ــــــ

 بسم الله الرّحمن الرّحيم

    الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على أشرف الأوّلين والآخرين محمّد ، وآله الطيِّبين الطّاهرين واللّعن الدائم على أعدائهم إلى يوم الدين .

   وبعد ، فقد سبق أن وعدنا روّاد العلم الشريف المعاودة إلى تحرير مسائل الاجتهاد والتقليد من كتاب «العروة الوثقى» للإمام الفقيه محمّد كاظم الطباطبائي طاب رمسه .

   وبعد أن فرغنا من تنسيقها وإعدادها ـ  منذ عهد غير بعيد  ـ عزمنا على طبعها إجابة للطلب المتواصل من جمٍّ غفير من رجال العلم وحملة الفقه ـ  دامت تأييداتهم  ـ غير أنّ الاهتمام والانصراف إلى نشر كتابنا «التنقيح» أجزاء متتالية حال دون ذلك .

   ولمّا أن تكرّر الطّلب من شتّى الجـهات الذي ظلّ يحفِّزنا على إخراجـها آونة بعد اُخرى ، بادرنا إلى نشرها قبل إصدار الجزء الرابع مُتّكلين في ذلك على الله سبحانه ومستمدِّين من تأييداته ، إنّه نعم الوهّاب .

 المؤلف

ـــــ

كتاب

الاجتهاد والتقليد

ــــــ

ــ[1]ــ

 بسم الله الرّحمن الرّحيم

    الحمد لله ربّ العالمين ، وصلّى الله على محمّد خير خلقه وآله الطاهرين .

   وبعد فيقول المعترف بذنبه المفتقر إلى رحمة ربّه محمد كاظم الطباطبائي : هذه جملة مسائل مما تعم به البلوى وعليها الفتوى ، جمعت شتاتها وأحصيت متفرقاتها عسى أن ينتفع بها إخواننا المؤمنون وتكون ذخراً ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون والله وليّ التوفيق .

 [  الاجتهاد والتقليد  ]

    [ 1 ] مسألة 1 : يجب على كل مكلف (1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) وهل هذا الوجوب شرعي (نفسي أو طريقي أو غيري) أو أنه عقلي ؟

   الصحيح أنه عقلي ومعنى ذلك أن العقل يدرك أن في ارتكاب المحرّم وترك الواجب من دون استناد إلى الحجة إستحقاقاً للعقاب ، كما أن في ارتكاب المشتبهات إحتمال العقاب لتنجز الأحكام الواقعية على المكلفين بالعلم الاجمالي أو بالاحتمال كما يأتي تفصيله فلا مناص لدى العقل من تحصيل ما هو المؤمّن من العقاب وهذا يحصل بأحد الاُمور الثلاثة :

   فإن المجتهد إمّا أن يعمل على طبق ما قطع به بالوجدان كما في القطعيات والضروريات وهو قليل ، وإمّا أن يعمل على طبق ما قطع بحجيته من الأمارات والاُصول . كما أن المقلد يستند إلى فتوى المجتهد وهو حجة عليه على ما يأتي في مورده. وأما العامل بالاحتياط فهو يأتي بعمل يسبب القطع بعدم استحقاقه العقاب.

ــ[2]ــ

إذن وجوب الاُمور الثلاثة عقلي بمناط وجوب دفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب . ويترتب عليه بطلان عمل المكلف التارك للاجتهاد والتقليد والاحتياط ، على ما نبينه في الفرع السابع إن شاء الله .

   وليس هذا الوجوب غيرياً ولا طريقياً ولا نفسياً .

   أمّا عدم كونه غيرياً فلأنّ مقدّمة الواجب ـ على ما بيّناه في محلّه ـ ليست بواجبة شرعاً ، وليس أمرها مولوياً بوجه وإنّما هي واجبة عقلاً لعدم حصول الواجب إلاّ بها .

   على أ نّا لو سلمنا وجوب المقدمة فليس الاحتياط مقدمة لأي واجب فان ما أتى به المكلّف إما أنه نفس الواجب أو أنه أمر مباح ، وهو أجنبي عن الواجب رأساً لا أنه مقدمة لوجود الواجب وتحققه ، بلا فرق في ذلك بين أن يكون أصل الوجوب معلوماً وكان التردد في متعلقه كما في موارد الاحتياط المستلزم للتكرار ، وبين أن يكون أصل الوجوب محتملاً كما في موارد الاحتياط غير المستلزم للتكرار ، ومعه كيف يكون الاحتياط مقدمة لوجود الواجب .

   نعم ، ضمّ أحد الفعلين إلى الآخر مقدمة علمية للامتثال ، لأن به يحرز الخروج عن عهدة التكليف المحتمل . وكذلك الحال في الاحتياط غير المستلزم للتكرار ، لا أنه مقدمة وجودية للواجب ليجب أو لا يجب ، هذا كلّه في الاحتياط .

   وكذلك الاجتهاد والتقليد ، لأنهما في الحقيقة عبارتان عن العلم بالأحكام ومعرفتها ، ولا يكون معرفة حكم أي موضوع مقوماً لوجود ذلك الموضوع ومقدمة لتحققه بحيث لا يتيسّر صدوره ممن لا يعلم بحكمه ، فهذا كرّد السلام فإنه ممكن الصدور ممن لا يعلم بحكمه ، وكذلك الحال في غيره من الواجبات إذ يمكن أن يأتي بها المكلف ولو على سبيل الاحتياط من دون أن يكون عالماً بحكمها ، فلا يتوقف وجود الواجب على معرفته بالاجتهاد أو التقليد .

   نعم ، لا يتمكن المكلف في بعض الموارد من الاتيان بالعمل إلاّ إذا علم بما اعتبر فيه من القيود والشروط ، كما في الموضوعات المركبة مثل الصلاة والحج فإن الجاهل بأحكامهما غير متمكن على اصدارهما ، إلاّ أنه من الندرة بمكان .

ــ[3]ــ

   وأمّا عدم كونه وجوباً طريقياً فلأن المراد به ما وجب لتنجيز الواجب أو التعذير عنه وليس الاحتياط منجزاً للواقع بوجه ، لما سيأتي (1) من أن الأحكام الواقعية إنما تنجزت بالعلم الاجمالي أو بالاحتمال لمكان الشبهة قبل الفحص ، أو لوجود الأمارات القائمة عليها في مظانها كما تأتي الاشارة إليه . فالأحكام متنجزة قبل وجوب الاحتياط لا أنها تنجزت بسببه ، فلا معنى للوجوب الطريقي بمعنى المنجزية فيه ، كما لا معنى له بمعنى المعذرية لأنه لا يتصوّر في الاحتياط مخالفة للواقع ليكون وجوبه معذراً عنها ، لأنه عبارة عن اتيان الواقع على وجه القطع والبت فلا تتحقق فيه مخالفة الواقع أبداً . إذن لا معنى محصل للوجوب الطريقي في الاحتياط .

   وأمّا الاجتهاد والتقليد فقد يبدو للنظر أنهما كالاحتياط لا معنى للوجوب الطريقي فيهما بالإضافة إلى التنجيز ، لأن الأحكام الشرعية ـ كما أشرنا إليه ـ تنجزت قبل الأمر بهما من جهة العلم الاجمالي أو الاحتمال ، لا أنها تنجزت بسببهما . ثمّ على فرض عدم العلم الاجمالي من الابتداء أو انحلاله بالظفر بجملة معتد بها ، يستند التنجيز إلى الأمارات القائمة على الأحكام في مظانها لأن بها يستحق المكلف العقاب على مخالفة الواقع لا أنها تتنجز بالاجتهاد ، ومن هنا لو ترك الاجتهاد رأساً كانت الأحكام متنجزة في حقّه واستحق بذلك العقاب على تقدير مخالفة عمله الواقع، هذا في الاجتهاد .

   ومنه يظهر الحال في التقليد ، لتنجز الأحكام الواقعية بوجود فتوى من وجب على العامي تقليده وان ترك تقليده ، لا أنها تتنجز بالتقليد . فالوجوب الطريقي بمعنى التنجيز لا محصل له بالإضافة إلى الاجتهاد والتقليد .

   نعم ، الوجوب الطريقي بمعنى المعذرية فيهما صحيح ، كما إذا أفتى المجتهد بما أدى إليه رأيه وعمل به مقلّدوه ولكنه كان مخالفاً للواقع ، فإن اجتهاده حينئذ كتقليد مقلديه معذران عن مخالفة عملهما للواقع ، إلاّ أن ذلك لا يصحح القول بالوجوب الطريقي في الاجتهاد وعدليه وهو ظاهر ، هذا .

   ولكن الصحيح أن يقال : إن الكلام قد يفرض في موارد العلم الإجمالي بالأحكام

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع ص : 6 .

ــ[4]ــ

وقد يفرض في موارد عدمه من الابتداء أو وجوده وانحلاله بالظفر بمقدار معتد به من الأحكام .

   أمّا الصورة الاُولى : فالحال فيها كما بيّناه لأنه لا معنى للوجوب الطريقي حينئذ فإن مفروض الكلام تنجز الأحكام الواقعية بالعلم الاجمالي فلا مجال لتنجزها ثانياً بالأمر بالاحتياط أو التقليد أو الاجتهاد .

   وأمّا الصورة الثانية : فلا مانع فيها من الالتزام بكون وجوب الاحتياط وعدليه طريقياً أي منجزاً للواقع وذلك : لأن أدلة الاُصول الشرعية كما بيّناه في محلّه غير قاصرة الشمول لموارد الشبهات الحكمية قبل الفحص ، ومقتضى ذلك أن الأحكام الواقعية لا تتنجز على المكلفين في ظرف عدم وصولها . إذن يكون التنجز مستنداً إلى وجوب الاحتياط أو إلى تحصيل الحجة بالتقليد أو الاجتهاد بحيث لولا الأمر بها لم يكن أي موجب لتنجز الواقع على المكلفين . ومن ثمة قلنا في محله إن ايجاب الاحتياط طريقي لا محالة ، لما أشرنا من أن أدلة الاُصول الشرعية شاملة لموارد الاحتياط وهو يقتضي عدم تنجز الأحكام قبل الوصول ، فلو وجب معه الاحتياط فمعناه أن الواقع منجز على المكلف بحيث لو ترك الواقع بتركه العمل بالاحتياط لاستحق العقاب على مخالفته ، وهو معنى الوجوب الطريقي .

   ثمّ إن بما حققناه ينكشف أن مجرد وجود الحجة الواقعية لا يترتب عليه التنجيز بوجه ، لولا أدلة وجوب الاحتياط أو تحصيل الحجة بالتقليد أو الاجتهاد ، فإن الحجة الواقعية لا تزيد على الأحكام الواقعية في أنها لا تصحح العقاب ما لم تصل إلى المكلّف .

   ثمّ إن كون التقليد في موارد عدم العلم الاجمالي واجباً طريقياً يبتني على أن يكون معناه تعلم فتوى المجتهد أو أخذها ، وأمّا بناءً على ما هو الصحيح عندنا من أنه العمل إستناداً إلى فتوى المجتهد فالتقليد نفس العمل ولا معنى لكونه منجزاً للواقع ، فالمنجز على هذا هو الأمر بالتعلم بالتقليد أو الاجتهاد .

   وأمّا عدم كونه وجوباً نفسياً فلعلّه أوضح من سابقيه وذلك لأنه لا وجه له سوى توهّم أن تعلم الأحكام الشرعية واجب بدعوى استفادته من مثل ما ورد من أن

ــ[5]ــ

«طلب العلم فريضة»(1) وقوله عزّ من قائل: (فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لاتعلمون)(2) وغيرهما مما يمكن الاستدلال به على هذا المدعى كما ذهب إليه الأردبيلي (قدّس سرّه) وتبعه بعض المتأخرين ، إلاّ أ نّا بيّنا في محله أن تعلم الأحكام ليس بواجب نفسي وإنما التعلم طريق إلى العمل ومن هنا ورد في بعض الأخبار «أن العبد يؤتى به يوم القيامة فيقال له : هلاّ عملت ؟ فيقول : ما علمت فيقال له : هلاّ تعلمت» (3) فترى أن السؤال أوّلاً إنما هو عن العمل لا عن التعلم ، ومنه يستكشف عدم وجوبه النفسي وأنه طريق إلى العمل وإلاّ لكان اللاّزم سؤال العبد أوّلاً عن التعلم بأن يقال له ابتداءً : «هلاّ تعلّمت» وتفصيل الكلام في عدم وجوب التعلم موكول إلى محلّه .

   على أ نّا لو سلّمنا وجوب التعلم فالحكم بالوجوب النفسي في تلك الطرق وجعل الاحتياط عدلاً للاجتهاد والتقليد مما لا محصّل له ، وذلك لأن الاحتياط إنما هو الاتيان بالمأمور به فهو امتثال للحكم حقيقةً ، لا أن الاحتياط تعلّم له ، لضرورة أن المحتاط جاهل بالحكم أو بالمأمور به إلاّ أنه قاطع بالامتثال وجازم باتيانه المأمور به على ما هو عليه ، فلا وجه للوجوب النفسي في الاحتياط . نعم ، لا بأس به في التقليد والاجتهاد نظراً إلى أنهما تعلّم للأحكام ، هذا إذا فسّرنا التقليد بما يرجع إلى تعلم فتوى المجتهد .

   وأمّا إذا فسّرناه بما يأتي في محلّه من أنه الاستناد في العمل إلى فتوى الغير ، وأن تعلم الفتوى ليس من التقليد في شيء ، فلا يمكن أن يقال : إن التقليد تعلّم للأحكام بل

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 27 : 25 / أبواب صفات القاضي ب 4 ح 15 .

(2) النحل 16 : 43 ، الأنبياء 21 : 7 .

(3) هذه مضمون ما رواه الشيخ في أماليه قال : حدثنا محمد بن محمد يعني المفيد قال أخبرني أبو  القاسم جعفر بن محمد قال حدثني محمد بن عبدالله بن جعفر الحميري عن أبيه عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن زياد قال : سمعت جعفر بن محمّد (عليه السّلام) وقد سئل عن قوله تعالى (قل فللّه الحجّة البالغة ) فقال : إن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة : عبدي أكنت عالماً ؟ فإن قال : نعم، قال له : أفلا عملت بما علمت ؟ وإن قال : كنت جاهلاً قال له : أفلا تعلّمت حتى تعمل ؟ فيخصمه فتلك الحجة البالغة . راجع تفسير البرهان ج 1 ص 560 من الطبع الحديث وكذا في البحار ج 2 ص 29 و 180 من الطبعة الثانية عن أمالي المفيد .

ــ[6]ــ

في عباداته ومعاملاته(1) أن يكون مجتهداً أو مقلداً أو محتاطاً (2) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

التقليد هو الاستناد إلى فتوى المجتهد والتعلم طريق إليه .

   وأما احتمال أن يكون الوجوب النفسي في تلك الطرق مستنداً إلى المصلحة الواقعية الباعثة على الايجاب الواقعي ، فيدفعه : أنه إنما يتم فيما إذا أثبتنا وجوبها شرعاً فإنه في مقام التعليل حينئذ يمكن أن يقال : إن وجوبها منبعث عن نفس المصلحة الواقعية ، إلاّ أنه أول الكلام لعدم قيام الدليل على وجوب الاجتهاد والاحتياط . نعم ، لا بأس بذلك في التقليد بناءً على دلالة الأدلة على وجوبه الشرعي كما بنى عليه بعض مشايخنا المحققين (قدّس سرّه) (1) .

   فالمتحصّل إلى هنا : أن الاجتهاد وعدليه لا يحتمل فيها الوجوب الشرعي الأعم من النفسي والغيري والطريقي ، وإنما وجوبها متمحّض في الوجوب العقلي بالمعنى الّذي قررناه آنفاً .

   (1) بل وفي عادياته . بل في كل فعل يصدر منه على ما يأتي من الماتن (قدّس سرّه) في المسألة التاسعة والعشرين فلاحظ .

   (2) لأن الأحكام الواقعية متنجزة على كل مكلف بوجوداتها ، فلا يمكن معه الرجوع إلى البراءة العقلية أو النقلية أو استصحاب عدم التكليف في موارد الاحتمال وذلك للعلم الاجمالي بوجود أحكام إلزامية في الشريعة المقدسة إذ لا معنى للشريعة العارية عن أي حكم . ولا تجري الاُصول النافية في أطراف العلم الاجمالي أصلاً في نفسها ، أو أنها تتساقط بالمعارضة .

   ثمّ لو فرضنا أن المكلف ليس له علم إجمالي بوجود أيّ حكم إلزامي من الابتداء أو أنه كان إلاّ أنه قد انحلّ بالظفر بجملة معتد بها من الأحكام ، أيضاً لم يجز له الرجوع إلى الاُصول النافية في موارد احتمالها ، وذلك لأنه من الشبهة قبل الفحص وقد بيّنا في محلّه أنه لا مورد للأصل في الشبهات الحكمية قبل الفحص ، فإن الحكم الواقعي يتنجز حينئذ بالاحتمال .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رسالة في الاجتهاد والتقليد (الاصفهاني) : 17 .

ــ[7]ــ

   والنتيجة : أن الأحكام الواقعية متنجّزة على كل مكلف إمّا للعلم الاجمالي وإمّا بالاحتمال، وإذا لم تجر البراءة في الأحكام الواقعية عقلاً ولا نقلاً ولا استصحاب العدم ، لم يكن بدّ من الخروج عن عهدة امتثالها ، حيث إن في مخالفتها استحقاق العقاب ، وطريقه منحصر بالإجتهاد والتقليد والإحتياط وذلك لأن المكلف إمّا أن يستند في عمله إلى ما علم بحجيته وجداناً أو تعبداً فهو الاجتهاد ، وبالعمل به يقطع بأنه قد ترك الحرام وأتى بالواجب ، ويجزم بخروجه عن عهدة ما توجه إليه من الأحكام .

   وإمّا أن يستند في أعماله إلى قول الغير وهو المعبّر عنه بالتقليد ، إلاّ أن القطع بفراغ الذمة بسببه إنما هو فيما إذا كان قول الغير ثابت الحجية عنده بالاجتهاد ـ  ولو بالارتكاز  ـ لارتكاز رجوع الجاهل إلى العالم عند العقلاء ، وذلك لأن قول الغير ليس بحجة عليه في نفسه ولا يمكن أن تثبت حجية قول الغير بالتقليد وقول الغير ، لأن هذا القول كالقول الأول يتوقف حجيته على دليل ، فلو توقفت حجية قول الغير على التقليد وقول الغير لدار أو تسلسل ، لأنا ننقل الكلام إلى القول الثاني ونقول إن حجيته إمّا أن تستند إلى الاجتهاد أو إلى التقليد وقول الغير ، فعلى الأول نلتزم به في القول الأول من دون تبعيد المسافة وإثبات حجيته بالقول الثاني ، وعلى الثاني ينقل الكلام إلى القول الثالث فإن حجيته إمّا أن تثبت بالاجتهاد أو بالتقليد وقول الغير . فعلى الأول نلتزم به في القول الأول من دون تبعيد المسافة ، وعلى الثاني ننقل الكلام إلى القول الرابع ، وهكذا إلى ما لا نهاية له .

   فالمتحصل : أن التقليد لا يمكن أن يكون تقليدياً بوجه . نعم ، لا بأس بالتقليد في فروعه كجواز تقليد غير الأعلم أو البقاء على تقليد الميت كما يأتي في محلّه ، إلاّ أن أصل مشروعية التقليد لا بدّ أن يكون بالاجتهاد ، فالمقلد باجتهاده يعمل على فتوى المجتهد وهو يعمل على ما قطع بحجيته من الأمارات والاُصول .

   وإمّا أن يعمل بالاحتياط بأن يأتي بما يحتمل وجوبه ويترك ما يحتمل حرمته ، إلاّ أن الاحتياط لا يتمشى في جميع المقامات ، إمّا لعدم إمكانه كما في موارد دوران الأمر بين المحذورين ، وموارد كثرة أطراف الاحتياط بحيث لا يتمكن المكلف من اتيانها وإمّا لاحتمال عدم مشروعيته كما إذا كان محتمل الوجوب عبادة واحتمل المكلف عدم

ــ[8]ــ

جواز الامتثال الاجمالي في العبادات عند التمكن من امتثالها تفصيلاً ـ  إجتهاداً أو تقليداً  ـ وحيث إنها عبادة يعتبر فيها قصد القربة ولا يتمشى ذلك مع احتمال الحرمة فلا يسوغ للمكلف الاحتياط في مثلها ، أللّهمّ إلاّ أن يبنى على جوازه بالاجتهاد أو يقلّد من يفتي بجوازه في تلك المقامات . فالاحتياط لا يكون طريقاً إلى القطع بالفراغ في جميع الموارد .

   وبما سردناه ظهر أن طريق الخروج عن عهدة الأحكام الواقعية المنجّزة على المكلفين وإن كان منحصراً بالاجتهاد والتقليد والاحتياط ، إلاّ أن الأخير ليس في عرض الأوّلين بحسب المرتبة بل في طولهما . نعم ، يصح عدّه في عرضهما من حيث العمل ، لأن العمل إما أن يكون بالاجتهاد أو التقليد أو الاحتياط ، كما ظهر أن التقليد أيضاً كذلك لأنه في طول الاجتهاد بحسب المرتبة لا في عرضه . فالاجتهاد هو الأصل الوحيد وهو التصدي لتحصيل القطع بالحجة على العمل ، لأن به يقطع بعدم العقاب على مخالفة الواقع .

 

 مباحث الإجتهاد

    ويقع الكلام فيه من جهات :

   1 ـ تعريف الاجتهاد  :

   الاجتهاد مأخوذ من الجُهد ـ بالضم ـ وهو لغة : الطاقة ، أو أنه من الجَهد ـ  بالفتح  ـ ومعناه : المشقة ويأتي بمعنى الطاقة أيضاً ، وعليه فالاجتهاد بمعنى بذل الوسع والطاقة سواء أخذناه من الجَهد ـ بالفتح ـ أو الجُهد ـ بالضم ـ وذلك لأن بذل الطاقة لا يخلو عن مشقة وهما أمران متلازمان ، هذا بحسب اللغة .

   وأمّا في الاصطلاح فقد عرّفوه : باستفراغ الوسع لتحصيل الظن بالحكم الشرعي وتعريف الاجتهاد بذلك وإن وقع في كلمات أصحابنا (قدّس الله أسرارهم) إلاّ أن الأصل في ذلك هم العامة ، حيث عرّفوه بذلك لذهابهم إلى اعتبار الظن في الأحكام الشرعية، ومن هنا أخذوه في تعريف الاجتهاد ووافقهم عليه أصحابنا مع عدم ملائمته لما هو المقرّر عندهم من عدم الاعتبار بالظن في شيء ، وأن العبرة إنما هي بما جعلت

ــ[9]ــ

له الحجية شرعاً سواء أ كان هو الظن أو غيره ، فتفسير الاجتهاد بذلك مما لا تلتزم به الإمامية بتاتاً . بل يمكن المناقشة فيه حتّى على مسلك العامة لأن الدليل في الأحكام الشرعية عندهم غير منحصر بالظن فهو تفسير بالأخص . وعليه فهذا التعريف ساقط عند كلتا الطائفتين .

   ومن هنا فسّره المتأخرون من أصحابنا بأنه ملكة يقتدر بها على استنباط الأحكام الشرعية . وتعريف الاجتهاد بذلك وإن لم ترد عليه المناقشة المتقدمة ، إلاّ أن الاجتهاد بهذا المعنى ليس من أطراف الوجوب التخييري الثابت للاجتهاد والتقليد والاحتياط ، وذلك لأن الأحكام الواقعية ـ على ما بيّناه سابقاً ـ قد تنجّزت بالعلم الاجمالي أو بالاحتمال ولأجله قد استقل العقل بلزوم تحصيل العلم بالفراغ ، وهو لا يتحصل إلاّ بالاحتياط أو بتحصيل العلم بالأحكام من دون متابعة الغير كما في الاجتهاد ، أو بمتابعته كما في التقليد ، حيث إن المكلف بتركه تلك الطرق يحتمل العقاب في كل ما يفعله ويتركه لاحتمال حرمته أو وجوبه ، والعقل مستقل بوجوب دفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب ، ومن البديهي أن المجتهد أعني من له ملكة الاستنباط من غير أن يستنبط ويتصدى لتحصيل الحجة ولا في حكم واحد ، كغيره يحتمل العقاب في كل من أفعاله وتروكه ، ومعه لا بدّ له أيضاً إما أن يكون مجتهداً أو مقلداً أو يحتاط .

   وبهذا ينكشف أن الاجتهاد الّذي يعدّ عِدلاً للتقليد والاحتياط ليس هو بمعنى الملكة ، وإنما معناه : تحصيل الحجة على الحكم الشرعي بالفعل ، أعني العمل والاستنباط الخارجيين لأنه المؤمّن من العقاب ولا أثر في ذلك للملكة، وتوضيحه :

   أن ملكة الاجتهاد غير ملكة السخاوة والشجاعة ونحوهما من الملكات ، إذ الملكة في مثلهما إنما تتحقق بالعمل وبالمزاولة كدخول المخاوف والتصدي للمهالك ، فإن بذلك يضعف الخوف متدرّجاً ويزول شيئاً فشيئاً حتى لا يخاف صاحبه من الحروب العظيمة وغيرها من الاُمور المهام ، فترى أنه يدخل الأمر الخطير كما يدخل داره . وكذلك الحال في ملكة السخاوة فإن بالاعطاء متدرّجاً قد يصل الانسان مرتبة يقدّم غيره على نفسه ، فيبقى جائعاً ويطعم ما بيده لغيره . والمتحصل أن العمل في أمثال تلك الملكات متقدم على الملكة ، وهذا بخلاف ملكة الاجتهاد لأنها إنما تتوقف على جملة

ــ[10]ــ

من المبادئ والعلوم كالنحو والصرف وغيرهما ، والعمدة علم الاُصول فبعدما تعلّمها الانسان تحصل له ملكة الاستنباط وإن لم يتصدّ للاستنباط ولا في حكم واحد، إذن العمل أي الاستنباط متأخر عن الملكة ، فلا وجه لما قد يتوهم من أنها كسائر الملكات غير منفكة عن العمل والاستنباط ، فمن حصلت له الملكة فلا محالة اشتغل بالاستنباط ، وعليه فبمجرّد حصول الملكة له يحصل له الأمن عن العقاب . بل الاستنباط كما عرفت متأخر عن الملكة من غير أن يكون له دخل في حصولها . نعم تتقوى الملكة بالممارسة والاستنباط ـ بعد تحققها في نفسها ـ لا أنها تتوقف عليه في الوجود .

   إذن الاجتهاد بمعنى الملكة لا يترتب عليه الأمن من العقاب ولا يكون عِدلاً للتقليد والاحتياط .

   فالصحيح أن يعرّف الاجتهاد بتحصيل الحجة على الحكم الشرعي، وهو بهذا المعنى سليم عن كلتا المناقشتين المتقدمتين .

   بقي شيء : وهو أن المجتهد بمعنى من له الملكة قبل أن يستنبط شيئاً من الأحكام هل يجوز تقليده ؟ وهل يحرم عليه تقليد الغير ؟ وهل يترتب عليه غير ذلك من الأحكام المترتبة على الاجتهاد ، أو أنها مختصة بالمجتهد الّذي تصدى لتحصيل الحجة على الأحكام أعني المستنبط بالفعل ، ولا يعمّ من له الملكة إذا لم يتصدّ للاستنباط خارجاً ؟ ولكنه بحث خارج عن محل الكلام ، لأن البحث إنما هو في الاجتهاد الّذي هو عديل التقليد والاحتياط وهو من أطراف الواجب التخييري . وأما أن الأحكام المتقدمة تترتب ع