ــ[1]ــ

 بسم الله الرّحمن الرّحيم

 

[  كتاب الطّهارة  ]

فصل في المياه

   الماء إمّا مطلق أو مضاف كالمعتصر من الأجسام ، أو الممتزج بغيره ممّا يخرجه عن صدق إسم الماء (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

كتاب الطّهارة

   (1) ينقسم المائع إلى قسـمين : قسم يصح سلب عنوان الماء عنه بما له من المعنى ولا يطلق عليه الماء بوجه لا على نحو الحقيقة ولا على نحو المجاز ، وهذا كما في اللبن والدهن والنفط والدبس وغيرها . والقسم الآخر ما يصح إطلاق الماء عليه ، وهو أيضاً قسمان :

   أحدهما : ما لا يصح إطلاق لفظ الماء عليه بما له من المعنى على نحو الحقيقة من غير إضافته إلى شيء. نعم ، يصح أن يطلق عليه باضـافته إلى شيء ما كماء الرمّان فإنّ الماء من غير إضافته إلى الرمان لا يطلق عليه حقيقة فلا يقال : إنّه ماء إلاّ على سبيل العناية والمجاز ، وهذا القسم يسمى بالماء المضاف .

   ثانيهما : ما يصح إطلاق لفظ الماء عليه على وجه الحقيقة ولو من غير إضافته إلى شيء ، وإن كان ربّما يستعمل مضافاً إلى شيء أيضاً ، إلاّ أن استعماله من غير إضافة أيضاً صحيح وعلى وجه الحقيقة ، وهذا كماء البحر والبئر ونحوهما ، فإن إطلاق الماء عليه من غير إضافته إلى البحر أو البئر إطلاق حقيقي فإنّه ماء ، ويصح أيضاً أن

ــ[2]ــ

   والمطلق أقسام : الجاري والنابع غير الجاري والبئر والمطر والكرّ والقليل (1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 يستعمل مضافاً إلى البحر فيقال : هذا ماء بحر أو ماء بئر ، وهذا بخلاف القسم السابق فإنّه لا يستعمل مجرّداً ، ولا يصح إطلاقه عليه إلاّ باضافته إلى شيء ، ويسمّى هذا القسم بالماء المطلق .

   ومن هنا يظهر أن تقسيم الماء إلى مطلق ومضاف من قبيل تقسيم الصلاة إلى الصحيحة والفاسدة ، بناء على أن ألفاظ العـبادات أسام للصحيحة منها دون الأعم فهو تقسيم لما يستعمل فيه الماء والصلاة ولو مجازاً ، وليس تقسيماً حقيقياً ليدل على أن إطلاق الماء على المضاف إطلاق حقيقي .

   وبما ذكرناه تعرف أن أقسام المائع ثلاثة :

   أحدها : هو ما لا يمكن إطلاق الماء عليه لا على وجه الحقيقة ولا على وجه المجاز ، ولم ينقل عن أحد دعوى كونه مطهّراً أو غيره من الآثار المترتبة على المياه شرعاً ، فهو خارج عن محل الكلام رأساً .

   وثانيها : المضاف وتأتي أحكامه عن قريب إن شاء الله تعالى .

   وثالثها : الماء المطلق وهو المقصود بالكلام هنا .

   أقسام الماء المطلق

   (1) المعروف بين الأصحاب تقسيم الماء المطلق إلى أقسام ثلاثة : الجاري وماء البئر والمحقون بكلا قسميه من الكر والقليل، وكأنهم (قدس سرهم) نظروا في تقسيمهم هذا إلى مياه الأرض ، ولذا لم يعدّوا منها ماء المطر وعنونوه بعنوان آخر مستقل .

   وقد قسمه في المتن إلى الجاري والنابع غير الجاري والبئر والكر والقليل ، وهذا هو الصحيح ، لأن النابع غير الجاري مما لا يصدق عليه شيء من عنواني الجاري والبئر ، فهو قسم آخر مستقل ولا وجه لادراجه تحت أحدهما كما صنعوه ، ومن هنا لا تجري الأحكام الخاصة المترتبة على الجاري والبئر في النابع المذكور ، ككفاية

ــ[3]ــ

   وكل واحد منها مع عدم ملاقاة النجاسة طاهر مطهّر من الحدث والخبث (1)

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الغسل مرة من البول في الجاري ووجوب نزح الجميع أو سائر المقدرات في البئر ، فإنّه على القول به يختص بالبئر ولا يأتي في النابع بوجه .

   وعلى الجملة إن كان نظر المشهور في تقسيمهم هذا ، إلى الأحكام الخاصة المترتبة على كل واحد من الأقسام فلا بدّ من إضافة النابع غير الجاري إلى تقسيمهم فلا  يصح الاقتصار على تثليث الأقسام كما عرفت ، وإن كان نظرهم في ذلك إلى خصوص الانفعال وعدمه من الآثار وتقسيم الماء بهذا اللحاظ ، فحينئذ لا بدّ من تثليث الأقسام ولكن لا كما ذكروه ، بل بأن يقسّم الماء إلى كر وغير كر ، وغير الكر إلى ما له مادة وما ليس له مادة ، والكر والقليل الذي له مادة لا ينفعلان بملاقاة النجس ، والقليل الذي ليس له مادة ينفعل لا محالة .

   وعلى كل تقدير فلا بدّ من إضافة ماء الحمّام أيضاً في كل من تقسيمي المعروف والمتن ، إذ لماء الحمّام مباحث خاصة كما تأتي في محلّه . فإن عدم انفعال الأحواض الصغيرة في الحمّامات إنّما هو من جهة اتصالها بالمادة الجعلية فيها وهي عالية عن سطح الحياض ، مع أن اعتصام السافل بالعالي كاعتصام العالي بالسافل على خلاف المرتكز عند العقلاء ، ويحتاج إلى دليل لاعتبار التساوي بين الماءين في الاعتصام بنظرهم .

   وعليه فلا بدّ من تربيع الأقسام بأن يقال : الماء إما كر أو غير كر ، والثاني إما أن يكون له مادة أو لا يكون ، وما له المادة إما أن تكون مادته أصلية وإما أن تكون جعلية .

    طهوريّة الماء المطلق

   (1) قد تسالم المسلمون كافة على طهارة الماء المطلق في نفسه ومطهّريته لغيره من الحدث والخبث ، بجميع أقسامه من ماء البحر والمطر والبئر وغيرها ، ولم ينقل من أحد منهم الخلاف في ذلك إلاّ عن جماعة منهم أبو هريرة وعمرو بن العاص ، وعبدالله

ــ[4]ــ

ابن عمر حيث نسب إليهم الخلاف في مطهّرية ماء البحر عن الحدث (1) ، وصحة النسبة وعدمها موكولة إلى غير المقام . وهذا مضافاً إلى التسالم المتقدم ذكره وأن الضرورة قاضية بطهارة الماء في نفسه ومطهّريته لغيره ، يمكن أن يستدل عليه ببعض الآيات وجملة من الروايات الواردة في المقام .

   فمنها قوله تعالى : (وأنزلنا من السّماء ماءً طهُوراً ) (2) حيث إنّه سبحانه في مقام الامتنان وبيان نعمائه على البشر ، وقد عدّ منها الماء ووصفه بالطهور ، وظاهر صيغة الطهور هو ما يكون طاهراً في نفسه ومطهّراً لغيره على ما اعترف به جمع كثير .

    المناقشات في الاستدلال

   هذا وقد نوقش في الاستدلال بالآية المباركة من جهات :

   الجهة الاُولى : هي ما نقل عن بعض أهل اللغة من أن الطهور بمعنى الطاهر (3) ، وعليه فلا تدل الآية على مطهرية الماء لغيره . وعن بعض آخر أن الطهور فعول وهو من إحدى صيغ المبالغة كالأكول ومعناه : أن طهارة الماء أشد من طهارة غيره من الأجسام فهو طاهر بطهارة شديدة بخلاف غيره من الأجسام، فالآية لا دلالة لها على مطهّرية الماء .

   وهذان الايرادان فاسدان .

   أمّا الأول : فلأجل أن الطهور غير ظاهر في الطاهر من دون أن يكون مطهراً لغيره ، وإلاّ فلو صحّ إطلاق الطهور على ما هو طاهر في نفسه خاصة لصحّ استعماله في غير الماء من الأجسام أيضاً فيقال : الشجر أو الخشب طهور أو يقال : البواطن طهور وظاهر الحيوانات طهور مع أن الاطلاق المذكور من الأغلاط الفاحشة .

   وأمّا الثاني : فلأن الطهور وإن كان فعولاً وهو من صيغ المبالغة بمعنى أ نّها ربّما

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التذكرة 1 : 11 .

(2) الفرقان 25 : 48 .

(3) المصباح المنير : 379 .

ــ[5]ــ

يستعمل في المبالغة كما في مثل الأكول ، إلاّ أ نّه في المقام ليس بهذا المعنى جزماً . وتوضيح ذلك : أن استعمال الطهور بمعنى أشد طهارة وكونه أنظف من غيره وإن كان صحيحاً ، وربّما يستعمل بدله لفظ أطهر فيقال : إن هذا الشيء أطهر لك كما في قوله تعالى : (هؤلاءِ بناتي هُنّ أطهر لكم ) (1) أي أوقع في الجهات الشهوية من غيرها . وقوله تعالى : (شراباً طهُوراً ) (2) أي أشد نظافة إلاّ أن ذلك كلّه في الاُمور الخارجية التي لها واقع ، كما في الطهارة الخارجية بمعنى النظافة فيقال : هذا الثوب أطهر من ثوبك أي أشدّ نظافة من ثوبك .

   وأمّا في الاُمور الاعتبارية التي لا واقع لها إلاّ حكم الشارع واعتباره كما في الطهارة المبحوث عنها في المقام والملكية والزوجية وغيرها من الأحكام الوضعية التي اعتبرها وجعلها في حق المكلفين ، فهي مما لا يعقل اتصافه بالأشدية والأقوائية كما ذكرناه في بحث الأحكام الوضعية ، فلا يصح أن يقال : إن ملكك بالدار أشدّ من ملكك بالكتاب أو إن حكم الشارع بالطهارة في هذا الشيء أشدّ من حكمه بها في الشيء الآخر ، فإنّ الشارع إن حكم فيهما بالطهارة أو بالملكية فهما على حد سواء ، وإلاّ فلا  طهارة ولا ملكية في البين أصلاً ، ففي الاُمور الاعتبارية لا معنى للاتصاف بالشدّة والضعف ، بل الأمر فيها يدور دائماً بين الوجود والعدم والنفي والاثبات ، وعليه فلا  يعقل استعمال الطهور في الآية بمعنى المبالغة .

   وتوهّم أن شدّة الطهارة في الماء باعتبار أ نّه لا ينفعل بملاقاة النجس ما لم يتغير .

   يدفعه أولاً : أنّ هذا مما يختص ببعض أفراد المياه ولا يعم جميعها ، مع أن الطهور وصف لطبيعي الماء أين ما سرى .

   وثانياً : أنّ استعمال لفظ الطهور لو كان بلحاظ عدم الانفعال بملاقاة النجس لصحّ حمله على البواطن ، بل على ظاهر الحيوان أيضاً على قول مع أ نّه من الاغلاط .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هود 11 : 78 .

(2) الانسان 76 : 21 .

ــ[6]ــ

   وممّا يدلّنا على ما ذكرناه : ما ورد في الأخبار من أن التراب أحد الطهورين (1) فإنّه لو اُريد من الطهور فيها ما هو طاهر في نفسه لما صحّ هذا الاستعمال قطعاً ، فإن سائر الأجسام أيضاً من الطاهرات كالخشب والمدر فما وجه تخصيصه التراب والماء بذلك ؟ كما هو الحال ـ  أي لا يصح الاستعمال المذكور  ـ فيما لو اُريد منه المبالغة ، لأن التراب نظير غيره من الأجسام ، وليس فيها أشدية في الطهارة كما لا يخفى .

   أضف إلى ذلك كلّه ما في بعض الروايات من أن التيمم طهور (2) فإنّه صريح فيما ادعيناه في المقام من عدم كون هيئة الطهور موضوعة للطاهر أو للمبالغة ، فإن التيمم ليس إلاّ ضربة ومسحة وما معنى كونهما طاهرين أو كونهما أشد طهارة ؟ وعليه فلا  مجال لهذين الايرادين بوجه .

   وإذا بطل هذان المعنيان تتعين إرادة المعنى الثالث ، وهو كونه بمعنى ما يتطهر به نظير السحور والفطور والحنوط والوضوء والوقود ، بمعنى ما يتسحر به أو ما يفطر به وهكذا غيرهما . وبعبارة اُخرى ما يكون منشأ للطهارة أو التسحر والجامع ما يحصل به المبدأ ، وبهذا المعنى استعمل في الخبرين المتقدمين . وعليه فالطهور يدل بالدلالة المطابقية على أن الماء مطهّر لغيره ومنشأ لطهارة كل شيء ، وبالدلالة الالتزامية يدل على طهارة نفسه ، فإن النجس لا يعقل أن يكون منشأ للطهارة في غيره . ولعلّ من فسّره من الفقهاء ومنهم صاحب الجواهر (قدس سره) : بما يكون طاهراً في نفسه ومطهّراً لغيره (3) ، أراد ما ذكرناه من دلالته على المطهرية بالمطابقة وعلى طهارته بالالتزام ، وإلاّ فلم توضع هيئة الطهور «فعول» للمعنى الجامع بين الطاهر والمطهّر .

   ودعوى أن الروايتين وردتا في الطهارة الحدثية ، وهي المراد من مادة الطهور فيهما والكلام في الأعم من الطهارة الحدثية والخبثية .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كما ورد مضمونه في صحيحة محمد بن حمران ، وجميل بن دراج جميعاً عن أبي عبدالله (عليه السلام) المرويّة في وسائل الشيعة 3 : 385 / أبواب التيمم ب 23 ح 1 .

(2) ورد مضمون ذلك في صحيحتي زرارة المروية في الوسائل 3 : 381 / أبواب التيمم ب 21 ح 1 ومحمد بن مسلم المروية في الوسائل 3 : 370 / أبواب التيمم ب 14 ح 15 .

(3) الجواهر 1 : 64 .

ــ[7]ــ

   مندفعة بأنهما وإن وردتا في الحدثية من الطهارة ، إلاّ أن الكلام في المقام إنّما هو في هيئة صيغة الطهور لا في مادتها ، سواء أ كانت مادتها بمعنى الخبثية أم كانت بمعنى الحدثية ، فالتكلّم في مادتها أجنبي عمّا هو محط البحث في المقام . وقد عرفت أن الهيئة في الطهور بمعنى ما تنشأ منه الطهارة وما يحصل به المبدأ .

   الجهة الثانية من المناقشات : أنّ الآية على تقدير دلالتها فإنّما تدلّ على طهورية الماء المنزل من السماء وهو المطر ، فلا دلالة فيها على طهورية مياه الأرض من ماء البحر والبئر ونحوهما .

   وهذه المناقشة لا ترجع إلى محصّل ، وذلك لما ورد في جملة من الآيات وبعض الروايات (1) من أن المياه بأجمعها نازلة من السماء ، إما بمعنى أن الله خلق الماء في السماء فهناك بحـار وشـطوط ثم أنزله إلى الأرض فتشكّل منه البحار والأنهار والشطوط والآبار ، أو بمعنى أن الله خلق الماء في الأرض إلاّ أ نّه بعد ما صار أبخرة باشراق الشمس ونحوه صعد إلى السماء فاجتمع وصار ماء ، ثم نزل إلى الأرض كما هو مذهب الحكماء والفلاسفة ، وهذا المعنى لا ينافي نزول الماء من السماء لأ نّه بمعنى نزول أمره من السماء . ويدل عليه قوله تعالى : (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للنّاس ) (2) فإنّه لم يتوهّم أحد ولا ينبغي أن يتوهّم نزول نفس الحديد من السماء .

   ومن جملة الآيات الدالّة على ما ادعيناه من نزول المياه بأجمعها من السماء قوله تعالى : (وإن من شيء إلاّ عندنا خزائنه وما ننزله إلاّ بقدر معلوم ) (3) وقوله تعالى : (ألم ترَ أن الله أنزل من السّماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ) (4) وقوله تعالى :

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ففي البرهان المجلد 3 ص 112 عن تفسير علي بن إبراهيم ما هذا نصه : «ثم قال : وعنه وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكنّاه في الأرض ... فهي الأنهار والعيون والآبار» ولا يرد عدم اشتمال الرواية على ماء البحر ، فإنّه إنّما يتشكل من الأنهار ، فلا يكون قسماً آخر في مقابلها .

(2) الحديد 57 : 25 .

(3) الحجر 15 : 21 .

(4) الزمر 39 : 21 .

ــ[8]ــ

(وأنزلنا من السّماء ماء بقدر فاسكنّاه في الأرض وإنّا على ذهاب به لقادرون ) (1) إلى غير ذلك من الآيات . فهذه المناقشة ساقطة .

   الجهة الثالثة من المناقشات : أن الماء في الآية المباركة نكرة في سياق الاثبات وهي لا تفيد إلاّ أن فرداً من أفراد المياه طهور ، ولا دلالة فيها على العموم .

   ويدفعها : أن الله سبحانه في مقام الامتنان على جميع طوائف البشر لا على طائفة دون طائفة ، وهذا يقتضي طهارة جميع المياه . على أن طهورية فرد من أفراد المياه من دون بيانه وتعريفه للناس مما لا نتعقل فيه الامتنان أصلاً ، بل لا يرجع إلى معنى محصل ، فالآية تدل على طهورية كل فرد من أفراد المياه .

   ومن جملة الآيات التي يمكن أن يستدل بها على طهورية الماء ، قوله تعالى : (وينزل عليكم من السّماء ماءً ليطهّركم به ) (2) وهذه الآية سليمة عن بعض المناقشات التي أوردوها على الآية المتقدمة ، كاحتمال كون الطهور بمعنى الطاهر أو بمعنى المبالغة . نعم ، يرد عليها أيضاً مناقشة الاختصاص بماء السماء ومناقشة عدم دلالتها على العموم لكون الماء نكرة في الآية المباركة ، والجواب عنهما هو الجواب فلا نعيد .

   ثم إنّه ربّما تورد على الاستدلال بهذه الآية مناقشة اُخرى كما تعرض لها في الحدائق (3) وغيره . وملخّصها عدم دلالة الآية على التعميم ، لا لأجل أن الماء نكرة بل لأ نّها وردت في طائفة خاصة، وهم المسلمون الذين كانوا يحاربون الكفّار في وقعة بدر ، ومع اختصاص المورد لا يمكن التعدي عنه .

   والجواب عن ذلك : أن هناك روايات دلتنا على أن ورود آية من آيات الكتاب في مورد ، أو تفسيرها بمورد خاص لا يوجب اختصاص الآية بذلك المورد ، لأن القرآن يجري مجرى الشمس والقمر ، ويشمل جميع الأطوار والأعصار من دون أن يختص

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المؤمنون 23 : 18 .

(2) الأنفال 8 : 11 .

(3) الحدائق 1 : 172 .

ــ[9]ــ

بقوم دون قوم ، بل وفي بعض الأخبار أن الآية لو اختصت بقوم تموت بموت ذلك القوم(1) ، وفي رواية (2) أن الإمام (عليه السلام) طبّق قوله تعالى : (الّذين يصلون ما أمر الله به أن يُوصل ) (3) على أنفسهم وقال : إنها وردت في رحم آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقد تكون في قرابتك ثم بيّن (عليه السلام) أن مرادنا من ورود الآية في مورد أ نّه مصداق وممّا ينطبق عليه تلك الآية ، لا أن الآية مختصة به . فهذه الشبهة أيضاً مندفعة فلا مانع من الاستدلال بها من تلك الجهات .

   تزييف الاستدلال : ولكن الانصـاف أن الآيتين ممّا لا دلالة له على المـطلوب والوجه في ذلك : أن الطهور والطهارة مما لم تثبت له حقيقة شرعية ولا متشرعية في زمان نزول الآيتين ، ولم يعلم أن المراد من الطهور هو المطهّر من النجاسات ولم يظهر أ نّه بمعنى الطهارة المبحوث عنها في المقام ، ولعلّ المراد منها أن الله منّ عليكم بخلق الماء وجعله طاهراً عن الأوساخ المنفّرة ، ومطهّراً من الأقذار العرفية ، فإن الإنسان ليس كالحيوان بحيث لو لم يرَ الماء شهراً أو شهوراً متمادية لا يكون مورداً للتنفّر عرفاً ولا يستقذره العقلاء ، بل هو يحتاج في تنظيف بدنه ولباسه وأوانيه وغيرها إلى استعمال ماء طهور ، فهو طاهر في نفسه ومطهّر عن الأقذار وقد جعله الله تعالى كذلك من باب

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فروى العياشي في تفسيره [ ج 1 ص 10 ] باسناده عن أبي جعفر (عليه السلام) انّه قال : «القرآن نزل أثلاثاً ثلث فينا وفي أحبائنا ، وثلث في أعدائنا وعدو من كان قبلنا ، وثلث سنة ومثل ، ولو أن الآية إذا نزلت في قوم ثم مات اُولئك القوم ماتت الآية لما بقي من القرآن شيء ولكن القرآن يجري أوله على آخره» الحديث . رواه في الوافي المجلد التاسع في باب متى نزل القرآن وفيم نزل من أبواب القرآن وفضائله [ ص 1769 ] . ونقل في مرآة الأنوار ص 5 من الطبعة الحديثة مضمونه عن تفسير العياشي تارة وعن تفسير فرات بن إبراهيم اُخرى . ونقل غير ذلك من الأخبار التي تدل على ما ذكرناه ، فليراجع .

(2) وهي ما رواه في الكافي 2 : 156 / 28 عن عمر بن يزيد قال : قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) (الّذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ) قال : نزلت في رحم آل محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقد تكون في قرابتـك ثم قال : فلا تكوننّ ممّن يقول للشيء إنّه في شيء واحد .

(3) الرعد 13 : 21 .

ــ[10]ــ

الامتنان ، إذ لولاه لوقع الإنسان موقع التنفّر والاستقذار ، فالآية ناظرة إلى بيان هذا المعنى لا بمعنى أن الماء مطهّر من النجاسات المصطلحة المبحوث عنها في المقام ، لعدم ثبوت الحقيقة الشرعية والمتشرعية في شيء من الطهارة والطهور ، بل ولعلّ أحكام النجاسات لم تكن ثابتة في الشريعة المقدسة حين نزول الآيتين أصلاً ، حيث إن تشريع الأحكام كان على نحو التدريج لا محالة .

   ويؤيد ذلك أن الآيات القرآنية لم تشتمل على شيء من عناوين النجاسات وقذارتها إلاّ في خصوص المشركين لقوله تعالى : (إنّما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام ) (1) . على أن فيه أيضاً كلاماً في أن المراد بالنجس هل هو النجاسة الظاهرية المصطلحة ، أو أنه بمعنى النجاسة المعنوية وقذارة الشرك كما يناسبها تفريعه تعالى بقوله : (فلا يقربوا المسجد الحرام ) فإنّ النجس الظاهري لا مانع من دخوله وإدخاله المسجد على المعروف كما يأتي في محلّه .

   وكيف كان فلا دلالة في الآيتين على المطلوب . أجل ، لا نضايق من إلحاق النجاسة الحدثية أعني الجنابة بالأقذار العرفية في دلالة الآية على طهورية الماء بالاضافة إليها والوجه في ذلك : أن الصلاة كانت مشروعة من ابتداء الشريعة المقدسة قطعاً ولا صلاة إلاّ بطهور ، وقد استعمل الطهور في الاغتسال عن الجنابة في قوله تعالى : (وإن كنتم جنباً فاطهروا ) (2) فإنّه في مقابل التيمم عن الجنابة عند عدم وجدان الماء في قوله تعالى : (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النّساء فلم تجدوا ماءً فتيمّموا صعيداً طيباً ) وبهذا نلحق الاغتسال عن الجنابة إلى مفاد الآيتين ، كما يناسبه مورد الآية الثانية ، فمعناها : أن الله أنزل عليكم الماء ليزيل عنكم أقذاركم من الدماء والأوساخ الطارئة في الجدال ، وأحداثكم إذا ابتليتم بالجنابة .