|
|
بسم الله
الرّحمن الرّحيم
الحمد
لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطّيبين الطاهرين ،
واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين .
أمّا
بعد، فهذا هو الجزء الثاني من مباني تكملة المنهاج المشتمل على كتابي القصاص
والديات ، وقد منّ الله سبحانه وتعالى عليَّ بالتوفيق لإنجازه وإتمامه ،
إنّه وليّ التوفيق وله الحمد أوّلاً وآخراً .
كتاب القصاص
كتاب
القصاص
وفيه فصول
الفصل
الأوّل
في قصاص
النفس
(مسألة 1) :
يثبت القصاص بقتل النفس المحترمة المكافئة عمداً وعدواناً (1)،
ويتحقّق العمد بقصد البالغ العاقل القتل ولو بما لا يكون قاتلاً غالباً فيما
إذا ترتّب القتل عليه (2) ،
بل الأظهر تحقّق العمد بقصد ما يكون قاتلاً عادةً وإن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)
يأتي وجه جميع ذلك في شرائط القصاص إن شاء الله تعالى .
(2)
لتحقّق قصد القتل حقيقةً ، فيتحقّق القتل العمدي الذي هو الموضوع
للقصاص .
وتدلّ
على ذلك عدّة روايات :
منها :
صحيحة الحلبي ، قال : قال أبو عبدالله (عليه السلام) :
«العمد : كلّ ما اعتمد شيئاً فأصابه بحديدة أو بحجر أو بعصاً أو بوكزة،
فهذا كلّه عمد، والخطأ:
لم يكن قاصداً القتل ابتداءً (1) ،
وأمّا إذا لم يكن قاصداً القتل ولم يكن الفعل قاتلاً عادةً ، كما إذا ضربه
بعود خفيف أو رماه بحصاة فاتّفق موته ، لم يتحقّق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من اعتمد شيئاً فأصاب غيره»(1) .
(1)
لأنّ قصد الفعل مع الالتفات إلى ترتّب القتل عليه عادةً لا ينفكّ عن قصد
القتل تبعاً .
وتدلّ
عليه ـ مضافاً إلى ذلك ـ عدّة روايات :
منها :
صحيحة الفضل بن عبدالملك ـ على رواية الصدوق ـ عن أبي عبدالله (عليه السلام)
أ نّه قال : «إذا ضرب الرجل بالحديدة فذلك العمد» قال : سألته عن
الخطأ الذي فيه الدية والكفّارة ، أهو أن يعتمد ضرب رجل ولا يعتمد
قتله ؟ «فقال : نعم» قلت : رمى شاة فأصاب إنساناً ؟
«قال : ذاك الخطأ الذي لا شكّ فيه ، عليه الدية والكفّارة»(2) .
فإنّها
تدلّ على أنّ الضرب بالحديدة ـ الذي يترتّب عليه القتل عادةً ـ من القتل العمدي
وإن لم يقصد الضارب القتل ابتداءً ، وأمّا مع قصد القتل فلا خصوصيّة
للحديدة .
ومنها :
صحيحة أبي العبّاس وزرارة عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال : إنّ
العمد : أن يتعمّده فيقتله بما يقتل مثله ، والخطأ ، أن يتعمّده
ولا يريد قتله يقتله بما لايقتل مثله، والخطأ الذي لا شكّ فيه: أن
يتعمّد شيئاً آخر فيصيبه»(3) .
فإنّ
التقييد بقوله (عليه السلام) : «بما لا يقتله» يدلّ على أنّ الآلة إذا
كانت
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 29 : 36 / أبواب القصاص
في النفس ب 11 ح 3 .
(2) الوسائل 29 : 38 / أبواب القصاص
في النفس ب 11 ح 9 ، الفقيه 4 : 77 / 239 .
(3) الوسائل 29 : 40 / أبواب القصاص
في النفس ب 11 ح 13 .
به موجب القصاص (1) .
(مسألة
2) : كما يتحقّق القتل العمدي فيما إذا كان فعل المكلّف علّة تامّة للقتل أو
جزءاً أخيراً للعلّة بحيث لا ينفكّ الموت عن فعل الفاعل زماناً ، كذلك
يتحقّق فيما إذا ترتّب القتل عليه من دون أن يتوسّطه فعل اختياري من شخص
آخر ، كما إذا رمى سهماً نحو من أراد قتله فأصابه فمات بذلك بعد مدّة من
الزمن ، ومن هذا القبيل ما إذا خنقه بحبل ولم يرخه عنه حتّى مات ، أو
حبسه في مكان ومنع عنه الطعام والشراب حتّى مات ، أو نحو ذلك ، فهذه
الموارد وأشباهها داخلة في القتل العمدي (2) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قتّالة فليس هو من الخطأ وإن لم يقصد القتل
ابتداءً .
(1)
وذلك لعدم تحقّق العمد في القتل ، ولصحيحة الفضل بن عبدالملك وصحيحة أبي
العبّاس وزرارة المتقدّمتين ، وصحيحة اُخرى لأبي العبّاس عن أبي عبدالله
(عليه السلام) ، قال : قلت له : أرمي الرجل بالشيء الذي
لا يقتل مثله «قال : هذا خطأ» ثمّ أخذ حصاة صغيرة فرمى بها ،
قلت : أرمي الشاة فأصيب رجلاً «قال : هذا الخطأ الذي لا شكّ فيه ،
والعمد الذي يضرب بالشيء الذي يقتل بمثله»(1) .
(2)
لأنّ العبرة في القصاص إنّما هو بتحقّق القتل العمدي ، وملاك العمد في القتل
هو إيجاد عمل يقصد به القتل أو يترتّب عليه الموت غالباً ، وهو متحقّق في
جميع هذه الموارد .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 29 : 37 / أبواب القصاص
في النفس ب 11 ح 7 .
(مسألة
3) : لو ألقى شخصاً في النار أو البحر متعمّداً فمات ، فإن كان
متمكّناً من الخروج ولم يخرج باختياره فلا قود ولا دية (1) ،
وإن لم يكن متمكّناً من الخروج وإنجاء نفسه من الهلاك فعلى الملقي القصاص (2) .
(مسألة
4) : لو أحرقه بالنار قاصداً به قتله أو جرحه كذلك فمات فعليه القصاص وإن كان
متمكّناً من إنجاء نفسه بالمداواة وتركها باختياره (3) .
(مسألة
5) : إذا جنى عمداً ولم تكن الجناية ممّا تقتل غالباً ولم يكن الجاني قد قصد
بها القتل ولكن اتّفق موت المجني عليه بالسراية ، فالمشهور بين الأصحاب ثبوت
القود ، ولكنّه لا يخلو من إشكال ، بل لا يبعد عدمه ،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)
فإنّ الموت حينئذ مستند إلى نفسه لا إلى فعل الملقي ، فلا يتحقّق موجب القصاص
ولا موجب الدية .
(2)
لتحقّق موضوعه وهو القتل العمدي .
(3)
بلا خلاف بين الأصحاب ، وذلك لأنّ القتل مستند إلى فعله وهو الجرح والإحراق
وترك المداواة وإن كان دخيلاً في تحقّق الموت إلاّ أنّ الموت لم يستند إليه ،
فإنّه إنّما هو من آثار المقتضي والمداواة من قبيل المانع ، فإذا لم يوجد ـ
ولو اختياراً ـ استند الأثر إلى المقتضي ، فإنّ الموجود إنّما ينشأ من
الموجود ويترتّب عليه ولا يستند إلى أمر عدمي ، فالقتل ـ عند عدم المداواة ـ
يستند إلى المحرق أو الجارح دون المقتول ، وذلك نظير من قتل شخصاً وكان
المقتول متمكّناً من الدفاع عن نفسه ولم يدفع حتّى قتل ، فإنّه لا يشكّ
في استناد القتل إلى القاتل دون المقتول . نعم ، لا شكّ في أنّ المقتول
في كلتا الصورتين قد ارتكب محرّماً ، لأ نّه لم يحفظ نفسه مع
تمكّنه ، وهذا لا ينافي استناد القتل إلى غيره .
فيجري عليه حكم القتل الشبيه بالعمد (1) .
(مسألة
6): لو ألقى نفسه من شاهق على إنسان عمداً قاصداً به قتله أو كان ممّا
يترتّب عليه القتل عادةً فقتله، فعليه القود. وأمّا إذا لم يقصد به القتل ولم يكن
ممّا يقتل عادةً فلا قود عليه(2).
وأمّا إذا مات الملقي فدمه هدر على كلا التقديرين (3) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)
وجه المشهور هو أ نّهم ذهبوا إلى أنّ السراية
في الجناية العمديّة مضمونة وإن لم تكن مقصودة ، فيثبت القصاص إذا
سرت الجناية وترتّب عليها الموت .
ولكنّه
يندفع بأنّ ضمان الجناية إنّما هو بمقدارها المقصود ، وأمّا الزائد المترتّب
عليها اتّفاقاً فهو إذا لم يكن مقصوداً ولا ممّا يترتّب عليها غالباً
لا يكون عمديّاً، بل هو شبيه بالعمد على ما يأتي من أ نّه متقوّم بقصد
الفعل المترتّب عليه القتل اتّفاقاً من دون قصده .
وتؤكّد
ما ذكرناه رواية ذريح، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل
شجّ رجلاً موضحة وشجّه آخر دامية في مقام واحد فمات الرجل «قال : عليهما
الدية في أموالهما نصفين»(1) .
والرواية
معتبرة على الأظهر، فإنّها تدلّ على أنّ الموت إذا ترتّب على الجناية اتّفاقاً
فالواجب فيه الدية دون القصاص .
(2)
ظهر وجه جميع ذلك ممّا تقدّم .
(3)
لأنّ قتله مستند إلى نفسه .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 29 : 280 / أبواب موجبات
الضمان ب 42 ح 1 .
(مسألة
7) : ليس للسحر حقيقة موضوعيّة ، بل هو إراءة غير الواقع بصورة
الواقع ، ولكنّه مع ذلك لو سحر شخصاً بما يترتّب عليه الموت غالباً أو كان
بقصد القتل، كما لو سحره فتراءى له أنّ الأسد يحمل عليه فمات
خوفاً، كان على الساحر القصاص (1) .
(مسألة
8) : لو أطعمه عمداً طعاماً مسموماً يقتل عادةً ، فإن علم الآكل بالحال
وكان مميّزاً ، ومع ذلك أقدم على أكله فمات ، فهو المعين على
نفسه ، فلا قود ولا دية على المطعم ، وإن لم يعلم الآكل به أو كان غير
مميّز فأكل فمات فعلى المطعم القصاص ، بلا فرق بين قصده القتل به وعدمه (2) ،
بل الأظهر أنّ الأمر كذلك فيما لو جعل السمّ في طعام صاحب المنزل وكان السمّ ممّا
يقتل عادةً فأكل صاحب المنزل جاهلاً بالحال فمات (3) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)
فإنّ العبرة في القصاص إنّما هي باسـتناد القتل العمدي إليه بأحد الوجهين
المتقدّمين ، وذلك متحقّق في المقام وإن لم يكن للسحر واقع في نفس
الأمر .
(2)
لصدق القتل العمدي على ما عرفت وإن لم يكن القتل مقصوداً له ابتداءً .
(3)
وذلك لأ نّه وإن لم يلجئه إلى الأكل من الطعام المسموم ولا قدّمه له إلاّ أنّ
القتل عرفاً مستند إلى فعله حقيقةً ، وهذا المقدار كاف لتحقّق موجب
القصاص .
(مسألة
9) : لو حفر بئراً عميقة في معرض مرور الناس متعمّداً ، وكان الموت
يترتّب على السقوط فيها غالباً، فسقط فيها المارّ ومات، فعلى الحافر القود، بلا
فرق بين قصده القتل وعدمـه. نعم ، لو لم يترتّب الموت على السقوط فيها عادةً
وسقط فيها أحد المارّة فمات اتّفاقاً فعندئذ إن كان الحافر قاصداً
القتل فعليه القود وإلاّ فلا، وكذلك يثبت القصاص لو حفرها في
طريق ليس في معرض المرور ، ولكنّه دعا غيره الجاهل بالحال لسلوكه قاصداً به
القتـل أو كان السقوط فيها ممّا يقتل عادةً ، فسلكه المدعو وسقط فيها
فمات (1) .
(مسألة
10) : إذا جرح شخصاً قاصداً به قتله ، فداوى المجروح نفسه بدواء مسموم
أو أقدم على عمليّة ولم تنجح فمات ، فإن كان الموت مستنداً إلى فعل نفسه فلا
قود ولا دية على الجارح . نعم ، لوليّ الميّت القصاص من الجاني بنسبة
الجرح أو أخذ الدية منه كذلك . وإن كان مستنداً إلى الجرح فعليه القود (2) .
وإن كان مستنداً إليهما معاً كان لوليّ المقتول القود بعد ردّ نصف الدية إليه وله العفو
وأخذ نصف الدية منه (3) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)
يظهر الحال في جميع ذلك ممّا تقدّم .
(2)
لما عرفت من أنّ العبرة في القصاص وعدمه إنّما
هي باستناد القتل العمدي إلى الجاني وعدمه .
(3)
الوجه في ذلك : أنّ مقتضى الآية المباركة والروايات أنّ لوليّ المقتول ظلماً
الاقتصاص ، ولكن في كلّ مورد كان القصاص فيه مستلزماً لإعطاء وليّ المقتول
شيئاً من الدية كان لوليّ المقتول المطالبة بالدية ، كما إذا قتل رجل امرأة
(مسألة
11) : لو ألقاه من شاهق قاصداً به القتل أو كان ممّا يترتّب عليه القتل
عادةً ، فمات الملقى في الطريق خوفاً قبل سقوطه إلى الأرض كان عليه
القود ، ومثله ما لو ألقاه في بحر قاصداً به قتله أو كان ممّا يترتّب عليه
الموت غالباً فالتقمه الحوت قبل وصوله إلى البحر (1) .
(مسألة
12) : لو أغرى به كلباً عقوراً قاصداً به قتله أو كان ممّا يترتّب عليه القتل
غالباً فقتله فعليه القود ، وكذا الحال لو ألقاه إلى أسد كذلك وكان ممّن
لا يمكنه الاعتصام منه بفرار أو نحوه ، وإلاّ فهو المعين على نفسه فلا
قود عليه ولا دية ، ومثله ما لو أنهش حيّة قاتلة أو ألقاها عليه فنهشته فعليه
القود ، بلا فرق بين قصده القتل به وعدمه (2) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فأراد وليّها الاقتصاص من الرجل القاتل ، أو قتل
شخصان واحداً فأراد وليّ المقتول الاقتصاص منهما ، أو كان الأب شريكاً مع
غيره في قتل ولده ، أو كان القاتلان مختلفين فكان قتل أحدهما عمديّاً والآخر
خطأ فأراد وليّ المقتول القصاص من العامد ، أو كان القاتل حيواناً
وإنساناً ، ونحو ذلك . ففي جميع هذه الموارد كان وليّ المقتول مخيّراً
بين الاقتصاص ومطالبة الدية ، ويأتي تفصيل ذلك في المسائل الآتية إن شاء الله
تعالى .
(1)
لاستناد القتل العمدي إلى فعله ، ومعه لا أثر لتخلّف القصد من ناحية اختلاف
الخصوصيّات .
(2)
ظهر وجه جميع ذلك ممّا تقدّم .
(مسألة
13) : لو جرحه بقصد القتل ثمّ عضّه الأسد ـ مثلاً ـ وسرتا فمات بالسراية كان
لوليّ المقتول قتل الجارح بعد ردّ نصف الدية إليه ، كما أنّ له العفو عن
القصاص ومطالبته بنصف الدية (1) .
(مسألة
14) : لو كتّفه ثمّ ألقاه في أرض مسبعة مظنّة للإفتراس عادةً ، أو كان
قاصداً به قتله فافترسه السباع ، فعليه القود (2) .
نعم ، لو ألقاه في أرض لم تكن مظنّة للافتراس عادةً ولم يقصد به قتله ،
فافترسه السباع اتّفاقاً ، فالظاهر أ نّه لا قود ، وعليه الدية
فقط (3) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)
أمّا جواز القصاص فلأ نّه القاتل عمداً وإن لم يكن مستقلاًّ في القتل ،
غاية الأمر أ نّه إذا اقتصّ منه لا بدّ من ردّ نصف الدية إلى وليّه قبل
الاقتصاص ، كما إذا قتل رجلان رجلاً واحداً فإنّ لوليّ المقتول أن يتقصّ
منهما جميعاً بعد أن يردّ إلى وليّ كلّ منهما نصف الدية .
وأمّا
جواز مطالبته بالدية فلما تقدّم من أنّ كلّ مورد كان الاقتصاص موجباً
للردّ جاز لوليّ المقتول إلزام القاتل بالدية ، وبما أنّ القتل مستند ـ في
مفروض الكلام ـ إلى أمرين ، أحدهما : فعل الجارح ، والآخر :
عضّ الأسد ، فإذا أراد وليّ الدم الاقتصاص من الجارح فلا بدّ له من ردّ
نصف الدية إليه ، وله أن لا يقتصّ منه ويطالبه بنصف الدية .
(2)
لصحّة الاستناد القتل العمدي إليه ، وهو يوجب القود .
(3)
أمّا عدم القود فلأ نّه ليس قاتلاً له عمداً ، وأمّا وجوب الدية فلأنّ
القتل مستند إلى فعله ، فيدخل في القتل الشبيه بالعمد .
(مسألة
15) : لو حفر بئراً فسقط فيها آخر بدفع ثالث فالقاتل هو الدافع دون
الحافر (1) .
(مسألة
16) : لو أمسكه وقتله آخر ، قتل القاتل ، وحبس الممسك مؤبّداً حتّى
يموت بعد ضرب جنبيه ويجلد كلّ سنة خمسين جلدة (2) .
ولو اجتمعت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)
لاستناد القتل عرفاً إليه دون الحافر .
(2)
تدلّ على ذلك عدّة روايات :
منها:
معتبرة عمرو بن أبي المقدام: أنّ رجلاً قال لأبي جعفر المنصور ـ وهو
يطوف ـ: يا أمير المؤمنين، إنّ هذين الرجلين طرقا أخي ليلاً،
فأخرجاه
من
منزله
فلم
يرجع
إليّ، ووالله ما أدري ما صنعا به، فقال لهما: ما
صنعتما به؟ فقالا: يا أمير المؤمنين، كلّمناه ثمّ رجع إلى منزله
ـ إلى أن قال: ـ فقال لأبي عبد الله جعفر بن محمّد (عليه السلام): اقض بينهم
ـ إلى أن قال : ـ «فقال : يا غلام ، اكتب : بسم الله الرّحمن
الرّحيم ، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) :
كلّ من طرق رجلاً بالليل فأخرجه من منزله فهو ضامن إلاّ أن يقيم عليه البيّنة
أ نّه قد ردّه إلى منزله . يا غلام ، نحّ هذا فاضرب عنقـه للآخر»
فقال : يابن رسول الله ، والله ما أنا قتلته ولكنّي أمسكته ، ثمّ
جاء هذا فوجأه فقتله «فقال: أنا ابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ،
يا غلام ، نحّ هذا فاضرب عنقه للآخر» فقال : يابن رسول الله ، ما
عذّبته ولكنّي قتلته بضربة واحدة . فأمر أخاه فضرب عنقه ، ثمّ أمر
بالآخر فضرب جنبيه وحبسه في السجن ووقع على رأسه يحبس عمره ويضرب في كلّ سنة خمسين
جلدة (1) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 29 : 51 / أبواب القصاص
في النفس ب 18 ح 1 .
جماعة على قتل شخص فأمسكه
أحدهم وقتله آخر ونظر إليه ثالث ، فعلى القاتل القود ، وعلى الممسك
الحبس مؤبّداً حتّى الموت ، وعلى الناظر أن تقفأ عيناه (1) .
(مسألة
17) : لو أمر غيره بقتل أحد ، فقتله ، فعلى القاتل القود ،
وعلى الآمر الحبس مؤبّداً إلى أن يمـوت (2) .
ولو أكرهه على القـتل ، فإن كان ما توعّد به دون القتل فلا ريب في عدم جواز
القتل ، ولو قتله ـ والحال هذه ـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومنها :
صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال : قضى علي (عليه السلام) في
رجلين أمسك أحدهما وقتل الآخر ، قال : يقتل القاتل ويحبس الآخر حتّى
يموت غمّاً»(1) ، وقريب منها معتبرة سماعة(2) .
ومنها :
معتبرة السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام) : «إنّ ثلاثة نفر رفعوا إلى
أمير المؤمنين (عليه السلام) : واحد منهم أمسك رجلاً ، وأقبل الآخر
فقتله ، والآخر يراهم ، فقضى في صاحب الرؤية أن تسمل عيناه ، وفي
الذي أمسك أن يسجن حتّى يموت كما أمسكه ، وقضى في الذي قتل أن يقتل»(3) .
(1)
تدلّ عليه معتبرة السكوني المتقدّمة .
(2)
تدلّ على ذلك صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) : في رجل أمر رجلاً بقتل
رجل فقتله «فقال : يقتل به الذي قتله ، ويحبس الآمر بقتله في الحبس حتّى
يموت»(4) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 29 : 49 / أبواب القصاص
في النفس ب 17 ح 1 .
(2) الوسائل 29 : 50 / أبواب القصاص
في النفس ب 17 ح 2 .
(3) الوسائل 29 : 50 / أبواب القصاص
في النفس ب 17 ح 3 .
(4) الوسائل 29 : 45 / أبواب القصاص
في النفس ب 13 ح 1 .
كان عليه القود (1) ،
وعلى المكره الحبس المؤبّد (2) ،
وإن كان ما توعّد به هو القتل فالمشهور أنّ حكمه حكم الصورة الاُولى ، ولكنّه
مشكل ، ولا يبعد جواز القتل عندئذ ، وعلى ذلك فلا قود ولكن عليه
الدية (3) ،
وحكم المكرِه ـ بالكسر ـ في هذه الصورة حكمه في الصورة
الاُولى . هذا إذا كان المكرَه ـ بالفتح ـ بالغاً عاقلاً .
وأمّا إذا كان مجنوناً أو صبيّاً غير ممـيّز فالقود على المكرِه ـ بالكسر ـ (4) ،
وأمّا إذا كان صبيّاً مميّزاً فلا قود لا على المكرِه ولا على
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)
وذلك لما علم من ضرورة الشرع المقدّس أهمّيّة النفس المحترمة ، فلا ترتفع
حرمة قتلها بالإكراه على ما دون القتل ، فلو أقدم على قتلها
ـ والحال هذه ـ فقد قتلها ظلماً وعدواناً ، وحكمه
القصاص والقود .
(2)
لصحيحة زرارة المتقدّمة .
(3)
أمّا وجه المشهور : فلأ نّهم استدلّوا على أنّ الإكراه لا يتحقّق
في القتل .
وفيه :
أنّ ما ذكروه وإن كان صحيحاً ، حيث إنّ حديث الإكراه الوارد مورد الامتنان
لا يشمل المقام وأمثاله ، إلاّ أ نّه مع ذلك لا يكون القتل
محرّماً ، فإنّ ذلك داخل في باب التزاحم ، إذ الأمر يدور بين ارتكاب
محرّم ـ وهو قتل النفس المحترمة ـ وبين ترك واجب ـ وهو حفظ نفسه وعدم تعريضه
للهلاك ـ وحيث لا ترجيح في البين فلا مناص من الالتزام بالتخيير ،
وعليه فالقتل يكون سائغاً وغير صادر عن ظلم وعدوان ، فلا يترتّب عليه
القصاص ، ولكن تثبت الدية ، لأنّ دم امرئ مسلم لا يذهب
هدراً .
(4)
وذلك لأ نّه القاتل في الفرض ، حيث إنّهما كالآلة بالنسبة إليه .