد التسالم بين الأصحاب ،
وتدل عليها صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال : «سألته عن
الرجل يصيب ثوبه خنزير فلم يغسله فذكر وهو في صلاته كيف يصنع به ؟ قال :
إن كان دخل في صلاته فليمض ، وإن لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما أصاب من
ثوبه ، إلاّ ان يكون فيه أثر فيغسله ، قال : وسألته عن خنزير يشرب
من إناء كيف يصنع به ؟ قال : يغسل سبع مرات» (4)
وغـيرها
من الأخـبار . وأما ما في بعض الروايات مما ظاهره طهارة شعر الخنزير أو جلده
فيأتي الجواب عنه عن قريب إن شاء الله .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع شرح العروة 2 : 120 .
(2) راجع الجواهر 5 : 367 .
(3) الوسائل 1 : 274 / أبواب نواقض الوضوء ب 11 ح
1 ، وكذا في 3 : 416 / أبواب النجاسات ب 12 ح 9 .
(4) الوسائل 3 : 417 / أبواب النجاسات ب 13 ح
1 ، وورد قطعة منها في 1 : 225 / أبواب الأسآر ب 1 ح 2 .
دون البحري منهما (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)
قد ذهب المشهور إلى طهارة الكلب والخنزير البحريين وخالفهم في ذلك الحلي
(قدس سره) والتزم بنجاسة البحري منهما أيضاً بدعوى صدق عنوانهما على البحريين
كالبريين (1)
، إلاّ أن ما ذهب إليه المشهور هو الصحيح وذلك لأن
الكلب والخنزير البحريين إن كانا خارجين عن حقيقتهما واقعاً ، وقد سمّيا بهما
لمشابهتهما للبريين في بعض الجهات والآثار كما هو الظاهر ، لوضوح أن البحر لا
يوجد فيه ما يكون كلباً أو خنزيراً حقيقة ، فلو وجد فانما يوجد
فيه ما هو من أقسام السمك ، وقد يعبّر عنه بأحد أسماء الحيوانات البرية لمجرد
مشابهته إياها في رأسه أو بدنه أو في غيرهما من أجزائه وآثاره ، ومنه إنسان
البحر كما يقولون أو بقر البحر كما شاهدناه ، فانه من الأسماك من غير أن يكون
بقراً حقيقة وإنما سمي به لضخامته وكبر رأسه ، ومن هذا الباب إطلاق الأسد على
العنكبوت حيث يقال له أسد الذباب ، لأنه يفترس الذباب كما يفترس الأسد سائر
الحيوانات ، وكذا إطلاقه على التمساح فيقال : إنه أسد البحر لأ نّه
أشجع الحيوانات البحرية كما أنّ الأسد كذلك في البر ، فلا إشكال في طهارتهما
لأ نّهما من الأسماك وخارجان عن الكلب والخنزير حقيقة ، وإنما سمّيا
بهما مجازاً فلا موجب للحكم بنجاستهما بوجه .
وأما
إذا قلنا إنهما من الكلب والخنزير حقيقة ، ولكن البحري منهما طبيعة اُخرى
مغايرة لطبيعة الكلب أو الخنزير البريين ، بأن يكون لفظ الكلب أو الخنزير
مشتركاً لفظياً بين البحري والبري منهما حتى يكون إطلاقه على كل منهما
حقيقة ، فأيضاً لا يمكننا الحكم بنجاستهما وذلك لأنا وإن صححنا استعمال
اللفظ المشترك في أكثر من معنى واحد في محلّه(2)
إلاّ
أنه يتوقف على قيام قرينة تدل على ذلك لا محالة ، وبما أنه لم تقم قرينة على
إرادة ذلك من الكلب والخنزير الواردين في أدلة نجاستهما فلا يمكننا الحكم بإرادة
الأعم من البريين والبحريين فيختص الحكم بالأولين ، للقطع بارادتهما
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) السرائر 2 : 220 .
(2) محاضرات في اُصول الفقه 1 : 208 .