|
|
بسم الله
الرّحمن الرّحيم
الحمد
لله
الذي
أنار
للمؤمنين
سبل دينه ووفّق الصالحين للسير على منهاج شريعته، والصلاة والسلام على أفضل سفرائه
وخاتم أنبيائه وأشرف بريّته محمّد وعترته الطاهرين ، واللعنة الدائمة على أعدائهم
أجمعين إلى يوم الدين .
وبعد ،
فيقول المفتقر إلى رحمة ربّه السائل إيّاه تسديد الخطى ومغفرة الخطايا أبوالقاسم
ابن العلاّمة الجليل المرحوم السيّد علي أكبر الموسوي الخوئي تغمّده الله
برحمته : إنِّي لمّا رأيتُ مسائل القضاء والشهادات والحدود والقصاص والديات
يكثر الابتلاء بها والسؤال عنها أحببتُ أن اُدوِّنها وأتعرّض لها لتكون تكملة لـ :
«منهاج الصالحين» ، وأشكر الله تعالى وأحمده على توفيقه
إيّاي لإتمامها ، وإيّاه أسأل أن ينفع بها المؤمنين ويجعلها ذخراً لي ليوم
الدين ، إنّه سميع مجيب .
بسم الله
الرّحمن الرّحيم
بعد
الحمد والصلاة ، لمّا فرغتُ من تأليف تكملة المنهاج رأيتُ أنّ التعرّض
لمبانيها أمرٌ مفيد لأهل العلم والفضل وهم بحاجة لمراجعتها ، فقمتُ
بذلك ، وقد منّ الله تبارك وتعالى عليَّ بالتوفيق له رغم كثرة الأعمال وتشويش
البال وضعف البدن وتراكم المحن ، فله الحمد على نعمه وآلائه ، والشكر له
على مننه ، إنّه وليّ الحمد والتوفيق والسداد .
كتاب القضـاء
كتاب
القضاء
القضاء
هو فصل الخصومة بين المتخصامين، والحكم بثبوت دعوى
المدّعي أو بعدم حقّ له على المدّعى عليه .
والفرق
بينه وبين الفتوى :
أنّ
الفتوى: عبارة عن بيان
الأحكام
الكلّيّة
من
دون نظر إلى
تطبيقها على
مواردها، وهي ـ أي الفتوى ـ لا تكون حجّة إلاّ على من يجب عليه تقليد
المفتي بها ، والعبرة في التطبيق إنّما هي بنظره دون نظر المفتي .
وأمّا
القضاء : فهو الحكم بالقضايا الشخصيّة التي هي مورد الترافع والتشاجر،
فيحكم القاضي بأنّ المال الفلاني لزيد، أو أنّ المرأة الفلانيّة زوجة فلان ،
وما شاكل ذلك، وهو نافذ على كلّ أحد حتى إذا كان أحد المتخاصمين أو كلاهما
مجتهداً .
نعم ،
قد يكون منشأ الترافع الاختلاف في الفتوى ، كما إذا تنازع الورثة في
الأراضي ، فادّعت الزوجة ذات الولد الإرث منها ، وادّعى الباقي حرمانها
فتحا كما لدى القاضي ، فإنّ حكمه يكون نافذاً عليهما وإن كان مخالفاً لفتوى
من يرجع إليه المحكوم عليه .
(مسألة
1) : القضاء واجب كفائي(1) .
(مسألة
2) : هل يجوز أخذ
الاُجرة على القضاء من المتخاصمين أو غيرهما؟ فيه
إشكال . والأظهر الجواز (2) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)
وذلك لتوقّف حفظ النظام ـ المادّي والمعنوي ـ عليه ، ولا فرق في ذلك بين
القاضي المنصوب ، وقاضي التحكيم .
(2)
وذلك لما حقّقناه في محلّه من أنّ الوجوب لا يمنع عن أخذ الاُجرة على
الواجبات (1) ، وكذا قصد القربة إذا كانت تعبّديّة .
وعلى ذلك قلنا : إنّ في كلّ مورد دلّ دليل على عدم جواز أخذ الاُجرة عليها
وأ نّه لا بدّ من الإتيان بها مجّاناً فهو ، وإلاّ فلا مانع من
أخذها ، وبما أنّ في المقام لا دليل على عدم جواز أخذ
الاُجرة من المتخاصمين أو من غيرهما على القضاء ـ ما عدا
دعوى الإجماع على ذلك وهو غير ثابت ـ فالأقوى جوازه .
وقد
يستدلّ على عدم جواز أخذ الاُجرة على القضاء بصحيحة عمّار بن مروان ،
قال : قال أبو عبدالله (عليه السلام) : «كلّ شيء غلّ من الإمام فهو
سحت ، والسحت أنواع كثيرة ، منها : ما اُصيب من أعمال الولاة
الظلمة ، ومنها : اُجور القضاة واُجور الفواجر ، وثمن الخمر
والنبيذ المسكر ، والربا بعد البيّنة ، فأمّا الرشا يا عمّار في الأحكام
فإنّ ذلك الكفر بالله العظيم وبرسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) » (2) .
ولكنّ
الظاهر أ نّها ناظرة إلى الاُجور التي كان القضاة يأخذونها من الولاة
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتاب الاجارة (مستند العروة الوثقى : 381) .
(2) الوسائل 17 : 95 / أبواب ما
يكتسب به ب 5 ح 12 .
الظلمة ، وذلك بقرينة أنّ كلمة : «منها» لم
تتكرّر في اُجور الفواجر وثمن الخمر وما بعد ذلك فالظاهر أنّ الضمير في
قوله : «ومنها اُجور القضاة» يرجع إلى الموصول في جملة : «ما اُصيب من
الأعمال الولاة» ، ومعنى ذلك : أنّ الأموال التي تصاب من أعمال الولاة
التي منها اُجور القضاة سحت ، فلا دلالة فيها على أنّ الأجر على القضاء محرّم
مطلقاً حتى إذا لم يكن القاضي من عمّال ولاة الجور وكان قضاؤه حقّاً .
ثمّ
إنّه لا إشكال في جواز ارتزاق القاضي من بيت مال المسلمين ، لأ نّه معدّ
لمصالحهم ، ومن الظاهر أنّ منها القضاء فيما بينهم ، حيث يتوقّف انتظام
اُمورهم عليه .
وأمّا
ما في صحيحة عبدالله بن سنان ، قال : سُئِل أبو عبدالله (عليه السلام)
عن قاض بين قريتين يأخذ من السلطان على القضاء الرزق «فقال : ذلك السحت» (1) .
فهو
أجنبي عن المقام ، فإنّ الظاهر منها هو أ نّه منصوب من قبل السلطان
الجائر ، فلا يكون قضاؤه مشروعاً .
ويدلّ
على
ذلك
ـ
مضافاً
إلى
ما
ذكر
ـ قول
أمير
المؤمنين (عليه
السلام) في
عهده إلى مالك الأشتر: «وأكثر تعاهد
قضائه (القاضي)، وافسح له في البذل ما يزيح
علّته وتقلّ معه حاجته إلى الناس» (2) ، وطريق الشيخ إلى عهده
(عليه السلام) إلى مالك الأشتر معتبر (3) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 27 : 221 / أبواب آداب
القاضي ب 8 ح 1 .
(2) الوسائل 27 : 223 / أبواب آداب
القاضي ب 8 ح 9 .
(3) الفهرست: 37/ 119.
(مسألة
3) : بناءً على عدم جواز أخذ الاُجرة على القضاء هل يجوز أخذ الاُجرة على
الكتابة ؟ الظاهر ذلك (1) .
(مسألة
4) : تحرم الرشوة على القضاء . ولا فرق بين الآخذ والباذل (2) .
(مسألة
5) : القاضي على نوعين : القاضي المنصوب ، وقاضي التحيكم (3) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)
وذلك لأنّ الكتابة عمل محترم ، فلا مانع من أخذ الاُجرة عليها بعد فرض عدم
الدليل على المنع .
(2)
الرشوة : هي ما يبذل للقاضي ليحكم للباذل بالباطل ، أو ليحكم له
حقّاً كان أو باطلاً. ويدلّ على حرمتها ـ
مضافاً إلى إجماع المسلمين ـ قوله تعالى:
(وَلاَ تَأْكُلُوْا
أَمْوَالَكُم بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوْا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ
لِتَأْكُلُوْا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالاِْثْمِ وَأَنْتُمْ
تَعْلَمُونَ) (1) .
وقد
نصّ على حرمة الرشوة في عدّة من الروايات ، منها : معتبرة سماعة عن أبي
عبدالله (عليه السلام) «قال : الرشا في الحكم هو الكفر بالله» (2) ،
ومنها صحيحة عمّار بن مروان المتقدّمة .
(3)
أمّا القاضي المنصوب : فيعتبر فيه الاجتهاد بلا خلاف
ولا إشكال بين الأصحاب ، وذلك لأنّ القضاء ـ كما عرفت ـ واجب كفائي ،
لتوقّف حفظ النظام عليه ، ولا شكّ في أنّ نفوذ حكم أحد على غيره إنّما هو على
خلاف الأصل ، والقدر المتيقّن من ذلك هو نفوذ حكم المجتهد ، فيكفي في
عدم نفوذ حكم غيره الأصل ، بعد عدم وجود دليل لفظي يدلّ على نصب القاضي
ابتداءً ليتمسّك
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البقرة 2 : 188 .
(2) الوسائل 27 : 222 / أبواب آداب
القاضي ب 8 ح 3 .
بإطلاقه .
وما
استدلّ به على ذلك من الروايات التي منها ما رواه الشيخ الصدوق (قدس سره) بإسناده
عن إسحاق بن يعقوب من التوقيع: «أمّا
ما
سألت
عنه
أرشدك
الله
وثبّتك ـ إلى
أن
قال:
ـ
وأمّا
الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا،
فإنّهم حجّتي عليكم، وأنا حجّة الله» الحديث(1).
فهي
على تقدير تماميّتها والإغماض عن ضعف إسنادها لا تعمّ غير العالم المتمكّن من
استنباط الأحكام من الكتب والسنّة .
هذا ،
وقد يستدلّ على نصب القاضي ابتداءً ولزوم كونه مجتهداً بمقبولة عمر ابن
حنظلة ، قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا
بينهما منازعة في دين أو ميراث ، فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة ،
أيحلّ ذلك ؟ «قال : من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فإنّما تحاكم إلى
الطاغوت ، وما يحكم له فإنّما يأخذ سحتاً وإن كان حقّاً ثابتاً له ،
لأ نّه أخذه بحكم الطاغوت ، وما أمر الله أن يكفر به، قال الله تعالى:
(يُرِيدُونَ
أَن يَتَحَاكَمُوْا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوْا أَن يَكْفُرُوْا بِهِ)(2)،
قلت : فكيف يصنعان ؟ «قال : ينظران من كان منكم ممّن قد روى
حديثنا ، ونظر في حلالنا وحرامنا ، وعرف أحكامنا ، فليرضوا به
حكماً ، فإنِّي قد جعلته عليكم حاكماً ، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه
فإنّما استخفّ بحكم الله ، وعلينا ردّ ، والرادّ علينا الرادّ على
الله ، وهو على حدّ الشرك بالله» الحديث (3) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 27 : 140 / أبواب صفات
القاضي ب 11 ح 9 ، إكمال الدين : 484 / 4 .
(2) النساء 4 : 60 .
(3) الوسائل 27 : 136 / أبواب صفات
القاضي ب 11 ح 1 .
ببيان :
أنّ قوله (عليه السلام) فيها : «فليرضوا به حكماً» بعد قوله : «ينظران
من كان منكم» يدلّ على أ نّهم ملزمون بالرضا به حَكَماً ، نظراً إلى
أ نّه (عليه السلام) قد جعله حاكماً عليهم بمقتضى قوله : «فإنّي قد
جعلته» ، حيث إنّه تعليل لإلزامهم بذلك .
فالنتيجة :
أنّ الرواية تامّة من حيث الدلالة على نصب القاضي ابتداءً ، إلاّ أ نّها
قاصرة من ناحية السند ، فإن عمر بن حنظلة لم يثبت توثيقه ، وما ورد من
الرواية في توثيقه (1) لم يثبت ، فإنّ راويها يزيد بن خليفة ولم تثبت
وثاقته .
وقد
يستدلّ على ذلك أيضاً بمعتبرة أبي خديجة سالم بن مكرّم الجمّال ، قال :
قال أبو عبدالله جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) : «إيّاكم أن
يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور ، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من
قضايانا فاجعلوه بينكم ، فإنّي قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه» (2) ،
والرواية صحيحة ، فإنّ أبا خديجة ثقة على الأظهر .
بتقريب :
أنّ الرواية ظاهرة في جعل منصب القضاء لمن يعلم شيئاً من قضاياهم (عليه السلام)
فيجب الرجوع إليه في موارد الترافع والتشاجر . ثمّ إنّ قوله (عليه
السلام) : «يعلم شيئاً من قضايانا» لا يراد به العلم بشيء ما ،
فإنّ علومهم (عليهم السلام) لا يمكن لأحد الإحاطة بها ، فالعالم
بالأحكام ـ مهما بلغ علمه ـ فهو لا يعلم إلاّ شيئاً من قضاياهم ،
فلا بدّ من أن يكون ذلك الشيء مقداراً معتدّاً به حتى يصدق عليه أ نّه
يعلم شيئاً من قضاياهم . والمراد به هو المجتهد العالم بالأحكام من الكتاب
والسنّة .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكافي 3: 275/1.
(2) الوسائل 27 : 13 / أبواب صفات
القاضي ب 1 ح 5 .
ولكنّ
الصحيح : أنّ الرواية غير ناظرة إلى نصب القاضي ابتداءً ، وذلك لأنّ
قوله (عليه السلام) : «فإنّي قد جعلته قاضياً» متفرّع على قوله (عليه
السلام) : «فاجعلوه بينكم» ، وهو القاضي المجعول من قبل المتخاصمين .
فالنتيجة :
أنّ المستفاد منها أنّ من جعله المتخاصمان بينهما حكماً هو الذي جعله الإمام (عليه
السلام) قاضياً ، فلا دلالة فيها على نصب القاضي ابتداءً .
ويؤكّد
ذلك أنّ قوله (عليه السلام) : «يعلم شيئاً من قضايانا» لا دلالة فيه بوجه على
اعتبار الاجتهاد ، فإنّ علومهم (عليهم السلام) وإن لم تكن قابلة للإحاطة بها
إلاّ أنّ قضاياهم وأحكامهم في موارد الخصومات قابلة للإحاطة بها ، ولا سيّما
لمن كان في عهدهم (عليهم السلام) . وعليه ، فمن كان يعلم شيئاً من
قضاياهم (عليهم السلام) يجوز للمترافعين أن يتحاكما إليه وينفذ حكمه فيه وإن لم
يكن مجتهداً وعارفاً بمعظم الأحكام .
ثمّ
إنّه هل تعتبر الأعلميّة في القاضي المنصوب ؟
لا ريب
ولا إشكال في عدم اعتبار الأعلميّة المطلقة، فإنّ الأعلم في كلّ
عصر منحصر بشخص واحد ، ولا يمكن تصدّيه للقضاء بين جميع الناس .
وإنّما
الإشكال في اعتبار الأعلميّة في البلد ، فقيل باعتبارها ، وهو غير
بعيد ، وذلك لما عرفت من أ نّه لا دليل في المسألة إلاّ الأصل ،
ومقتضاه عدم نفوذ حكم من كان الأعلم منه موجوداً في البلد .
ويؤكّد
ذلك قول علي (عليه السلام) في عهده إلى مالك الأشتر: «اختر
للحكم بين الناس أفضل رعيّتك» (1) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 27 : 223 / أبواب آداب
القاضي ب 8 ح 9 .
(مسألة
6) : هل يكون تعيين القاضي بيد المدّعي أو بيده والمدّعى عليه معاً ؟
فيه تفصيل ، فإن كان القاضي قاضي التحكيم
فالتعيين
بيدهما
معاً، وإن
كان قاضياً منصوباً فالتعيين بيد المدّعي(1).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأمّا
قاضي التحكيم : فالصحيح أ نّه
لا يعتبر فيه الاجتهاد خلافاً للمشهور ، وذلك لاطلاق عدّة من الآيات :
منها
قوله تعالى : (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوْا ا لاَْمَانَاتِ
إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوْا
بِالْعَدْلِ) (1) .
ولإطلاق
الصحيحة المتقدّمة ، وإطلاق صحيحة الحلبي ، قال : قلت
لأبي عبدالله (عليه السلام) : ربّما كان بين الرجلين من أصحابنا
المنازعة في الشيء فيتراضيان برجل مّنا، «فقال : ليس هو ذاك ،
إنّما هو الذي يجبر الناس على حكمه بالسيف والسوط» (2) ،
وغير ذلك من الروايات .
(1)
أمّا الأوّل: فلما عرفت من أنّ حكمه غير
نافذ إلاّ بعد اختيار المتخاصمين إيّاه وتراضيهما به .
وأمّا
الثاني : فهو المشهور بين الأصحاب ،
بل ادّعي عليه الإجماع ، ويدلّ عليه أنّ المدّعي هو الملزم بإثبات دعواه
بأيّ طريق شاء وأراد ، وليس للمدّعى عليه أيّ حقّ في تعيين الطريق له أو منعه
عن إثبات دعواه بطريق خاصّ كما تشير إلى ذلك عدّة من الآيات .
فالنتيجة :
أنّ تعيين القاضي بيد المدّعي ، سواء أرضي به المدّعى عليه أم لا .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) النساء 4 : 58 .
(2) الوسائل 27 : 15 / أبواب صفات
القاضي ب 1 ح 8 .
وأمّا إذا تداعيا فالمرجع في تعيين القاضي عند
الاختلاف هو القرعة (1) .
(مسألة
7) : يعتبر في القاضي اُمور ، الأوّل : البلوغ (2) ،
الثاني : العقل (3) ،
الثالث: الذكورة(4)،
الرابع : الإيمان (5) ،
الخامس : طهارة المولد (6) ،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)
وذلك حيث إنّ كلاًّ منهما مدّع فلكلّ منهما الحقّ في تعيين الطريق لإثبات
دعواه وليس للآخر منعه عنه ، فلو عيّن أحدهما حاكماً والآخر حاكماً آخر
ولا يمكن الجمع بينهما فالمرجع في تعيين الحاكم هو القرعة .
(2)
بلا إشكال ولا خلاف ، وتدلّ على ذلك صحيحة أبي خديجة سالم بن مكرّم الجمّال
المتقدّمة .
(3)
بلا خلاف ولا إشكال ، لانصراف ما دلّ على نفوذ الحكم عن المجنون .
(4)
بلا خلاف ولا إشكال ، وتشهد على ذلك صحيحة الجمال المتقدّمة ، ويؤيّدها
ما رواه الصدوق (قدس سره) بإسناده عن حمّاد بن عمرو وأنس بن محمّد ، عن
أبيه ، عن جعفر بن محمّد ، عن آبائه (عليهم السلام) : في وصيّة
النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لعلي (عليه السلام) «قال : يا علي ،
ليس على المرأة جمعة ـ إلى أن قال : ـ ولا تولّى القضاء» الحديث (1) .
(5)
بلا خلاف ولا إشكال ، وتشهد به عدّة روايات ، منها صحيحة الجمّال
المتقدّمة .
(6)
بلا خلاف ولا إشكال ، ويدلّ عليه : أنّ ولد الزنا ليس له أن يؤمّ الناس
في الصلاة ولا تقبل شهادته كما يأتي (2) ،
فليس له أن يتصدّى القضاء بين الناس
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 27 : 16 / أبواب صفات
القاضي ب 2 ح 1 ، الفقيه 4 : 263 / 821 .
(2) في ص 134 .
السادس : العدالة (1) ،
السابع : الرشد (2) ،
الثامن : الاجتهاد (3) ،
بل الضبط على وجه (4) .
ولا تعتبر فيه الحرّيّة (5) ،
كما لا تعتبر فيه الكتابة ولا البصر ، فإنّ العبرة بالبصيرة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بطريق أولى .
هذا ،
مضافاً إلى أنّ قوله (عليه السلام) في صحيحة الجمّال المتقدّمة : «ولكن
انظروا إلى رجل منكم» ينصرف إلى غير ولد الزنا جزماً ، وليس هنا ما يدلّ على
نفوذ حكمه .
(1)
من دون خلاف وإشكال ، لأنّ الفاسق غير قابل للإمامة ولا تقبل شهادته ،
فلا يسمح له بالتصدّي للقضاء بطريق أولى ، على أنّ الركون إليه في حكمه ركون
إلى الظالم وهو منهي عنه .
(2)
لما تقدّم في المجنون ، مضافاً إلى عدم الخلاف فيه .
(3)
هذا في القاضي المنصوب ابتداءً على ما عرفت .
(4)
لانصراف الدليل عن غير الضابط ، كما عليه جماعة ، وهو غير بعيد .
(5)
هذا مبني على ما علم من عدم الفرق بين الحرّ والعبد في أمثال ذلك من المناصب
الإلهيّة ، وأمّا إذا لم يثبت ذلك فقد عرفت أ نّه لا دليل لفظي) على جعل
منصب القضاء في غير موارد التحكيم ليتمسّك بإطلاقه ، فلا بدّ من
الاقتصار على القدر المتيقّن وهو غير العبد ، ولعلّه لذلك ذهب الشـيخ (قدس
سره) في المبسوط إلى اعتبار الحرّيّة (1) ،
ونسبه صاحب المسالك إلى الأكثر (2) . وبذلك
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المبسوط 8 : 101 .
(2) المسالك 13 : 330 .
(مسألة
8) : كما أنّ للحاكم أن يحكم بين المتخاصمين بالبيّنة وبالإقرار
وباليمين ، كذلك له أن يحكم بينهما بعلمه (1) ،
ولا فرق في ذلك بين حقّ الله وحقّ الناس . نعم ، لا يجوز إقامة
الحدّ قبل مطالبة صاحب الحقّ وإن كان قد علم الحاكم بموجبه ، على ما يأتي .
(مسألة
9) : يعتبر في سماع الدعوى أن تكون على نحو الجزم ، ولا تسمع إذا كانت
على نحو الظنّ أو الاحتمال (2) .
ــــــــــــــــــ