ــ[1]ــ

 بسم الله الرّحمن الرّحيم

كلمة المؤسّسة

   ترى «مؤسّسة إحياء آثار الإمام الخوئي»  من الواجب عليها أن تنهض بإخراج هذه الآثار العلميّة ، في مسلسلات فقهيّة واُصوليّة وتفسيريّة ـ  من أبحاث الإمام الخوئي التي ألقاها على الفضـلاء ، من طلاّب الحـوزة العلميّة في النجف الأشرف  ـ بتنسيق فريد ، ومزايا تليق بهذا المستوى من الآثار العلميّة .

   وكان شروعه (قدس سره) بتدريس فروع العروة الوثقى في 27  / ربيع الأوّل من سنة 1377هـ  ، مبتدئاً بكتاب الاجتهاد والتقليد .

 المجموعة الفقهيّة  :

   تقدِّم المؤسّسة الأبحاث الفقهيّة في مسلسلات وحلقات ومجلّدات مترابطة :

   1 ـ ( التّنقيح )  في شرح العروة الوثقى : تقرير تلميذه آية الله الشيخ ميرزا علي الغروي ، في مجلّد واحد يبحث عن ( التقليـد ) ، وتسع مجلّدات اُخريات في موضـوع (الطّهارة) .

   2 ـ ( المُستند )  وهو تقرير آية الله الشيخ مرتضى البروجردي ، في عشر مجلّدات تبحث عن ( الصّلاة ) ومجلّدان في ( الصّوم ) ، ومجلّدان آخران في ( الزّكاة ) ، ومجلّد واحد في ( الخُمْس ) ، ومجلّد واحد في بحث ( الإجارة ) .

   3 ـ ( المُعتمد )  وهو تقرير آية الله السيِّد محمّدرضا الموسوي الخلخالي ، في أربع مجلّدات ، تبحث في ( الحج ) .

ــ[2]ــ

   4 ـ ( المباني )  وهو تقرير الشهيد السعيد حجّة الاسلام والمسـلمين السيِّد محمّد تقي الخوئي ، نجل الامام الخوئي ، في مجلّدين في مبحث ( النِّكاح ) ، ومجلّد واحد في ( المُضاربة ) و  ( المُساقاة ) .

   وتبلغ مجموعة القسم الفقهيّ في هذه الموسوعة الكبرى أربعاً وثلاثين مجلّداً مع الفهارس .

 مزايا هذه الموسوعة  :

   1 ـ بذل الجهد في تقويم المتن والشّرح ، وضبطه وتصحيحه ، مع التحفّظ والتحرّز ـ  مهما أمكن  ـ على حفظ نصوص هذه الكتب ، واُسلوبها البياني .

   2 ـ تحديد النصوص ، وجعل العلامات المناسبة لها .

   3 ـ ضبط وإلحاق تعليقات الإمام الخوئي على حاشية العروة الوثقى .

   4 ـ تخريج الآيات والأحاديث ، والأقول والآراء ، وغيرها ، وإرجاعها إلى المصادر الاُم .

   5 ـ تعيين ما اُشير إليه في الكتب من صفحات حول : (ما تقدّم) و  (ما يأتي) ، وما اُحيل فيه إلى سائر الأبحاث الفقهيّة والاُصوليّة والرِّجاليّة وغيرها .

   6 ـ تنظيم فهارس عامّة تشمل أهم موضـوعات الكتب ومصـادرها وآياتها ورواياتها .

   وجميع هذه الكتب الفقهيّة في الوقت الحاضر بيد التحقيق والإخراج .

   هذا ونسأله تعالى أن يحالفنا التوفيق إلى إنجاز هذا العمل العلمي إحياءً لفقه العترة الطاهرة ، حسبة لله وطلباً لمرضاته ، والله ولي التوفيق .

 

مؤسّسة

إحياء آثار الإمام الخوئي

 10 / ذي الحجّة الحرام / 1417 هـ  ق

ــ[3]ــ 

 مقدّمة

موسوعة الإمام الخوئي

 للعلاّمة السيِّد مرتضى الحكمي

 ــ[4]ــ

المرجعيّة بدايتها ونهايتها . مقوّمات المرجعية ومراحلها . دعم مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) . ركائز الحكم الاسلامي . مفهوم النيابة العامّة . مفهوم الولاية المطلقة . الولاية في القرآن . مناقشات حول الولاية المطلقة . ولاية الفقيه . المرجعيّة العُليا . مُعطيات مرجعيّة الإمام الخوئي العُليا . مسؤوليّات مرجعيّة الإمام الخوئي . بين الحكومة الاسلامية وحاكميّة الاسلام . حياته السياسيّة . خصائصه السلوكيّة والذاتيّة . سياسته الحوزويّة. سياسته الفتوائيّة. واقع الاجتهاد عند الامام الخوئي. موقف الامام الخوئي من الاجتهاد السياسي . الاتجاهات التجدّديّة . منهجيّة الإمام الخوئي في إحياء العلوم . إبداعاته في علوم القرآن . النهج التفسيري للإمام الخوئي . موضوع الناسخ والمنسوخ . إعجاز القرآن على مفهوم جديد . نزعة التعايش المذهبيّ في تفسيره . وجهات النظر حول تفسير البيان . تفاعلات حول القراءات والأحرف السبعة . مردودات الباحثين . اشادات المعنيِّين بعلوم القرآن . من إبداعاته في الاُصول . من إبداعاته في الفقه والقواعد الفقهيّة . من إبداعاته في الفلسفة الاسلامية . من إبداعاته في علم الرِّجال . خاتمة المطاف . عوداً على بدء .

ــ[5]ــ

 بسم الله الرّحمن الرّحيم

 

الإمام الخوئي

قائداً للدِّين ورائداً للعلم  (1)

    الواقع : إنّ الإشادة بشخصيّة الإمام الخوئي الكفوءة ، ذات الأبعاد الشاسعة ، المشحونة بالروائع والأحداث ، وملابسات الاُمور يصعب الإلمام بها ، والبتّ فيها .

   فإن أوفى المتحدِّث عن تاريخ حياته العامّة ، فانّه يقصر عن الإيفاء بمكانته العلمية ، وإن استطاع أن يلم بقدر من ذلك ، فانّه يذهل أمام بطولاته الجهادية والسياسية ، ومجمل مواهبه ، وميزاته ، وعبقريّاته .

   والحق : إنّ حياة الإمام الخوئي ـ  كلّها  ـ مزاياً علميّة ، وجهاديّة ، وسلوكيّة تفرّد بها ، كما تفرّد بما اُوتي من إبداعات علميّة ، كشفت عمّا وهبه الله من قوّة الابتكار ، وعمق التفكير ، وتوقّد الذهن ، ودقّة النظر ، تلك العوامل التي كوّنت منه الشخصيّة الملهمة ، وجمعت فيه عناصر النبوغ في العلوم العقليّة والنقليّة ، على مستوى القمّة من العلم والإبداع .

   كان يتحلّى بالجهد في رفع مستوى العلم والإجتهاد ، تذوب زعامته في الجهاد العلمي والسياسي والاجتماعي ، ودعم الصحوة الاسلاميّة بالرِّيادة والقيادة .

   تنزع شخصيّته إلى الوحدة الاسلاميّة ، والتعايش المذهبيّ في توحيد ثقافة المسلمين ، وعقيدتهم بالثوابت من الاسلام ، حاول في كلّ ذلك بلورة العقائد الاسلامية المأثورة حتّى أصبح موئلاً للمسلمين .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وُلِدَ عام 1317 هـ  ، وتوفِّي عام 1413 هـ  .

ــ[6]ــ

المرجعيّة ـ بدايتها ونهايتها  :

   بدأت المرجعيّة في الاسلام بالرجوع إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة (عليهم السلام) ، فيما شرّعه الله في هذه الآيات : (فلا وربّك لا يؤمنون حتّى يحكِّموكَ فيما شجر بينهم ... )(1) (ولو ردّوه إلى الرّسول وإلى اُولي الأمر منهم لعلمه الّذين يستنبطونه... )(2) لخلافتهم عن الرسول ، وبما أودعهم من علم وقضاء وحكم ، ثمّ إلى النوّاب الأربعة في النيابة الخاصّة في الغيبة الصغرى ، ثمّ إلى الأمثل من الفقهاء الذين حقّت أهليّتهم للنيابة العامّة في عصر الغيبة الكبرى .

   وبذلك يحقّ لنا أن نقول : بدأ الدِّين بالوحي والبلاغ ، وانتهى إلى الفتوى والتقليد ، وبتعبير آخر بدأ بالتمسّك بالرسالة الإلهيّة ، وخُتِمَ بالأخذ من الرسالة العمليّة للفقهاء .

 مقوّمات المرجعية ومراحلها  :

   1 ـ المرجعيّة الدينيّة : وتستلزم القدرة على الإجتهاد والإفتاء ، وتيسير الأحكام للمكلّفين .

   2 ـ المرجعيّة العلميّة : وتتطلّب التأهّل لإدارة الحوزة العلمية ، ورفع مستواها ، ومحاولة تطوير العلوم الاسلامية ، وتحويرها ، بما يُلقى عليها من دروس اجتهاديّة حرّة مستجدّة، في مباني الفقه والاُصول، والتفسير، والرِّجال ـ  وهي من معدّات الإجتهاد  ـ وبما يعدّ لها من أبحاث ، ومجتهدين .

   3 ـ المرجعيّة العامّة : وتتحقّق بالتأهّل لتلك المقوّمات العلميّة والدينيّة ، لتكون قاعدة صلدة ، قادرة على أداء مسؤوليّاتها ، في تقوية الدين والإيمان ، والثّبات عليه .

   4 ـ المرجعيّة العُليا : وتستقر على ركائز القيادة العامّة ، التي تميِّزها الأعلميّة ، والاقتدار الفائق على حفظ رقعة الاسلام ، وتحصّن المسلمين ، في مختلف الأحداث العالميّة التي تهدِّدهم وتهدفهم ، وتحاول الإطاحة بهم ، وتعمل على نهب ثرواتهم ، وسحق

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) النساء : 65  .

(2) النساء : 83  .

ــ[7]ــ

مقدّساتهم ، والتّلاعب بمقدّراتهم ، كما تمكِّنهم من الوقوف صفّاً واحداً ، ويداً واحدة على أعدائهم ، بالتماسك ، والنفر ، والجهاد ، والوقوف وراء هذه المرجعيّة العليا التي تميّزت بأفضل ما تميّزت به المرجعيّات الاُخرى ، وأن تعدّ لهم ما استطاعوا من قوّة ، وفي مقدّماتها وحدة الكلمة ووحدة القيادة ، والتمسّك بكلمة التوحيد .

   وعلى ذلك تدرّج الإمام الخوئي من مرحلة إلى اُخرى ، حتّى حاز المرجعيّة العُليا ، بجَدارة ، وتفوّق ، وحتّى قاد الثورة على الظلم والطّغيان .

   وهكذا تدرّج الإمام الخوئي ، في نبوغه طالباً للعلم ، ثمّ اُستاذاً للعلوم ، ثمّ محقِّقاً يعدّ المجتهدين ، ثمّ زعيماً يقود المسلمين في العالم الاسلامي .

   فكان السيد الخوئي ـ  في مرجعيّته العالميّة  ـ شديد الاحتياط في الدين ، وشديد الحذر والتحفّظ في السياسة ، وحديد النظر فيما يجري من اُمور ، لا يقدم على شيء يستغلّه الحكّام في مجرى السياسة وحركاتها .

   وبقي طيلة حياته ; مدافعاً عن الاسلام والمسلمين ، مُسانداً للحوزات العلميّة من أن تمتد إليها يد الاستعمار وأذنابه بالتحرّف .

 دعم مدرسة أهل البيت :

   ومن الثابت أنّ لأهل البيت (عليهم السلام) مدرسة وطريقة ، وليست مذهباً  كسائر المذاهب التي نجمت عن اجتهاد المجتهدين ، وما يُسمّى بمذهب أهل البيت (عليهم السلام) ـ  تجوّزاً  ـ ليس إلاّ واقع الاسلام ، وأصله الذي بنى عليه الرسول رسالته التشريعيّة والاعتقاديّة .

   فإنّ أهل البيت (عليهم السلام) ليسوا إلاّ حملة الرسالة وحُماتها ، لا يختلفون في أقوالهم وأفعالهم عمّا جاء به الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولذلك اقتضت عصمتهم وإمامتهم بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وكانوا أحد الثّقلين المتماثلين الّذين يجب التمسّك بهما .

   والواقع : انّهم ليسوا برواة ـ  كغيرهم  ـ بل هم يفرغون عن سنّة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، تلك التي ضاعت بين السّنن ، والمذاهب فأكّدوا عليها من غير رأي أو اجتهاد .

   وكان الإمام الخوئي يسعى جاهداً في أداء ما مضى عليه أهل البيت (عليهم السلام) . وكان

ــ[8]ــ

يتعامل مع هذه المسؤولية على مستوى ما يتطلّبه عصره ، من فهم وتحليل ، وإبداع في العلوم الاسلامية ، وقيام بالنيابة العامّة ، كما أحيى بفقاهته فقه آل محمّد في عصره .

   ويصرِّح في عقيدته الولائية لأهل البيت (عليهم السلام) عن عليّ وفاطمة وابنتهما (عليهم السلام) بقوله :

   1 ـ عليّ بن أبي طالب : ( انّه بمنزلة نفس الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وخليفته المنصوص عليه ، في حديث الغدير ، وغيره ) .

   2 ـ فاطمة الزهراء : ( وهي معصومة بضرورة مذهبنا ، ولولا عليّ لما وجد لها كفؤ ، لأ نّها سيِّدة نساء العالمين ، على ما نطقت به الروايات ) .

   3 ـ زينب : ( انّها شريكة أخيها الحسين (عليه السلام) في الذبّ عن الاسلام ، والجهاد في سبيل الله ، لا تخضع عند الجبابرة ... تقول حقّاً وصِدقاً )(1) .

   وانبرى الإمام الخوئي للإشادة بشيخ الأزهر الشريف على فتواه الشهيرة في جواز التعبّد بالمذهب الخامس الإماميّ ، فقهاً وعقيدةً ، دعماً للوحدة بين المسلمين ، ولمدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ، ولحقِّهم المُضاع .

 ركائز الحكم الاسلامي  :

   وعلى ضوء انّ الدين الاسلامي دين خالد ، كان ينبغي أن يؤزر بحجّة خالدة هما القرآن والعترة (عليهم السلام) ، ويعزّز بحكم اسلامي يرتكز على الإمامة والنيابة العامّة .

   ومن هذا المنطلق : يحقّ لنا أن نعرف : إنّ النيابة العامّة هي التي صدرت عن الإمام الغائب ، وهي الّتي أعطت الولاية العامّة للنوّاب ، وهي التي أوجدت المرجعيّة القائمة .

   ولهذا حقّ لنا أن نبحث عن اُمور ثلاثة على الترتيب :

   1 ـ النيابة العامّة

   2 ـ الولاية المطلقة

   3 ـ المرجعيّة العُليا .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) معجم رجال الحـديث وطبقات الرّواة ، بتقديم الكاتب ، انظر تراجم رقم 7850 و 15661 و  15625 .

ــ[9]ــ

الأوّل  ـ مفهوم النيابة العامّة :

   ولا بدّ لنا من الخوض في تفصيل ذلك ، من أن نطرح ـ  قبل كل شيء  ـ موضوع النيابة العامّة التي نشأت عنها الولاية والمرجعيّة ، واحدة تلو الاُخرى .

   وعند انتهاء أمد النيابة الخاصّة بالنوّاب الأربع في الغيبة الصغرى ، وغياب الامام المهدي الغيبة الكبرى لحكمة من الله ، ومصلحة للمسلمين : «ما دامت دولة الدنيا للفاسقين»(1) حيث : «لا يجد المؤمن ملجأً يلتجئ إليه من الظّلم ، فيبعث الله رجلاً من عترتي فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً ، كما مُلئت ظلماً وجوراً»(2) .

   فلم يقطع الإمام الغائب عن الاُمّة هدايته وإمامته في مختلف العصور ، ولم يتركهم بلا راع يرعاهم ، ودون حجّة تأخذ بأيديهم ، وهو الإمام الّذي : «يستضيئون بنوره ، وينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشّمس ، وإن تجلاّها السّحاب»(3) . وقد أناب عنه رواة أحاديثهم بهذه التصريحات :

   1 ـ «وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا، فانّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله
عليهم»
(4)، ممّن يليق بهم أن يكونوا حجّة على الناس .

   وفي هذا النص دلالات واضحة لا يمكن الخروج عليها بحال من الأحوال :

   أ ـ إنّ هذه النيابة العامّة التي جعلت النوّاب حجّة على الناس ، إنّما أعطوها من دون أصالة ، أو استقلال .

   ب ـ وقد خصّوا بها ـ  بوصفهم  ـ رواة أحاديثهم ، ليرجعوا إليها في تصريف الأمور ، وتدبير الحوادث ، ممّن يستطيعون أن يصلوا إلى أحكام الله بالإجتهاد والفتوى .

   ج ـ لم تكن هذه النيابة التي أعطتهم الولاية على الناس مطلقة حدّ الإطلاق الذي يغنيهم عن أن يكون الامام الغائب حجّة عليهم ، وأن لا يحرزوا رضاه ، وهو

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بحار الأنوار 1 / 246 .

(2) المستدرك على الصحيحين 4 / 465 .

(3) تفسير البرهان 1 / 381 .

(4) وسائل الشيعة ج 18 باب 11 من صفات القاضي ح 9 ، وإكمال الدين 2 / 162 .

ــ[10]ــ

غائب عنهم .

   د ـ إنّ هذه الولاية لم تنتزع من المعصوم الولاية المطلقة التي تستدعي انتقال العصمة ، والعلم بالغيب ، والإعجاز ، والخصائص الاُخرى الخارقة التي خوّلته الولاية المطلقة على حدّها . غير أ نّه لا يمنع ذلك من انتقال هذه الولاية بحكم النيابة العامّة على مستوى الزّعامة الكبرى ، وعلى حدّ مسؤوليّة الحكم وسعتها ، ومختلف شؤونها (1) وأحوالها . وهذه الولاية ، وإن كانت من الموضوعات ، وليست من الأحكام ، إلاّ أ نّه لا يمكن أن يكون هؤلاء الرّواة نقلة إلى غيرهم ، وقد اُرجع إليهم ـ  بالذّات  ـ النّظر في الحوادث كلّها . ولذلك كان المقصود بهم المجتهدون من أصحاب الحكم والفتوى ، كما أنّ المقصود من الفقيه هو الأفقه في الدِّين والأبصر بمقدِّرات الاُمّة ومستلزماتها ، ليصحّ الرجوع إليه دون غيره ، ولأ نّه يشمله رجوع الجاهل إلى العالِم ، باعتباره أوصل ممّن يجهل مبلغ علمه وفقاهته .

   2 ـ «مجاري الاُمور والأحكام على أيدي العلماء بالله ، الاُمناء على حلاله وحرامه»(2) ، وقد أعطى الفقهاء مسؤوليّة الحكم ، بما فيه التصدِّي للفتوى ، والاُمور العامّة التي تنتاب حياة المسلمين وبقاءهم .

   3 ـ «فأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه ، حافظاً لدينه ، مُخالفاً على هواه ، مُطيعاً لأمر مولاه ، فللعوام أن يُقلِّدوه»(3) هذا المنصب الخطير .