ــ[21]ــ

   ثم لو شككنا في ذلك ولم ندر أن المراد بماء الورد في الرواية هل هو خصوص القسمين المطلقين ، أو الأعم منهما ومن قسم المضاف فنقول : إن مقتضى إطلاق الرواية جواز الغسل والوضوء بجميع الأقسام الثلاثة المتقدمة مطلقها ومضافها ، ومقتضى إطلاق الآية المباركة (إذا قمتم إلى الصّلاة ) وغيرها مما دلّ على انحصار الطهور بالماء والتراب وجوب الوضوء والغسل بالماء وبالتيمم على تقدير فقدانه مطلقاً ، سواء أ كان متمكناً من القسم المضاف أم لم يكن ، فلا يكون وجوده مانعاً عن التيمم بحسب إطلاق الآية المباركة ، والنسبة بينهما عموم من وجه فيتعارضان في مادة اجتماعهما وهي ما إذا لم يكن هناك ماء وكان متمكناً من القسم المضاف ، فإنّها مورد للتيمّم بحسب إطلاق الآية المباركة ، ومورد للوضـوء حسب ما يقتضيه إطلاق الرواية وبذلك تسقط الرواية عن الاعتبار ويحكم بوجوب التيمم مع وجود القسم المضاف وذلك لما بيناه في محله من أن الرواية إذا كانت معارضة للكتاب بالعموم من وجه فمقتضى القاعدة سقوطها عن الاعتبار لمخالفتها للكتاب في مادة الاجتماع وهذه المناقشة هي الصحيحة .

   وربّما يجاب عن الاستدلال بالرواية بوجه آخر وهو : أن لفظة «ورد» يحتمل أن تكون بكسر الواو وسكون الراء ، وماء الوِرد بمعنى الماء الذي ترد عليه الدواب وغيرها للشراب ، ولعلّ السائل كان في ذهنه أن مثله مما تبول فيه الدواب ، ولأجله سأله عن حكم الوضوء والغسل به ، وعليه فالرواية مجملة لا يمكن الاستدلال بها على شيء .

   ويدفعه : ان هذا الاحتمال ساقط لا يعتنى به ، لأ نّه إنّما يتجه فيما لو كانت الأخبار الواجب اتباعها مكتوبة في كتاب وواصلة إلى أرباب الحديث بالكتابة ، فبما أ نّها ليست معرّبة ومشكّلة يمكن أن يتطرق عليها احتمال الكسر والفتح وغيرهما من الاحتمالات ، ولكن الأمر ليس كذلك فإنّهم أخذوا الأخبار عن رواتها الموثوق بهم بالقراءة ، ووصلت إليهم سماعاً عن سماع وقراءةً بعد قراءة على الكيفية التي وصلت إليهم ، وحيث إن راوي هذه الرواية وهو الصّدوق (قدس سره) قد نقلها بفتح الواو حيث استدلّ بها على جواز الوضوء بالجلاّب فيجب اتباعه في نقله ، ولا يصغى معه إلى

ــ[22]ــ

احتمال كسر الواو ، فإنّه يستلزم فتح باب جديد للاستنباط لتطرق هذه الاحتمالات في أكثر الأخبار ، وهو يسقطها عن الاعتبار ، هذا كلّه فيما ذهب إليه الصّدوق (طاب ثراه) .

   وأمّا ابن أبي عقيل ، وهو الذي ذهب إلى جواز الوضوء بالمضاف فقد يستدل عليه بما رواه عبدالله بن المغيرة عن بعض الصادقين قال : «إذا كان الرجل لا يقدر على الماء وهو يقدر على اللبن فلا يتوضأ باللبن إنّما هو الماء أو التيمم فإن لم يقدر على الماء وكان نبيذ ، فإنّي سمعت حريزاً يذكر في حديث : أن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد توضأ بنبيذ ولم يقدر على الماء» (1) .

   واُجيب عنها بأن المراد بالنبيذ فيها ليس هو النبيذ المعروف لأ نّه نجس فكيف يصح الوضوء بمثله ، حتى أن ابن أبي عقيل أيضاً لا يرضى بذلك ، بل المراد به على ما في بعض الأخبار (2) هو الماء المطلق الذي تلقى عليه تمرة أو تمرتان أو كف من التمر حتى يكتسب بها ما يمنع عن تسرع الفساد إليه ، من دون أن يخرج بذلك عن الاطلاق ، فضلاً عن أن يتصف بالاسكار أو يحكم عليه بالنجاسة .

   ولا يخفى ما في هذا التأويل والجواب من المناقشة فإنّ ما يسمّى بالنبيذ لو كان كما ذكره المجيب ماءً مطلقاً ـ  لوضوح أنّ إلقاء كف من التمر على الماء لا يخرجه عن الاطلاق  ـ لما كان معنى محصل لقوله (عليه السلام) في الرواية : «فإن لم يقدر على

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 1 : 202 / أبواب الماء المضاف ب 2 ح 1 .

(2) وهو رواية الكلبي النسابة ، انّه سأل أبا عبدالله (عليه السلام) عن النبيذ ؟ فقال : حلال فقال: إنّا ننبذه فنطرح فيه العكر وما سوى ذلك . فقال : شه شه تلك الخمرة المنتنة . قلت : جُعلت فداك فأي نبيذ تعني ؟ فقال : إن أهل المدينة شكوا إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تغير الماء وفساد طبائعهم ، فأمرهم أن ينبذوا فكان الرجل يأمر خادمه أن ينبذ له ، فيعمد إلى كف من تمر فيقذف به في الشن فمنه شربه ومنه طهوره . فقلت : وكم كان عدد التمر الذي في الكف ؟ قال : ما  حمل الكف فقلت : واحدة أو اثنتين ؟ فقال : ربّما كانت واحدة وربّما كانت اثنتين ، فقلت : وكم كان يسع الشن ماء ؟ فقال : ما بين الأربعين إلى الثمانين إلى ما فوق ذلك . فقلت : بأي الأرطال ؟ فقال : أرطال مكيال العراق . الوسائل 1 : 203 / أبواب الماء المضاف ب 2 ح 2 .

ــ[23]ــ

الماء وكان نبيذ ...» فإن النبيذ على هذا ماء مطلق ، فما معنى عدم القدرة على الماء كما هو واضح ، فهذا الجواب على خلاف مفروض الرواية حيث فرض فيها عدم القدرة على الماء ، ففرض النبيذ من الماء المطلق والقدرة عليه خلاف مفروضها .

   فالصحيح في الجواب عن الرواية أن يقال : إنّه لم يعلم أن عبدالله بن المغيرة رواها عن أحد المعصومين (عليهم السلام) فإنّه نقلها عن بعض الصادقين والمراد به بعض العدول ، لأن صيغة الصادقين التي هي صيغة جمع في الرواية ـ  لمكان البعض  ـ لم يرَ استعمالها وارادة الأئمة منها في شيء من الموارد . نعم ، الصادقين بصيغة التثنية يطلق على الباقر والصادق (عليهما السلام) من باب التغليب كالشمسين والقمرين ، وقد عرفت أن الصادقين في المقام ليس بتثنية . وبالجملة أن تعبيره ببعض الصادقين مشعر بعدم ارادته المعصوم (عليه السلام) هذا أوّلاً .

   وثانياً : لو سلمنا أ نّه رواها عن الإمام (عليه السلام) فلم يظهر أن ذيلها ـ  وهو ما  اشتمل على حكم الوضوء بالنبيذ  ـ منه (عليه السلام) ولعلّه مما أضافه عبدالله بن المغيرة من عنده نقلاً عن حريز . ولم يعلم أن الواسطة بين النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وحريز من هو ؟ وهذا الاحتمال يسقط الرواية عن الاعتبار ، ومعه لا يمكن إثبات حكم مخالف للقواعد بمثلها .

   وثالثاً : هب أن ذيل الرواية من الإمام (عليه السلام) لكنه لم يظهر منها إمضاؤه لما نقله عن حريز ، فإنّه لو كان مورداً لامضائه لما كان وجه لاسناده إلى حريز ، بل كان يحكم بعدم البأس من قبله ، فاسناده ذلك إلى حريز مشعر بعدم رضائه وأ نّه نقله تقية حيث ظهر من حكمه بعدم جواز الوضوء باللّبن أ نّه لا يرضى بالوضوء بالنبيذ النجس بطريق أولى ، وكأ نّه تصدى لدفع هذا الاستظهار بإظهاره الموافقة مع العامّة بنقل ما حكاه حريز عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهذا بناءً على صحّة ما  نسبه بعض أصحابنا إلى العامّة من ذهابهم إلى جواز الوضوء بالنبيذ (1) .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ففي الخلاف 1 : 55 بعد حكمه بعدم جواز الوضوء بشيء من الأنبذة المسكرة ما هذا نصّه : وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة بجواز التوضي بنبيذ التمر إذا كان مطبوخاً عند عدم الماء وهو قول أبي يوسف . وقال محمد : يتوضّأ به ويتيمّم . وقال الأوزاعي : يجوز التوضي بسائر الأنبذة .

ــ[24]ــ

   ولكنا لم نقف عليه في الفقه على المذاهب الأربعة ولا نكتفي بذلك في الجزم بعدم صحّة النسبة ، فلا بدّ في تحقيق ذلك من مراجعة كتبهم المفصلة (1) . وعلى الجملة فلا يثبت بهذه الرواية على علاتها حكم مخالف لما كاد أن يكون ضرورياً من مذهب الشيعة ، هذا كلّه في المسألة الاُولى .

    عدم مطهريّة المضاف من الخبث

   المسألة الثانية : في أن المضاف يرفع الخبث أو لا يرفعه : المعروف بين الأصحاب أنّ المضاف لا يكتفى به في إزالة الأخباث والقذارات الشرعية ، ويمكن إسناد المخالفة في هذه المسـألة إلى المحدِّث الكاشـاني (قدس سره) حيث ذهب إلى عدم سراية

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المسألة خلافية بينهم ، نصّ على ذلك الترمذي في صحيحه ج 1 ص 147 حيث قال : وقد رأى بعض أهل العلم الوضوء بالنبيذ ، منهم سفيان وغيره. وقال بعض أهل العلم : لا يتوضأ بالنبيذ ، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق . وفي المحلّى لابن حزم المجلد الأول ص 202 بعد أن حكم بعدم جواز الوضوء بغير الماء كالنبيذ ما نص عبارته : وهذا قول مالك ، والشافعي وأحمد ، وداود ، وقال به الحسن ، وعطاء بن أبي رياح ، وسفيان الثوري، وأبو يوسف ، وإسحاق وأبو ثور ، وغيرهم . وعن عكرمة أن النبيذ وضوء إذا لم يوجد الماء ، ولا يتيمّم مع وجوده . وقال الأوزاعي لا يتيمّم إذا عدم الماء ما دام يوجد نبيذ غير مسكر ، فإن كان مسكراً فلا يتوضأ به . وقال حميد صاحب الحسن بن حي : نبيذ التمر خاصة يجوز التوضؤ به والغسل المفترض في الحضر والسفر ، وجد الماء أو لم يوجد ولا يجوز ذلك بغير نبيذ التمر ، وجد الماء أو لم يوجد . وقال أبو حنيفة في أشهر قوليه : انّ نبيذ التمر خاصّة إذا لم يسكر فإنّه يتوضأ به ويغتسل فيما كان خارج الأمصار والقرى خاصّة عند عدم الماء ، فإن أسكر فإن كان مطبوخاً جاز الوضوء به والغسل كذلك ، فإن كان نيئاً لم يجز استعماله أصلاً في ذلك ولا يجوز الوضوء بشيء من ذلك ، لا عند عدم الماء ولا في الأمصار ولا في القرى أصلاً وإن عدم الماء ، ولا بشيء من الأنبذة غير نبيذ التمر ، لا في القرى ولا في غير القرى ، ولا عند عدم الماء . والرواية الاُخرى عنه : إن جميع الأنبذة يتوضأ بها ويغتسل ، كما قال في نبيذ التمر سواء سواء . وقال محمد بن الحسن يتوضأ بنبيذ التمر عند عدم الماء ويتيمّم معاً .

ــ[25]ــ

النجاسة إلى ملاقيها ، وأن غسل ملاقي النجاسة غير واجب إلاّ في بعض الموارد كما في الثوب والبدن للدليل ، وأمّا في الأجسام الصيقلية كالزجاج ونحوه فيكفي في طهارتها مجرد إزالة عين النجاسة ولو بخرقة أو بدلك وأمثالهما ، بلا حاجة معها إلى غسلها فالأجسام نظير بواطن الإنسان وظاهر الحيوان لا يتنجس بشيء (1) .

   وذهب السيد المرتضى (2) والشيخ المفيد (3) (قدس سرهما) إلى أن غسل ملاقي النجاسات وإن كان واجباً شرعاً ، إلاّ أن الغسل لا يلزم أن يكون بالماء بل الغسل بالمضاف بل بكل ما يكفي في إزالة العين ، وصدق عنوان الغسل وإن كان خارجاً عن المضاف أيضاً كاف في طهارته كالغسل بالنفط أو بالاسپرتو إذا قلنا بعدم نجاسته في نفسه ، فإنّهما مائعان وليسا بماء ولا مضاف ، فهناك مقامان للكلام :

    ما ذهب إليه الكاشاني (قدس سره)

   أحدهما : فيما سلكه الكاشاني (قدس سره) وأن ملاقاة النجاسة بشيء هل توجب سراية النجاسة إليه ، بحيث يجب غسل ذلك الشيء بعد إزالة العين عنه أو أ نّها لا  توجب السراية ولا دليل على وجوب غسله بعد إزالة العين عنه ، فاللاّزم هو الازالة دون غسل المحل إلاّ فيما دلّ دليل على وجوب غسله كالبدن والثوب ، وينبغي أن تضاف الأواني أيضاً إلى البدن والثوب ، لقيام الدليل على لزوم غسل الآنية التي يشرب فيها الخمر أو يأكل فيها الكفار أطعمة نجسة كاللّحم النجس(4) ولعلّه (قدس سره) إنّما ذكر البدن والثوب من باب المثال ، وإن كان ظاهر كلامه الاختصاص . وكيف كان فقد ادعى عدم دلالة دليل على وجوب الغسل في ملاقي النجاسات بعد إزالة العين عنه .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مفاتيح الشرايع 1 : 77 .

(2) الناصريّات : 183 السطر 2 .

(3) نقل عنه في الحدائق 1 : 399 .

(4) الوسائل 3 : 419 / أبواب النجاسات ب 14 ح1 و ص 517 ب 72 ح  2 .

ــ[26]ــ

   ويدفعه : ان العرف يستفيد من الأوامر الواردة في موارد خاصة بغسل ملاقي النجاسات بعد إزالة عينها عدم اختصاص ذلك بمورد دون مورد، فإذا لاحظوا الأمر بغسل الثوب والبدن والفرش والأواني وغيرها بعد إزالة العين عنها بشيء فهموا منه عمومية ذلك الحكم وجريانه في كل شيء لاقاه نجس ، وأمّا أن الغسل الواجب لا بدّ وأن يكون بالماء أو يكفي فيه الغسل بالمضاف أو بشيء آخر أيضاً ، فهو مطلب آخر يأتي بعد هذه المسألة .

   وثانياً : قد ورد في موثقة عمار بن موسى الساباطي : «أ نّه سأل أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل يجد في إنائه فأرة ، وقد توضأ من ذلك الإناء مراراً أو اغتسل منه أو غسل ثيابه ، وقد كانت الفأرة متسلخة ؟ فقال إن كان رآها في الاناء قبل أن يغتسل أو يتوضأ أو يغسل ثيابه ، ثم يفعل ذلك بعد ما رآها في الاناء ، فعليه أن يغسل ثيابه ويغسل كل ما أصابه ذلك الماء ويعيد الوضوء والصلاة ...» (1) وهي تدلنا على وجوب الغسل في ملاقي النجس بلا فرق في ذلك بين أفراده وموارده لعموم الرواية ، حيث اشتملت على لفظة «كل» في قوله : «ويغسل كل ما أصابه ذلك الماء» .

   ثم إنّ الفرق بين هذا الوجه والوجه المتقدم لا يكاد يخفى ، فإن الاستدلال هناك إنّما كان بفهم العرف واستفادته عموم الحكم من ملاحظة الأمر بالغسل في الموارد المخصوصة ، وأمّا هنا فإنّما نستدل على عمومية الحكم بدلالة الموثقة عليها وإن لم يكن هناك استفادة العموم عرفاً من ملاحظة خصوصيات الموارد ، وكم فرق بين الاستدلال بالخبر والاستدلال بالفهم العرفي من ملاحظة الموارد الخاصة ، فما ذهب إليه المحدث الكاشاني (طاب ثراه) ممّا لا يمكن المساعدة عليه وهو متفرد فيما سلكه في المقام ، ولا نعلم موافقاً له من الأصحاب ، ومن هنا طعن عليه كاشف الغطاء (قدس سره) على ما ببالي في شرحه للقواعد بأ نّه يأتي بفتيا غريبة ومسائل لم يقل بها الأصحاب .

   وأمّا ما أشار إليه في ضمن كلامه من عدم تنجس باطن الإنسان وظاهر الحيوان

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 1 : 142 / أبواب الماء المطلق ب 4 ح 1 .

ــ[27]ــ

وكفاية زوال العين فيهما بلا حاجة إلى غسلهما ، فهو وإن كان كما أفاده على خلاف في الأخير لتردّده بين عدم التنجس رأساً وتنجسه مع طهارته بمجرّد زوال العين عنه ، إلاّ أن الحكم بعدم وجوب الغسل شرعاً لا يثبت بهذين الموردين . وقياس غيرهما عليهما مما لا اعتبار به عندنا .

    ما ذهب إليه السيد والمفيد (قدس سرهما)

   وثانيهما : فيما ذهب إليه السيد والمفيد (قدس سرهما) من أن ملاقاة النجاسة وإن كانت موجبة للسراية ولوجوب غسل ما لاقاها ، إلاّ أن الغسل باطلاقه يكفي في تطهير المتنجسات بلا حاجة إلى غسلها بالماء وقد استدلّ على ذلك بوجوه :

   الوجه الأوّل : ما ورد من إطلاقات الأمر بالغسل في المتنجسات (1) من غير تقييده بالماء ، فمنها يظهر كفاية مطلق الغسل في تطهير المتنجسات .

   وقد يجاب عن ذلك بأن المطلقات الآمرة بغسل المتنجسات تنصرف إلى الغسل بالماء ، لمكان قلة الغسل بغير الماء وندرته وكثرة الغسل بالماء وأغلبيته .

   وفيه : أن كثرة الأفراد وقلّتها لا تمنع عن صدق الاسم على الأفراد النادرة والقليلة ، وبعبارة اُخرى الغسل ليس من المفاهيم المشكّكة حتى يدّعى أن صدقه على بعض أفراده أجلى من بعضها الآخر ، بل الغسل كما يصدق على الغسل بالماء كذلك يصدق على الغسل بغيره حقيقة ، كالغسل بماء الورد بناءً على أ نّه مضاف ، إذ الغسل ليس إلاّ بمعنى إزالة النجاسة والقذارة ، وهي صادقة على كل من الغسلين ، وبعد صدق الحقيقة على كليهما فلا تكون قلة وجود أحدهما خارجاً موجبة للانصراف كما هو ظاهر .

   فالصحيح في الجواب أن يقال : المستفاد من ملاحظة الموارد التي ورد فيها الأمر

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كما في صحيحتي محمد عن أحدهما (عليهما السلام) وابن أبي يعفور عن أبي عبدالله (عليه السلام) لاشتمالهما على الأمر بالغسل مرتين . وهو مطلق وهما مرويتان في الوسائل 3 : 395 / أبواب النجاسات ب 1 ح 1 ، 2 وأيضاً ورد ذلك في موثقة عمار المتقدمة ، فراجع .

ــ[28]ــ

بالغسل بالماء ، وتتبع الأخبار الواردة في مقامات مختلفة أنّ الغسل لا بدّ وأن يكون بالماء ، ولا يكتفى بغيره في تطهير المتنجسات وبها تقيد المطلقات ، أعني ما دلّ على لزوم الغسل مطلقاً ، فنحملها على إرادة الغسل بالماء ، ولنذكر جملة من تلك الموارد :

   منها : ما ورد في الاستنجاء بالأحجار (1) حيث حكم (عليه السلام) بكفاية الأحجار في التطهير من الغائط ، ومنع عن كفايته في البول وأمر بغسل مخرج البول بالماء ، فلو كان غير الماء أيضاً كافياً في تطهير المخرج لما كان وجه لحصره بالماء .

   ومنها : الموارد التي سئل فيها عن كيفية غسل الكوز والاناء إذا كان قذراً ، حيث أمر (عليه السلام) بغسله ثلاث مرات (2) يصب فيه الماء فيحرك فيه ثم يفرغ منه ، ثم يصبّ فيه ماء آخر فيحرّك فيه ثم يفرغ منه ، وهكذا ثلاث مرات .

ومنها : أمره (عليه السلام) بغسل الثوب بالماء في المركن مرتين، وفي الماء الجاري مرة واحدة(3).

   ومنها : أمره (عليه السلام) بتعفير الاناء أولاً ثم غسله بالماء (4) .

   ومنها : أمره بغسل الأواني المتنجسة بالماء (5) .

   ومنها : أمره بصب الماء في مثل البدن إذا تنجس بالبول ونحوه (6) ، وبهذه المقيّدات نرفع اليد عن المطلقات المقتضية لكفاية الغسل مطلقاً . وببيان آخر إذا ثبت وجوب

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع رواية بريد بن معاوية عن أبي جعفر (عليه السلام) المروية في الوسائل 1 : 317 / أبواب أحكام الخلوة ب 9 ح 6 .

(2) ورد ذلك في موثقة عمار الساباطي عن أبي عبدالله (عليه السلام) المروية في الوسائل 3 : 496 / أبواب النجاسات ب 53 ح 1 .

(3) كما في صحيحة محمد بن مسلم المروية في الوسائل 3 : 397 / أبواب النجاسات ب 2 ح 1 .

(4) كما في صحيحة الفضل أبي العباس عن أبي عبدالله (عليه السلام) المروية في الوسائل 3 : 415 / أبواب النجاسات ب 12 ح 2 .

(5) كما في موثقة عمار بن موسى المروية في الوسائل 3 : 494 / أبواب النجاسات ب 51 ح 1 .

(6) كما في صحيحة الحسين بن أبي العلاء المروية في الوسائل 3 : 395 / أبواب النجاسات ب  1 ح 4 وغيرها .

ــ[29]ــ

الغسل بالماء في الموارد المنصوصة المتقدمة فيثبت في جميعها ، لعدم القول بالفصل حتى من السيد (قدس سره) لأن من قال باعتبار الغسل بالماء في الموارد المتقدمة قال به في جميع الموارد ، وكيف كان فلا نعتمد على شيء من المطلقات الواردة في المقام .

   الوجه الثاني : الاجماع ، حيث استدلّ به السيد المرتضى (قدس سره) على كفاية الغسل بالمضاف في تطهير المتنجسات ، وهذا الاجماع ـ  مضافاً إلى أ نّه مما لا يوافقه فيه أحد من الأصحاب غير الشيخ المفيد (قدس سره)  ـ اجماع على أمر كبروي وهو أن الأصل في كل ما لم يدلّ دليل على حرمته أو نجاسته هو الحلية والطهارة ، وقد طبقها هو (قدس سره) على المقام بدعوى أ نّه لم يرد دليل على المنع من تطهير المتنجس بالمضاف ، فهو أمر جائز وحلال والمغسول محكوم بالطهارة ، وصدور أمثال ذلك منه (طاب ثراه) في المسائل الفقهية غير عزيز .

   ثم إن الاجماع الذي ادعاه على الكبرى المتقدمة وإن كان كما أفاده تاماً إلاّ أن الاشكال كلّه في تطبيقها على المقام ، وذلك لأ نّا إن قلنا بما سلكه المشهور من جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية ، فإن المورد من موارد استصحاب النجاسة بعد غسله بالمضاف ، ومعه لا تصل النوبة إلى قاعدة الطهارة والحلية وهو ظاهر . نعم ، إذا بنينا على ما سلكناه من عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية لمعارضته دائماً باستصحاب عدم الجعل ـ  على ما حققناه في محلّه  ـ فلا مانع من تطبيق الكبرى الاجماعية على المقام من تلك الناحية ، إذ لا استصحاب هناك حتى يمنع عن جريان قاعدة الطهارة بعد غسل المتنجس بالمضاف ، أو عن جريان البراءة عن حرمة أكله أو شربه ، كما أن مقتضى البراءة جواز الصلاة فيه ، بناءً على ما حققناه في محلّه من جريان البراءة عند دوران الأمر بين الأقل والأكثر ، وبها ندفع اشتراط الغسل بالماء إلاّ أ نّا ندعي قيام الدليل الاجتهادي على بقاء النجاسة بعد الغسل بالمضاف ، وهو الأخبار المتقدمة الواردة في مقامات مختلفة ، لأ نّها دلّت على تقييد إطلاقات الغسل بالماء ، وكيف كان فلا تنطبق الكبرى الاجماعية على المقام .

   الوجه الثالث : أن الغرض من وجوب الغسل في المتنجسات ليس إلاّ إزالة النجاسة عن المحل ، والازالة كما تتحقق بالغسل بالماء كذلك تحصل بالغسل بالمضاف

ــ[30]ــ

أو بغيره من المائعات .

   والجواب عن ذلك : أنّ هذه الدعوى مصادرة لأ نّها عين المدّعى ، فمن أخبرنا أنّ الغرض من وجوب الغسل مجرّد إزالة العين كيف ما اتفقت كيف ولو صحت هذه الدعوى لتمّ ما ذهب إليه الكاشاني (قدس سره) من عدم وجوب الغسل رأساً (1) ، فإنّ الازالة كما تحصل بالغسل تحصل بالدلك والمسح أيضاً ، إذن فما الموجب لأصل وجوب الغسل ، فهذا الوجه استحساني صرف ، والسيد أيضاً لا يرتضي بذلك ، لأ نّه يرى أصل الغسل واجباً كما مرّ ، ولا يكتفي بمجرد إزالة العين في حصول الطهارة .

   الوجه الرابع : قوله تعالى (وثيابك فطهِّر ) (2) بتقريب انه سبحانه أمر نبيّه الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بتطهير ثيابه، ولم يقيّد التطهير بالماء. فمنها يظهر أنّ المطلوب مجرد التطهير سواءً كان بالماء أو بشيء آخر .

   وفيه : أن الآية لا دلالة لها على المدعى بوجه ، لأ نّا إن حملنا التطهير في الآية المباركة على معناه اللغوي ، وهو إزالة الأوساخ والقذارات كما هو المناسب لمقام النبوّة ، فإنّه لا تناسبها الوساخة والقذارة في البدن والثياب المسببتان لاثارة التنفّر والانزعاج ، وهو خلاف غرض النبي (صلىّ الله عليه وآله وسلّم) بل خلاف قوله أيضاً فإنّه الذي أمر الناس بالنظافة وعدّها من الإيمان بقوله : «النظافة من الإيمان» (3) .

   ويؤيّده أنّ أحكام النجاسات لعلّها لم تكن ثابتة في الشريعة المقدسة حين نزول الآية المباركة ، فإن السور القصار إنّما نزلت حين البعثة ، ولم يكن كثير من الأحكام وقتئذ ثابتة على المكلفين ، فلا تكون الآية مربوطة بالمقام ، لأن البحث إنّما هو في الطهارة الاعتبارية ، لا في إزالة القذارة والوساخة التي هي معنى التطهير لغة .

   وكذا الحال فيما إذا حملنا التطهير في الآية على ما نطقت به الأخبار الواردة في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مفاتيح الشرايع 1 : 77 .

(2) المدثر 74 : 4 .

(3) نهج الفصاحة : 636 .

ــ[31]ــ

تفسيرها (1) حيث دلت