|
|
|
الخامس :
الدم من كل ما له نفس سائلة إنساناً أو غيره ، كبيراً أو
صغيراً (1) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نجاسة
الدّم
(1)
نجاسة الدم من المسائل المتسالم عليها عند المسلمين في الجملة ، بل قيل إنها
من ضروريات الدين ، ولم يخالف فيها أحد من الفريقين وإن وقع الكلام في بعض
خصوصياته كما يأتي عليها الكلام . وليس الوجه في نجاسته قوله عزّ من
قائل :
(قل لا أجد فيما اُوحي إليَّ
محرّماً على طاعم يطعمه إلاّ أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فانّه
رجس ) (1)
.
وذلك
أما أوّلاً : فلعدم رجوع الضمير في قوله «فانّه» إلى كل
واحد مما تقدّمه ، وإنما يرجع إلى خصوص الأخير ، أعني لحم
الخنزير .
وأمّا
ثانياً : فلأن الرجس ليس معناه هو النجس
وإنما معناه الخبيث والدني المعبّر عنه في الفارسـية بـ «پليد» لصحة
إطلاقه على الأفعـال الدنيئة كما في قوله تعالى :
(إنّما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من
عمل الشيطان)
(2)
. فإنّ الميسر من الأفعـال ولا
معـنى لنجاسـة الفعـل . بل الدليـل على نجاسـته في الجملة هو التسـالم
القطـعي والنصـوص الواردة في المسـألة كما تأتي ، فالتكلّم في أصل
نجاسـته ممّا لا حاجـة إليه . وحيث إنّ أكثر نصـوص المسألة قد وردت في موارد
خاصّـة كما
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الأنعام 6 : 145 .
(2) المائدة 5 : 90 .
في الدم الخارج عند حك البـدن(1)
وقلع
السن(2)
ونتف لحم الجرح(3)
ودم القـروح
والجروح(4)
ودم الحيض(5)
ودم
الرّعاف(6)
. وغير ذلك من الموارد الخاصة ، فالمهم أن
يتكلّم في أنه هل يوجد في شيء من أدلة نجاسته ما يقتضي بعمومه نجاسة كل
دم على الاطلاق حتى يتمسك به عند الشك في بعض أفراده ومصاديقه ، ويحتاج الحكم
بطهارته إلى دليل مخرج عنه ، أو أن الحكم بنجاسته يختص بالموارد المتقدمة
وغيرها ممّا نصّ على نجاسته ؟
والأوّل
هو الصحيح ويمكن أن يستدل عليه بوجهين :
أحدهما :
ارتكاز نجاسته في أذهان المسلمين على وجه الاطلاق من غير اختصاصه بعصر دون
عصر ، لتحققه حتى في عصرهم (عليهم السلام) والخلاف وإن
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كما ورد في رواية مثنى بن عبدالسلام عن الصادق
(عليه السلام) قال «قلت له : إنّي حككت جلدي فخرج منه دم ، فقال :
إن اجتمع قدر حمصة فاغسله وإلاّ فلا» الوسائل 3 : 430 / أبواب النجاسات ب 20 ح
5 .
(2) ، (3) علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) «عن
الرجل يتحرك بعض أسنانه وهو في الصلاة هل ينزعه ؟ قال : إن كان لا يدميه
فلينزعه وإن كان يدميه فلينصرف . وعن الرجل يكون به الثالول أو الجرح هل يصلح
له أن يقطع الثالول وهو في صلاته أو ينتف بعض لحمه من ذلك الجرح ويطرحه ؟
قال : إن لم يتخوّف أن يسيل الدم فلا بأس وإن تخوّف أن الدم يسيل فلا يفعله»
الوسائل 7 : 284 / أبواب قواطع الصلاة ب 27 ح 1 ،
(4) سماعة بن مهران عن الصادق (عليه السلام)
قال : «إذا كان بالرجل جرح سائل فأصاب ثوبه من دمه فلا يغسله حتى يبرأ وينقطع
الدم» الوسائل 3 : 435 / أبواب النجاسات ب 22 ح 7 .
(5) أبو بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) أو أبي
جعفر (عليه السلام) قال : «لا تعاد الصلاة من دم لا تبصره غير دم الحيض فان
قليله وكثيره في الثوب إن رآه أو لم يره سواء» الوسائل 3 : 432 / أبواب النجاسات ب
21 ح 1 . وعن سورة بن كليب عن أبي عبدالله (عليه السلام) «عن المرأة الحائض
أتغسل ثيابها التي لبستها في طمثها ؟ قال : تغسل ما أصاب ثيابها من
الدم» الوسائل 3 : 449 / أبواب النجاسات ب 28 ح 1 .
(6) محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام)
قال : «سألته عن الرجل يأخذه الرعاف والقيء في الصلاة كيف يصنع ؟
قال : ينفتل فيغسل أنفه ...» الوسائل 7 : 238 / أبواب قواطع الصلاة ب 2
ح 4 .
وقع بين أصحابنا في بعض خصوصيات المسألة إلاّ أن
نجاسته في الجملة لعلها كانت مفروغاً عنها عند الرواة ، ولذا تراهم يسألون في
رواياتهم عن أحكامه من غير تقييده بشيء ولا تخصيصه بخصوصية ، وكذا أجوبتهم
(عليهم السلام) فانهم لم يقيدوا الحكم بنجاسته بفرد دون فرد ، وهذا كما في
صحيحة ابن بزيع قال : «كتبت إلى رجل أسأله أن يسأل أبا الحسن الرضا (عليه
السلام) عن البئر تكون في المنزل للوضوء فتقطر فيها قطرات من بول أو دم أو يسقط
فيها شيء من عذرة كالبعرة ونحوها ما الذي يطهّرها حتى يحل الوضوء منها
للصلاة ؟ فوقّع (عليه السلام) بخطه في كتابي : ينزح منها دلاء»(1)
وموثقة(2)
أبي
بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : «إن أصاب ثوب الرجل الدم فصلى فيه
وهو لا يعلم فلا إعادة عليه ، وإن هو علم قبل أن يصلّي فنسي وصلّى فيه
فعليه الاعادة»(3)
وغيرهما من الأخبار .
والأمر
بالنزح في صحيحة ابن بزيع وإن كان استحبابياً لا محالة إلاّ أن السؤال عن تأثير
مطلق الدم في البئر مستند إلى ارتكاز نجاسته ، إذ لو لا مغروسيتها في
أذهانهم لم يكن وجه للسؤال عن حكمه ، وقد كانوا يسألونهم عن بعض مصاديقه غير
الظاهرة كدم البراغيث ونحوه(4)
فهذا كله يدلنا على أن نجاسة طبيعي
الدم كانت مفروغاً عنها بينهم ، فان النجس لو كان هو بعض أقسامه كان عليهم
التقييد في مقام السؤال وقد عرفت أنه لا عين ولا أثر منه في الأخبار
المتقدِّمة .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 1 : 176 / أبواب الماء المطلق ب 14 ح
21 .
(2) هذا ولكن الصحيح أن الرواية ضعيفة لأن في سندها
ابن سنان ، والظاهر أنه محمد بن سنان الزاهري بقرينة رواية الحسين بن سعيد
عنه ، ولا أقل من تردده بين محمد بن سنان و بين عبدالله ابن سنان .
والمظنون وإن كان وثاقة الرجل وقد كنّا نعتمد على رواياته سابقاً إلاّ أن الجزم
بها في نهاية الاشكال ، ومن هنا بنينا أخيراً على عدم وثاقته فلا يمكن الركون
على رواياته حينئذ .
(3) الوسائل 3 : 476 / أبواب النجاسات ب 40 ح
7 .
(4) ففي صحيحة الحلبي قال : «سألت أبا عبدالله
(عليه السلام) عن دم البراغيث يكون في الثوب هل يمنـعه ذلك من الصـلاة فيه ؟
قال : لا ، وإن كثر» الوسائل 3 : 431 / أبواب النجاسات ب 20
ح 7 ، وص 436 ب 23 ح 4 .
وثانيهما :
إطلاق موثقة عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : «سئل عما تشرب منه
الحمامة ؟ فقال : كل ما اُكل لحمه فتوضأ من سؤره واشرب ، وعن ماء
شرب منه باز ، أو صقر ، أو عقاب ؟ فقال : كل شيء من الطير
يتوضأ مما يشرب منه ، إلاّ أن ترى في منقاره دماً ، فان رأيت في منقاره
دماً فلا توضأ منه ولا تشرب»(1)
لأن الدم الواقع في كلامه (عليه
السلام) مطلق فيستكشف من حكمه بعدم جواز الوضوء من الماء في مفروض السؤال ،
نجاسة الدم على اطلاقه .
وقد
يقال : الرواية غير واردة لبيان نجاسة الدم حتى يتمسك
باطلاقها ، وإنما هي مسوقة لاعطاء ضابط كلي عند الشك في نجاسة شيء وطهارته
وأن نجاسة المنقار ومنجسيته للماء القليل تتوقفان على العلم بوجود النجاسة
فيه .
يدفعه :
أنها غير واردة لاعطاء الضابطة عند الشك في نجاسة شيء ، لأ نّها تقتضي
الحكم بطهارة الماء في مفروض السؤال حتى مع العلم بوجود الدم في منقار الطيور
سابقاً من دون أن يرى حال ملاقاته للماء ، مع أن الضابط المذكور يقتضي الحكم
بنجاسة الماء حينئذ للعلم بنجاسة المنقار سابقاً .
فالصحيح
أن يقال : إن الرواية إما وردت لبيان عدم تنجس بدن الحيوان بالنجاسات ـ كما
هو أحد الأقوال في المسألة ـ ومن هنا حكم (عليه السلام) بطهارة الماء عند عدم رؤية
الدم في منقاره ولو مع العلم بوجوده سابقاً لطهارة المنقار على الفرض ، وأما
مع مشاهدة الدم في منقاره فنجاسة الماء مستندة إلى عين النجس لا إلى نجاسة
المنقار ، وإما أنها مسوقة لبيان طهارة بدن الحيوان بزوال العين عنه وإن كان
يتنجس بالملاقاة كما هو المعروف ، وإما أنها واردة لبيان عدم اعتبار استصحاب
النجاسة في الحيوانات تخصيصاً في أدلة اعتباره كما ذهب إليه بعض الأعلام .
وكيف
كان فدلالة الرواية على نجاسة الدم غير قابلة للانكار ، ولا نرى مانعاً من
التمسك باطلاقها . وليست الرواية من الكبرى المسلمة في محلها من أن الدليل
إذا كان بصدد البيان من جهة ولم يكن بصدده من جهة اُخرى لا يمكن التمسك باطلاقها
إلاّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 1 : 230 / أبواب الأسآر ب 4 ح 2 ،
وورد قطعة منها في الوسائل 3 : 527 أبواب النجاسات ب 82 ح 2 .
من الناحيـة التي وردت لبيانها كما في قوله
تعالى :
(فكـلوا ممّا أمسـكن ) (1)
حيث
يجوز التمسك في الحكم بجواز أكل ما يصيده الصيود وإن مات قبل دركه ،
لأنه ورد لبيان أن إمساكه تذكية للصيد وكأنه استثناء من قوله تعالى :
(إلاّ ما ذكيتم ) (2)
ولا
يسوغ التمسك باطلاقه من جهة تنجسه بريق فم الكلب أو بنجاسة اُخرى حتى يحكم بجواز
أكله من غير غسل لعدم كونه بصدد البيان من هذه الجهة ، وذلك لأن الموثقة سيقت
لبيان نجاسة الدم على جميع المحتملات الثلاثة فيصح التمسّك باطلاقه ، ويكفينا
ذلك في الحكم بنجاسته وإن لم يكن في البين دليل آخر ، لأنّ عدم جواز التوضؤ
من الماء في مفروض الرواية يكشف عن عدم طهارة الدم المشاهد في منقار الطائر .
بل
يمكن أن يقال : إن الشارع جعل الدم في منقاره أمارة كاشفة عن أنه من الدماء
النجسة وإلاّ لم يكن وجه للحكم بعدم جواز التوضؤ من الماء ، لأن الدم على
قسمين : طاهر ونجس فمن أين علمنا أن الدم في منقار الطائر من القسم
النجس ، وحيث إن الشبهة موضوعية فلا بدّ من الحكم بطهارته ، إلاّ
أن الشارع جعل وجوده في منقاره أمارة على نجاسته ولو من باب الغلبة ، لأن
جوارح الطيور كثيرة الاُنس بالجيف .
والمتحصِّل
أنّ الموثقة تقتضي الحكم بنجاسة الدم مطلقاً ، سواء كان من الدم المسفوح أم
من المتخلف في الذبيحـة وسـواء كان مما له نفس سائلة أم كان من غيره إلاّ أن يقوم
دليل على طهارته وخروجه عن إطلاق الموثقة كما يأتي في الدم المتخلف في الذبيحة ودم
ما لا نفس له .
ودعوى :
أن الرواية تختص بدم الميتة لأنه الذي يتلوث به منقار الطيور الجارحة دون
غيره ، غير مسموعة لأنا وإن سلّمنا غلبة ذلك إلاّ أن اختصاصه مسلّم العدم
لجواز أن يتلوّث بدم مثل السمك أو غيره مما لا نفس له أو بدم المتخلف في الذبيحة
أو الصيد الذي أمسكه الصيود . فالموثقة باقية على إطلاقها ، ولا يمكن
حملها على صورة العلم بمنشأ الدم المشاهد في منقار الطيور والحكم بنجاسته فيما إذا
علم أنه مما له نفس سائلة أو من الدم المسفوح لأنه حمل لها على مورد نادر، إذ
الغالب عدم العلم بمنشأه
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المائدة 5 : 4 .
(2) المائدة 5 : 3 .
قليلاً كان الدم أو كثيراً (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وكيف كان فلا مناقشة في شمولها لمطلق الدماء إلاّ
أنها مختصة بدم الحيوان ، لأنه الذي يتلوث به منقار الطيور ولا تشمل الدم
النازل من السماء آية كما في زمان موسى (عليه السلام) أو الموجود تحت الأحجار عند
قتل سيد الشهداء (عليه السلام) . هذا على أن للمناقشة الصغروية في
مثله مجالاً واسعاً ، لاحتمال أن يكون الدم إسماً لخصوص المائع الأحمر
المتكوّن في خصوص الحيوان دون ما خرج من الشجر أو نزل من السماء ونحوهما ،
فاطلاق الدم على مثلهما إطلاق مسامحي للمشابهة في اللون .
(1)
لأنّ مقتضى الوجهين المتقدمين هو الحكم بنجاسة كل ما صدق عليه أنه دم ، وخالف
في ذلك الشيخ (1)
وجماعة وذهبوا إلى عدم نجاسة الدم القليل الذي لا
يدركه الطرف ، نظراً إلى صحيحة علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال :
«سألته عن رجل رعف فامتخط فصار بعض ذلك الدم قطعاً صغاراً فأصاب إناءه هل يصلح له
الوضـوء منه ؟ فقال : إن لم يكن شـيئاً يسـتبين في الماء فلا بأس وإن
كان شيئاً بيناً فلا تتوضأ منه ...» (2)
.
ويندفع
بأن الصحيحة لا دلالة لها على طهارة ما لا يدركه الطرف من الدم ، لعدم فرض
إصابة الدم لماء الاناء وإنما فرض فيها إصابته للاناء ، ومن هنا حكم (عليه
السلام) بعـدم البأس بالماء وقد قدّمـنا تفصيل الجـواب عن هذه الصـحيحة في بحث
انفعال الماء القليل ، فراجع (3)
.
ثم
إن في المقام خلافاً ثانياً وهو عدم نجاسة ما دون الحمصة من الدم ذهب إليه الصدوق(4)
(قدس
سره) ولعلّه استند في ذلك إلى رواية الفقه الرضوي : «وإن كان الدم حمصة فلا
بأس بأن لا تغسله إلاّ أن يكون الدم دم الحيض فاغسل ثوبك منه
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الاستبصار 1 : 23 ذيل الحديث 57 .
(2) الوسائل 1 : 150 / أبواب الماء المطلق ب 8 ح
1 .
(3) شرح العروة 2 : 144 .
(4) الفقيه 1 : 42 / 165 .
وأمّا دم ما لا نفس له فطاهر ،
كبيراً كان أو صغيراً كالسمك والبق والبرغوث (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومن
البول والمني قلّ أو كثر وأعد منه صلاتك علمت به أو لم تعلم» (1)
فان
عبارة الصدوق في الفقيه كما في الحدائق (2)
موافقة
لعبارة الفقه الرضوي بل هي هي بعينها إلاّ في مقدار يسير . نعم ، في
عبارة الفقيه : وإن كان الدم دون حمّصة ، وقد سقطت كلمة «دون» من عبارة
الفقه الرضوي . كما يحتمل استناده إلى رواية مثنى بن عبدالسلام المتقدِّمة(3)
إلاّ
أن ما ذهب إليه مما لا يمكن المساعدة عليه لضعف الروايتين ، بل وعدم
ثبوت كون الفقه الرضوي رواية فضلاً عن اعتبـاره ، ولعل مراده (قدس سره) هو
العفو عما دون الحمصة من الدم في الصلاة لا طهارته .
بقي
في المسألة خلاف ثالث وهو عدم نجاسة دون الدرهم من الدم والبول وغيرهما من الأعيان
النجسة غير دم الحيض والمني ، ذهب إليه ابن الجنيد(4)
ولعلّه
كما قيل اعتمد في نفي نجاسة ما دون الدرهم من الدم على الأخبار الواردة في العفو
عنه في الصلاة وقاس عليه سائر النجاسات ، ولا بعد في عمله بالقياس لأنّ
فتاواه كثيرة المطابقة لفتاوى العامة . وكيف كان فان أراد من ذلك عدم نجاسة
ما دون الدرهم من النجس فهو دعوى من غير دليل ومقتضى إطلاقات أدلة النجاسات عدم
الفرق بين كونها أقل من مقدار الدرهم وكونها أكثر ، وإن أراد العفو عما دونه
فهو مختص بالدم ولا يتم في غيره من النجاسات .
(1)
كما هو المشـهور وعن الشيخ في المبسوط(5)
والجمل(6)
وغيره(7)
في
غيرهما
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) فقه الرضا : 95 .
(2) الحدائق 5 : 44 .
(3) في ص 1 .
(4) المختلف 1 : 317 المسألة 233 .
(5) المبسوط 1 : 35 .
(6) الجمل والعقود : 170 ـ 171 .
(7) المراسم : 55 .
ما يوهم نجاسته وثبوت العفو عنه .
وقد
استدلّ للمشهور بوجوه :
الأوّل :
الاجماع على طهارة الدم مما لا نفس له ، ويدفعه : أن الاجماع على تقدير
تحقّقه ليس باجماع تعبّدي ، لاحتمال استنادهم في ذلك إلى قوله تعالى : «إلاّ
أن يكون دماً مسفوحاً »(1)
بدعوى عدم
شموله لدم ما لا نفس له ودلالته على طهارته ، وإن كان قد عرفت عدم دلالته على
نجاسة الدم المسفوح فكيف بالاستدلال بها على طهارة غيره ، أو استنادهم إلى
أحد الوجوه الآتية في الاستدلال .
الثاني :
ما عن أمير المؤمنين (عليه السلام) من أنه كان لا يرى بأساً بدم ما لم يذك
يكون في الثوب فيصلي فيه الرجل ، يعني دم السمك وقد رواه في الوسائل عن
السكوني ، ونقل أنّ الشيخ رواه باسنإده عن النوفلي(2)
.
ويردّه : أنه على تقدير تمامية سنده فانما يدل على ثبوت العفو عن دم السمك في
الصلاة وكلامنا في طهارته لا في ثبوت العفو عنه .
الثالث :
الأخـبار الواردة في نفي البأس عن دم البق والبرغوث ، منها : ما رواه
عبدالله بن أبي يعفور قال : «قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : ما تقول
في دم البراغيث ؟ قال : ليس به بأس ، قلت : إنه كثير
ويتفاحش ، قال : وإن كثر ...»(3)
. ومنها : مكاتبة محمد بن
ريان قال : «كتبت إلى الرجل (عليه السلام) : هل يجري دم البق مجرى دم
البراغيث ؟ وهل يجوز لأحد أن يقيس بدم البق على البراغيث فيصلي فيه ،
وأن يقيس على نحو هذا فيعمل به ؟ فوقّع (عليه السلام) : يجوز الصلاة
والطهر أفضل»(4)
ومنها
غير ذلك من الأخبار .
والجواب
عن ذلك : أن هذه الأخبار إنما وردت في خصوص البق والبرغوث ولا مسوّغ للتعدِّي
عن موردها ، ثم لو تعدّينا فانما نتعدّى إلى مثل الذباب والزنبور وغيرهما مما
لا لحم له لا إلى مثل السمك الكبير والحيّة ونحوهما ، ولم يرد دليل على
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الأنعام 6 : 145 ، ونصّها : ( إلاّ أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً ) .
(2) ، (3) ، (4) الوسائل 3 : 436 / أبواب النجاسات ب
23 ح 2 ، 1 ، 3 .
وكذا ما كان من غير الحيوان كالموجود تحت الأحجار عند
قتل سيد الشهداء (أرواحنا فداه) (1)
ويسـتثنى من دم الحيوان ، المتخلف في الذبيحة بعد خروج المتعارف (2)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عدم نجاسة الدم مما لا نفس له بهذا العنوان ،
وعليه فلا مناص من الحكم بنجاسة الدم مطلقاً ولو كان مما لا نفس له كما يقتضيه
عموم أدلة نجاسته على ما قدمناه وبنينا عليه . نعم ، من يرى عدم تمامية
العموم في المسألة له أن يرجع إلى قاعدة الطهارة فيما لا نفس له ، اللّهمّ
إلاّ أن نعتمد على ما استدللنا به على طهارة بول ما لا نفس له أعني موثقة(1)
حفص
بن غياث عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليه السلام) قال : «لا يفسد الماء إلاّ ما
كانت له نفس سائلة»(2)
وغيرها مما ورد بمضمونها حيث أخذنا باطلاقها وقلنا
إنها تقتضي عدم نجاسة الماء بدمه وبوله وميتته وغيرها مما ينجس الماء إذا كان من
الحيوانات التي لها نفس سائلة ، ولكنّا لم نرَ من الفقهاء من استدل بها على
طهارة بوله ودمه .
(1)
قدّمنا وجهه آنفاً .
(2)
المسألة متسالم عليها بين الأصحاب ولم يقع في ذلك خلاف وإنما الكلام في
مدركها .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ولا يخفى أن في سندها أحمد بن محمد عن
أبيه ، والظاهر أنه أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد ، وهو وإن كان من
مشايخ الشيخ المفيد إلاّ أنه لم تثبت وثاقته بدليل ، وكونه شيخ إجازة لا
دلالة له على الوثاقة بوجه ، فالوجه في كون الرواية موثقة أن في سندها محمد
بن أحمد بن يحيى ، وللشيخ (قدس سره) إليه طرق متعددة وهي وإن لم تكن صحيحة
بأسرها ، إلاّ أن في صحة بعضها غنى وكفاية ، وذلك لأن الرواية إما أن
تكون من كتاب الراوي أو من نفسه ، وعلى كلا التقديرين يحكم بصحة رواية الشيخ
عن محمد بن أحمد لتصريحه في الفهرست بأن له إلى جميع كتب محمد بن أحمد ورواياته
طرقاً متعدِّدة [ الفهرست :
144 ]
وقد عرفت صحة بعضها ، وإذا صحّ السند إلى محمد ابن أحمد بن يحيى صح بأسره
لوثاقة الرواة الواقعة بينه وبين الإمام (عليه السلام) وبهذا الطريق الذي أبديناه
أخيراً يمكنك تصحيح جملة من الروايات التي تقدمت في تضاعيف الكتاب أو لم
تتقدم .
(2) الوسائل 3 : 464 / أبواب النجاسات ب 35 ح
2 .
وما
استدلّ به على طهارة الدم المتخلف اُمور :
الأوّل :
الاجماع ، وقد مرّ غير مرّة أن الاجماع إنما يعتمد عليه فيما إذا كان تعبدياً
كاشفاً عن رأيه (عليه السلام) وليس الأمر كذلك في المقام للاطمئنان ولا أقل من
احتمال أن يكون مدرك المجمعين أحد الوجوه الآتية في الاستدلال .
الثاني :
أن لحم كل ذبيحة يشتمل على مقدار من الدم ولو مع المبالغة في غسله وقد حكم بحلية
أكله شرعاً مع ما فيها من الدم ، وهي أخص من الطهارة ، لأنّ حلية الأكل
من طوارئ الأشياء الطاهرة لعدم جواز أكل النجس شرعاً ، فهذا يدلّنا على طهارة
الدم المتخلف في الذبيحة . وهذا الوجه إنما يتم فيما يتبع اللحم من الأجزاء
الدموية المستهلكة في ضمنه ولذا يحل أكله ، والأمر فيه كما اُفيد ونزيد عليه
أن موضع الذبح لا يمكن تخليصه من الدم عادة ، بل ترى أن الدم يتقاطر منه
إذا عصر وإن غسل متعدِّداً ، ومعه حكم الشارع بطهارته بعد غسله وهذا كاشف عن
طهارة الدم المتخلف في المذبح وغيره من أجزاء الذبيحة ، إلاّ أنه لا يتم في
الأجزاء الدموية المستقلة في الوجود كما يوجد في بطن الذبيحة أو في قلبها أو في
سائر أجزائها بحيث إذا شق سال منه دم كثير فانها غير محللة الأكل شرعاً ،
فهذا الوجه لا يقتضي طهارة الدم المتخلف مطلقاً .
الثالث : وهو الوجه الصحيح ، استقرار سيرة المتشرعة المتصلة بزمان المعصومين (عليهم السلام) على عدم الاجتناب عما يتخلف في الذبيحة من الدم كان تابعاً للحمها أم لم يكن ، مع كثرة ابتلائهم بالذبائح من الابل والغنم والبقر ، ولا سيما في الصحاري والقفار الخالية عن الماء فانهم غير ملتزمين بتطهير لحمها وما يلاقيه من أثوابهم وأبدانهم ، بل ولا يمكن تطهيره بتجريده من الدم إلاّ يجعله في الماء مدة ثم غسله وعصره ونحو ذلك مما نقطع بعدم لزومه شرعاً ، ومع هذا لو كان الدم المتخلف في الذبيحة نجساً لبان وذاع ، وبهذه السيرة نخرج عن عموم ما دل على نجاسة الدم ، ولولاها لم نتمكن من الحكم بطهارة الدم المتخلف بوجه لعموم نجاسته . نعم ، بناء ع