ــ[21]ــ

السلام) مع أنّ فيه عبارات تنطق بكونه له (عليه السلام) مثل ما قال في أول الكتاب : يقول عبدالله علي بن موسى الرضا . وفي بعض كلماته : نحن معاشر أهل البيت وأمرني أبي ، وجدّنا أمير المؤمنين (عليه السلام) وأروي عن أبي العالم ، إلى غير ذلك من العبائر التي لا ينبغي صدورها إلاّ عن الحجج (عليهم السلام) وقد ذكر المحدّث النوري جملة منها في المستدرك(1) هذا مضافاً إلى القرائن التي اعتمد عليها السيد المذكور .

قلت : أولا : أنّ احتمال الكذب لا دافع له مع الجهل بمؤلّفه وانفتاح باب الجعل والفرية من المشمّرين عن ساق الجد للكذب على العترة الطاهرة ، أفنسيت الأخبار المجعولة في أمر الولاية كيف قامت ، وأنّ لكل واحد من الأئمّة (عليهم السلام) من يدسّ عليه من الكذّابين .

ومن هذا ظهر فساد توهّم الصدق في نسبة الكتاب من جهة موافقة تاريخه لزمان الرضا (عليه السلام) .

وثانياً : لنفرض أنّ الكتاب ليس من مجعولات الوضّاعين ، فهل يصح أن نتمسّك بقوله : نحن معاشر أهل البيت أو جدّنا أمير المؤمنين ، لتصحيح كون الكتاب للإمام (عليه السلام) أليس احتمال كون مؤلّفه رجلا علوياً بمكان من الإمكان .

وأمّا الطريق الثاني : أعني استناد إخبار السيد بصدق الكتاب إلى إخبار ثقتين بذلك من أهل قم ، ففيه :

أوّلا : أنه محض اشتباه من المحدّث المتبحّر النوري ، فإنه مع نقله كلام المجلسي الأول بطوله الذي هو الأصل في السماع عن السيد غفل عنه وسلك مسلكاً آخر فقد قال المجلسي الأول كما في المستدرك : ثم حكى ـ أي السيد ـ عن شيخين فاضلين

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع المصدر المتقدم من المستدرك : 255 .

ــ[22]ــ

صالحين ثقتين أنّهما قالا : إنّ هذه النسخة قد اُتي بها من قم إلى مكة المشرّفة وعليها خطوط العلماء وإجازاتهم وخط الإمام (عليه السلام) في عدّة مواضع ، قال : والقاضي أمير حسين قد أخذ من تلك النسخة وأتى بها إلى بلدنا ، وإنّي استنسخت نسخة من كتابه(1). وهذا الكلام كما ترى يعلن بمخالفته لما أفاده النوري .

وثانياً : ننقل الكلام إلى إخبار هذين العدلين ، فإنّ غاية ما يحصل لنا من إخبارهما كون الفقه الرضوي من جملة الأخبار المرسلة ، فيتوجّه عليه ما قدّمناه في رواية تحف العقول .

وممّا يوهن حجية خبر أمير حسين بصدق الكتاب ـ مع كونه ثقة ـ قول المجلسي الأول بعد كلامه المتقدم : والعمدة في الاعتماد على هذا الكتاب مطابقة فتاوى علي بن بابويه في رسالته وفتاوى ولده الصدوق لما فيه من دون تغيير أو تغيير يسير في بعض المواضع ، ومن هذا الكتاب تبيّن عذر قدماء الأصحاب فيما أفتوا به .

ووجه الوهن : أنه لو كان إخبار السيد بذلك جامعاً لشرائط الحجية في الخبر الواحد فلا وجه لقول المجلسي الأول : إنّ العمدة في إثباته هي مطابقته لفتوى الصدوقين . وبالجملة : لم يتحصّل لنا من الوجه المذكور ما يوجب اعتبار الكتاب .

الوجه الثاني مما تمسك به المثبتون لنسبة الكتاب : موافقته لرسالة علي بن بابويه إلى ولده الصدوق ، وهي الكتاب المعروف بشرائع الصدوق . وقد استند إلى هذا الوجه بعض الأصحاب ، وعرفت أنّ المجلسي الأول من هؤلاء ، فقد جعل العمدة في تصحيح الكتاب موافقته لفتوى الصدوقين . فلابدّ من أن يكون الكتاب موجوداً في زمان الصدوق ومعتمداً عليه عنده ، ولذا نقل عنه وإن لم يسمّ به .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع المصدر المتقدّم من المستدرك : 232 .

ــ[23]ــ

وفيه : أنّ هذا لا يوجب اعتبار الكتاب ، لاحتمال أخذ مؤلّفه ذلك من الرسالة المذكورة ، بل هذا هو الظاهر ، إذ من المستبعد جدّاً بل من المستحيل عادةً أن يسند علي بن بابويه كتاب الرضا (عليه السلام) إلى نفسه من دون أن يشير هو أو ابنه الصدوق ـ الذي كتب لأجله هذه الرسالة ـ إلى أنّ هذا الكتاب من تأليف الرضا . وهل يرضى أحد أن ينسب مثل هذه السرقة إلى الصدوقين . فلابدّ وأن يكون الأمر بالعكس ، بأن يكون هذا الكتاب مأخوذاً من رسالة علي بن بابويه .

وربما قيل : إنّ فقه الرضا (عليه السلام) هذا هو الذي كتبه الرضا لأحمد بن السكّين الذي كان مقرّباً عنده ، وهو بخطه (عليه السلام) موجود في الطائف بمكّة المعظّمة في جملة كتب السيد علي خان ، وعليه إجازات العلماء وخطوطهم ، وهذه النسخة بالخطّ الكوفي ، وتاريخها عام مائتين من الهجرة(1). وبعد أن نقل المحدّث النوري هذا الوجه عن الرياض قال ما حاصله : ومن هنا يتّضح أنّ من عدم الاطّلاع ومن قلّة الخبرة أن يقال ظهور الكتاب إنما كان في زمن أمير حسين ، أمّا قبل ذلك الزمان فلم يكن منه عين ولا أثر .

أقول : نحن لا ندّعي أنه لم يكن للرضا (عليه السلام) كتاب وآثار حتى ينقض علينا بما كتبه لأحمد بن سكّين ، بل نقول إنه لا مدرك لنا لإثبات أنّ هذا الكتاب الذي عندنا كان له (عليه السلام) وأنه هو الذي كان موجوداً في مكتبة السيد علي خان ، خصوصاً مع ملاحظة أنّ ظهوره كان من قم كما عرفت ، ومن هنا يعلم أنّ نقد النوري للقول بظهوره في زمن أمير حسين ناشئ من عدم التأمّل .

ثم إنه مع الغضّ عن جميع ما ذكرناه فإنّ في الكتاب قرائن قطعيّة تدلّ على عدم كونه لمثل مولانا الرضا (عليه السلام) بل هو رسالة عملية ذكرت فيها الفتاوى

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ملخّص ما نقله النوري في المصدر المتقدّم من المستدرك : 242 عن كتاب رياض العلماء .

ــ[24]ــ

والروايات بعنوان الافتاء كما يظهر لمن يلاحظه ، كيف وأكثر رواياته إمّا بعنوان روي وأروي ونحوهما ، وإمّا نقل عن الرواة خصوصاً في آخر الكتاب ، فإنه ينقل فيه كثيراً عن ابن أبي عمير وزرارة والحلبي وصفوان ومحمد بن مسلم ومنصور وغيرهم .

على أنّ فيه عبارات يقبح صدورها عن الإمام (عليه السلام) نظير قوله : جعلني الله من السوء فداك(1)، وقوله في باب القدر(2): صف لي منزلتين . فإنّ هذا القول ظاهر في جهل القائل ، وهو مستحيل في حق الإمام (عليه السلام) إلى غير ذلك  . وقد نقل جملة منها في المستدرك(3) مع أنه ذكر فيه(4) من الأحكام المتناقضة وما يخالف مذهب الشيعة كثير . وحملُها على التقية بديهي الفساد ، لما ورد في هذا الكتاب أيضاً ممّا يخالفها ، بل تكذيبهم والازراء عليهم(5)، كما في المتعة .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ] لم نعثر عليه في المصدر ، نعم نقله في المستدرك 19 (الخاتمة 1) : 281 ـ في البحث عن الفقه الرضوي ـ عن بعض توقيعات الاحتجاج فراجع [ .

(2) لاحظ فقه الرضا (عليه السلام) : 348 .

(3) المصدر المتقدّم من المستدرك : 290 .

(4) في باب اللباس وما لا يجوز فيه الصلاة ص157 قال : يجوز الصلاة في سنجاب وسنور وفنك . وفي باب اللباس وما يكره فيه الصلاة ص202 قال : جلد الميتة دباغته طهارته وقد يجوز الصلاة فيما لم تنبته الأرض ولم يحل أكله مثل السنجاب والفنك والسنور . وفي باب التخلّي والوضوء ص79 قال : وإن غسلت قدميك ونسيت المسح عليهما فإنّ ذلك يجزئك لأنّك قد أتيت بأكثر ما عليك ، وقد ذكر الله الجميع في القرآن .

(5) ففي باب المتعة محمد بن أبي عمير عن ابن اُذينة عن زرارة قال : جاء عبدالله بن عمير إلى أبي جعفر (عليه السلام) فقال : ما تقول في متعة النساء ؟ فقال : أحلّها الله في كتابه وعلى لسان نبيّه ، فهي حلال إلى يوم القيامة ، فقال : ياأبا جعفر مثلك يقول هذا وقد حرّمها أمير المؤمنين عمر ؟ فقال : وإن كان فعل ، فقال : إنّي اُعيذك أن تحلّ شيئاً قد حرّمه عمر فقال : فأنت على قول صاحبك وأنا على قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فهلم اُلاعنك أنّ القول ما قال رسول الله فإنّ الباطل ما قال صاحبك ، قال : فأقبل عليه عبدالله بن عمير فقال  : يسرّك أنّ نساءك وبناتك وأخواتك وبنات عمّك يفعلن ؟ فأعرض عنه أبو جعفر (عليه السلام) وعن مقالته حين ذكر نساءه وبنات عمّه . ] لم نعثر عليه في المصدر [ .

ــ[25]ــ

والالتزام بالتفصيل(1) بأنّ بعض الكتاب إملاء منه (عليه السلام) وبعضه الآخر لأحمد بن محمد بن عيسى الأشعري ، وأنّ موارد التقية في الكتاب إنما هي فيما سمع منه (عليه السلام) تكلّف في تكلّف وقول بلا علم ، هذا كلّه ما يرجع إلى نفس الكتاب ، وقد أجاد صاحب الفصول في بعض ما أفاده(2) هنا فليراجع . إذن فقد حق القول أنه لو اُنيطت الأحكام الشرعية بمثل هذه المدارك فبين أيدينا البخاري ومسند أحمد وصحيح مسلم ، وعلى هذا فعلى الفقه السلام .

وأمّا توهّم انجبار رواياته بالشهرة إذا قامت على وفقها فقد عرفت(3) ما فيه في رواية تحف العقول .

وربما يتخيّل اعتبار الكتاب لأجل عمل جملة من الأكابر به كالمجلسيين وغيرهما . ولكنّه فاسد ، لأنهم قد استندوا في عملهم هذا بما ذكر من الوجوه التي عرفت جوابها بما لا مزيد عليه .

وأمّا الجهة الثانية : فمع الإغضاء عن جميع ما ذكرناه والالتزام باعتبار

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع المستدرك 19 (الخاتمة 1) : 294 .

(2) راجع الفصول : 312 / فصل أنّه لا يكفي عندنا في حجية الرواية مجرّد وجودها في الكتب الأربعة من فصول حجية أخبار الآحاد .

(3) في ص8 .

ــ[26]ــ

الكتاب لا يمكن الاستناد إلى هذه الرواية(1) التي نقلها العلاّمة الأنصاري (رحمه الله) في شيء من المباحث ، وذلك لوجوه :

الأول : عدم وجدان فتوى من فتاوى أعاظم الأصحاب على طبقها ، فإنّ الرواية صريحة بحرمة استعمال ما نهي عنه مما فيه الفساد بجميع الاستعمالات حتى الإمساك ، مع أنه لم يفت به أحد فيما نعلم ، وكيف يتفوّه فقيه أو متفقّه بحرمة إمساك الدم والميتة ولحوم السباع كما أنّ ذلك مقتضى الرواية . إذن فلا يمكن الفتوى على طبقها .

الثاني : أنّ مقتضى قوله : « فحرام ضارّ للجسم وفساد للنفس » أنّ الضابطة في تحريم هذه الاُمور المذكورة في الرواية هو إضرارها للجسم ، كما أنّ المناط في جوازها عدم إضرارها له ، مع أنّ جلّها ليس بضارّ للجسم ، كالملابس والمناكح وأكثر المشارب والمآكل إن لم يكن كلّها كذلك . وعلى فرض تسليم ذلك فلا نسلّم انضباط القاعدة ، فإنه لا شبهة أنّ كثيراً من هذه الاستعمالات للأشياء المحرّمة لا تكون مضرّة قطعاً ، كوضع اليد عليها مثلا أو الأكل منها قليلا أو شدّ اليد بجلد الميتة وشعر الخنزير ، وإنما المضرّ هي مرتبة خاصة من الاستعمال بحسب الأشخاص

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قال (عليه السلام) : « اعلم يرحمك الله أنّ كل مأمور به مما هو منّ (وفي البحار : ممّا هو عون) على العباد وقوام لهم في اُمورهم من وجوه الصلاح الذي لا يقيمهم غيره مما يأكلون ويشربون ويلبسون وينكحون ويملكون ويستعملون ، فهذا كلّه حلال بيعه وشراؤه وهبته وعاريته . وكل أمر يكون فيه الفساد مما قد نهي عنه (من جهة أكله وشربه ولبسه ونكاحه وإمساكه لوجه الفساد) مثل الميتة والدم ولحم الخنزير والربا وجميع الفواحش ولحوم السباع والخمر وما أشبه ذلك ، فحرام ضارّ للجسم وفساد للنفس » وهي ضعيفة كما عرفت . راجع فقه الرضا (عليه السلام) : 250 / 36 ] ما بين القوسين لا يوجد في المصدر [ ، البحار 100  : 51 / 12 ، المستدرك 13 : 64 / أبواب ما يكتسب به ب2 ح1 .

ــ[27]ــ

والأزمان والأمكنة والكمية . فلو كان ذلك موجباً لحرمة جميع الاستعمالات بجميع مراتبها فتكون نظير قول النبي (صلّى الله عليه وآله) : « فما أسكر كثيره فقليله حرام  »(1) للزم من ذلك القول بحرمة جميع ما خلق الله في الأرض من المباحات فإنّ كل واحد من هذه المباحات لابدّ وأن يكون مضراً في الجملة ولو باستعمال الشيء الكثير منه .

على أنّ الأحكام الشرعية بناءً على مسلك العدلية تدور مدار ملاكاتها الواقعية من المصالح والمفاسد ، وأمّا المنافع والمضار فهي خارجة عن حدودها ، نعم ربما يكون الضرر أو النفع موضوعاً للأحكام ، إلاّ أنّ ذلك غير مربوط بباب ملاكات الأحكام .

الثالث : أنّ ظاهر الرواية هو حرمة بيع الاُمور المذكورة تحريماً تكليفياً ، كما تقدّم(2) نظير ذلك في رواية تحف العقول ، وكلامنا في الحرمة الوضعية .

قوله : وعن دعائم الإسلام .

أقول : أقصى ما قيل أو يمكن أن يقال في وجه اعتبار هذا الكتاب أنّ صاحبه ـ  أبا حنيفة النعمان ـ حيث كان رجلا إمامياً اثني عشرياً جليلا فاضلا فقيهاً ومن جملة النوابغ في عصره ، بل كان فريداً في دهره كما يظهر من كتابه ، كانت رواياته مشمولة لأدلة حجية خبر العدل الإمامي .

والذي ينبغي أن يقال : إنه لا شبهة في علو مكانة أبي حنيفة النعمان صاحب كتاب دعائم الإسلام وغيره من الكتب الكثيرة ونبوغه في العلم والفضل والفقه والحديث على ما نطقت به التواريخ وكتب الرجال وكتابه هذا ، كما لا شبهة في كونه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع الوافي 20 : 624 / 4 ، 8 ، 13 وغيرها .

(2) في ص11 .

ــ[28]ــ

إمامياً في الجملة ، فإنه كان مالكي الأصل فتبصّر وصار شيعياً إمامياً كما اتّفقت عليه كلمات أكثر المترجمين الذين تعرّضوا لترجمته وتاريخه كالبحار(1) وتنقيح المقال للمامقاني(2) وسفينة البحار(3) والمستدرك(4) وتأسيس الشيعة للسيد حسن الصدر(5) وغيرها . وقد نقلوا عن أئمة التاريخ والرجال كونه إمامياً ، وعلى هذا فلا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قال : قد كان أكثر أهل عصرنا يتوهّمون أنه تأليف الصدوق ، وقد ظهر لنا أنه تأليف أبي حنيفة النعمان بن محمد بن منصور قاضي مصر في أيام الدولة الاسماعيلية . راجع البحار 1 : 38 .

(2) تنقيح المقال 3 : 273 من أبواب الميم / 12502 .

(3) سفينة البحار 1 : 802 مادّة حنف : أبو حنيفة الشيعة ، هو القاضي نعمان بن محمد بن منصور قاضي مصر ، كان مالكياً أولا ثم اهتدى وصار إمامياً ، وصنّف على طريق الشيعة كتباً منها كتاب دعائم الإسلام . وفي كتاب دائرة المعارف : أبو حنيفة المغربي هو النعمان بن أبي عبدالله محمد ابن منصور بن أحمد بن حيوان ، أحد الأئمة الفضلاء المشار إليهم ، ذكره الإمام المسبحي في تاريخه فقال : كان من أهل العلم والفقه والدين والنبل على ما لا مزيد عليه ، وله عدّة مصنّفات منها كتاب اختلاف اُصول المذهب ، وغيره ، وكان مالكي المذهب ثم انتقل إلى مذهب الإمامية . وقال ابن زولاق : كان في غاية الفضل من أهل القرآن والعلم بمعانيه ، عالماً بوجوه الفقه وعلم اختلاف الفقهاء واللغة والشعر والمعرفة بأيام الناس مع عقل وإنصاف ، وألّف لأهل البيت من الكتب آلاف الأوراق بأحسن تأليف وأفصح سجع وعمل في المناقب والمثالب كتاباً حسناً ، وله ردّ على المخالفين ، له ردّ على أبي حنيفة ومالك والشافعي وعلي بن سُرَيج ، وكتاب (اختلاف الفقهاء) ينتصر فيه لأهل البيت (عليهم السلام) وله القصيدة الفقهية لقّبها بالمنتخبة ، وكان ملازماً صحبة المعزّ العلوي ، توفّي سنة 363 . وكان أولاده من الأفاضل ، منهم أبو الحسن علي بن النعمان وأبو عبدالله محمد بن النعمان .

(4) المستدرك 19 (الخاتمة 1) : 128 .

(5) تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام : 303 .

ــ[29]ــ

يصغى إلى قول ابن شهر آشوب في المعالم : إنّه لم يكن إمامياً ، على ما في تنقيح المقال  .

إلاّ أنّ الذي يقتضيه الإنصاف أنّا لم نجد بعد الفحص والبحث من يصرّح بكونه ثقة ولا اثني عشرياً ، وإن كان المحدّث النوري قد أتعب نفسه في إثباتهما وبالغ في اعتبار الكتاب ، ومع هذا الجهد والمبالغة لم يأت بشيء تركن إليه النفس ويطمئن به القلب . ولعلّ كلام السيد في الروضات ينظر إلى ما ذكرناه حيث قال  : ولكن الظاهر عندي أنه لم يكن من الإمامية الحقّة(1). وحينئذ فكيف يمكن إثبات حجية رواياته بأدلة حجية خبر العدل .

وعلى تقدير تسليم وثاقته وكونه إمامياً اثني عشرياً فلا يخرج بذلك ما احتواه كتابه عن سلك الأخبار المرسلة ، فتسقط حجيته للإرسال .

وأمّا توهم انجباره بالشهرة أو بموافقة أكثر رواياته لروايات الكتب المعتبرة فقد تقدّم(2) جوابهما في ذيل رواية تحف العقول .

فإن قلت : إذا سلّمنا وثاقة أبي حنيفة النعمان فلا مناص عن الالتزام بحجية كتابه ، لأنه قال في أوله : نقتصر فيه على الثابت الصحيح مما رويناه عن الأئمة من أهل بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فيكون كلامه هذا توثيقاً إجمالياً لما أسقطه من الرواة .

قلت : نعم ، ولكن ثبوت الصحة عنده لا يوجب ثبوتها عندنا ، لاحتمال اكتفائه في تصحيح الرواية بما لا نكتفي به نحن . والحقّ فيه ما ذكره المجلسي في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الروضات 8 : 149 / 725 .

(2) في ص8 ، 10 .

ــ[30]ــ

البحار  : ورواياته تصلح للتأكيد والتأييد(1).

إزاحة شبهة : وقد التجأ المحدّث النوري(2) في تنزيه أبي حنيفة النعمان عن اتّهامه بمذهب الإسماعيلية وإثبات كونه ثقة اثني عشرياً إلى بيان نبذة من عقائد الإسماعيلية الفاسدة ، كقولهم بأنّ محمد بن إسماعيل حي لم يمت ويبعث برسالة وشرع جديد ينسخ به شريعة محمد ، وأنه من اُولي العزم واُولوا العزم عندهم سبعة ، لأنّ السماوات سبع والأرضين سبع وبدن الإنسان سبعة ، والأئمة سبعة وقلبهم محمد بن إسماعيل ، إلى غير ذلك من الخرافات التي تنزّه عنها النعمان وكتابه . ثم إنه صرّح في كتابه بكفر الباطنية وأثبت إمامة الأئمة الطاهرين ، وكونهم مفترضي الطاعة ، ولم يصرّح بإسماعيل ولا بابنه محمد ، ومع ذلك كلّه فكيف يرضى المنصف بعدّه من الإسماعيلة . انتهى ملخّص كلامه .

وفيه : أنّ تنزّه النعمان من تلك الأقاويل الكاذبة والعقائد الفاسدة وتصريحه بكفر الباطنية لا يستلزم عدم كونه من الإسماعيلية ، لأنّ الباطنية قسم منهم ، وليس كل إسماعيلي من الباطنية . وأنّ عدم ذكره إسماعيل وابنه في عداد الأئمة لا يكشف عن عدم عقيدته بامامتهما ، مع أنّ عقائد الإسماعيليين لم تصل إلينا بحقيقتها حتى نلاحظها مع ما ذكره النعمان ليتّضح لنا أنه منهم أو ليس منهم ، ولقد صادفت زعيماً من زعمائهم في الحضرة الشريفة فسألته عن ولي الأمر والحجة المنتظر (عليه السلام) هل هو حي أو ميت فقال هو لا حي ولا ميت ، بل يولد من امرأة قرشية لا تحيض . فيعلم من ذلك أنهم لا يرون ما تذهب إليه الباطنية في محمد بن إسماعيل .

كشف حقيقة : لا ينقضي تعجّبي من المحدّث المتبحّر النوري حيث قال في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) البحار 1 : 38 .

(2) المصدر المتقدّم من المستدرك : 133 وما بعدها .

ــ[31]ــ

المستدرك(1) ما ملخّصه : إنّ الكتاب المذكور لم يخالف في فرع غالباً إلاّ ومعه موافق معروف من الشيعة إلاّ في إنكار المتعة فليس له موافق عليه ، ثم حمل إنكاره هذا على التقية ، وجعل القرينة على ذلك ما ذكره في باب الطلاق من عدم وقوع التحليل بالمتعة للمطلّقة ثلاثاً ، وما ذكره في باب الحد في الزنا من أنّ الإحصان لا يتحقق بالمتعة ، فإنّ المتعة لو لم تكن جائزة عنده لكان ذكرها في البابين بلا وجه ، وتكون من قبيل ذكر الزنا فيهما ، ولا معنى لأن يقول أحد إنّ الزنا لا يتحقق به التحليل والإحصان .

ووجه العجب أولا : أنّ الكتاب يشتمل على فروع كثيرة تخالف مذهب الشيعة الاثني عشرية ، ولم يوافقه عليها أحد من علماء الشيعة ، وقد ذكرنا في الحاشية إنموذجاً من هذه المخالفات لتكون حجة على منكرها(2).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المصدر المتقدّم من المستدرك : 145 .

(2) منها : ما ذكره ] في 2 : 228 / 858 ، 859 [ في المتعة وأنها ليست بمشروعة ، ومنها : ما ذكره في ] 1 : 178 [ ضمن ما يسجد عليه المصلّي قال : وعن جعفر بن محمد (عليه السلام) أنه رخّص في الصلاة على ثياب الصوف وكلّ ما يجوز لباسه والصلاة فيه يجوز السجود عليه ... فإذا جاز لباس ثوب الصوف والصلاة فيه فذلك مما يسجد عليه . ومنها : ما قال في الوضوء ] 1 : 107 [ إنه مَن بدأ بالمياسير من أعضاء الوضوء جهلا أو نسياناً وصلّى لم تفسد صلاته .

ومنها : ما ] في 1 : 101 ، 102 [ في نواقض الوضوء عن جعفر بن محمد (عليه السلام) أنّ الذي ينقض الوضوء ، إلى أن قال : المذي ، وقال بعد أسطر : ورأوا أنّ كل ما خرج من مخرج الغائط ومن مخرج البول عما قدّمنا ذكره أو من دود أو حبّات أو حبّ القرع ذلك كلّه حدث يجب منه الوضوء وينقض الوضوء .

ومنها : ما قال ] في 1 : 109 [ في المسح : من بدأ بما أخّره الله من الأعضاء نسياناً أو جهلا وصلّى لم تفسد صلاته .

ومنها : ما قال ] في 1 : 108 [ في صفات الوضوء : ثم أمروا بمسح الرأس مقبلا ومدبراً ، يبدأ من وسط رأسه فيمرّ يديه جميعاً على ما أقبل من الشعر إلى منطقة من الجبهة ، ثم يمار يديه من وسط الرأس إلى آخر الشعر من القفا ، ويمسح مع ذلك الاُذنين ظاهرهما وباطنهما .

ومنها : ما قال في هذا الباب : ومن غسل رجليه تنظّفاً ومبالغة في الوضوء ولابتغاء الفضل وخلل أصابعه فقد أحسن .

ومنها : ما قال ] في 1 : 110 [ في الوضوء التجديدي : ما غسل من أعضاء الوضوء أو ترك لا شيء عليه ، وقد روينا عن علي بن الحسين (عليه السلام) أنه سئل عن المسح على الخفّين فسكت حتى مرّ بموضع فيه ماء والسائل معه فنزل وتوضّأ ومسح على الخفين وعلى عمامته وقال : هذا وضوء من لم يحدث . إلى غير ذلك مما يخالف مذهب الشيعة ، وليس المقام مناسباً لذكره أجمع ، ومن أراد الاطّلاع عليه فليراجع دعائم الإسلام .

ــ[32]ــ

وثانياً : أنّ نقل روايتين في الكتاب يظهر منهما جواز المتعة لا يدل على التزامه بالجواز ، ونسبة ذلك إليه محتاجة إلى علم الغيب بأنه كان حينما نقلهما ملتفتاً إلى ما يستفاد منهما من مشروعية المتعة ، فإنّ من المحتمل القريب أن يكون نظره في الروايتين مقصوراً على نفي التحليل والإحصان بالمتعة كنفيهما بالشبهة ، مع عدم التفاته إلى جهة اُخرى ، لأنه ليس بمعصوم لا يمكن في حقه مثل هذا الاحتمال .

أمّا أنّ المتعة بناءً على عدم جوازها كالزنا فيكون ذكرها في البابين من قبيل ذكر الزنا ولا معنى له ، فيدفعه أنّ ذكر المتعة يكون من قبيل ذكر الشبهة في البابين ولا خفاء فيه ، ولا معنى للتهويل به .

تذييل : لا يخفى عليك أنّا لو قطعنا النظر عن جميع ما ذكرناه في عدم اعتبار

ــ[33]ــ

الكتاب فالرواية التي ذكرها المصنّف(1) هنا لا يمكن الاستناد إليها بالخصوص ، لأنّ قوله فيها : « وما كان محرّماً أصله منهيّاً عنه لم يجز بيعه » يقتضي حرمة بيع الأشياء التي تعلّق بها التحريم من جهة ما ، مع أنه ليس بحرام قطعاً . على أنّ الظاهر منه هي الحرمة التكليفية ، مع أنها منتفية جزماً في كثير من الموارد التي نهي عن بيعها وشرائها ، وإنما المراد من الحرمة في تلك الموارد هي الحرمة الوضعية ليس إلاّ ، فلا تكون الرواية معمولة بها .

قوله : وفي النبوي المشهور .

أقول : توضيح الكلام في صحة الحديث وسقمه يقع في مقامين : الأول في سنده ، والثاني في دلالته .

أمّا الأول : فالكلام فيه من جهتين : الاُولى في حجيته عند العامة ، والثانية في حجيته عند الخاصة .

أمّا الكلام في الجهة الاُولى : فإنّ هذا النبوي لم يذكر في اُصول حديثهم إلاّ في قضية الشحوم المحرّمة على اليهود التي نقلت بطرق متعدّدة ، كلّها عن ابن عباس إلاّ في روايتين إحداهما عن جابر والثانية عن عمر ، وقد ذكر في ذيل بعض الروايات التي عن ابن عباس قوله (صلّى الله عليه وآله) : « إنّ الله إذا حرّم على قوم أكل شيء حرّم عليهم ثمنه »(2) مع إضافة لفظ (أكل) وعلى هذا فيكون غير النبوي المشهور .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) عن دعائم الإسلام ] 2 : 18 / 23 [ عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنه قال : « الحلال من البيوع كل ما هو حلال من المأكول والمشروب وغير ذلك مما هو قوام للناس وصلاح ومباح لهم الانتفاع به ، وما كان محرّماً أصله منهياً عنه لم يجز بيعه ولا شراؤه » . راجع المستدرك 13 : 65 / أبواب ما يكتسب به ب2 ح2 .

(2) قال : « رأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) جالساً عند الركن ، فرفع بصره إلى السماء فضحك وقال : لعن الله اليهود ـ ثلاثاً ـ إنّ الله حرّم عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها إنّ الله إذا حرّم على قوم أكل شيء حرّم عليهم ثمنه » . راجع السنن الكبرى لأبي بكر أحمد ابن الحسين بن علي الشافعي البيهقي 6 : 13 ومسند أحمد 1 : 409 / 2222 ، 483 / 2673 ، والمستدرك 13 : 73 / أبواب ما يكتسب به ب6 ح8 ، وسنن أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني 3 : 280 / 3488 باب في ثمن الخمر والميتة .

ــ[34]ــ

نعم ورد في مسند أحمد باسناده عن ابن عباس في بعض روايات تلك القضية(1): « إنّ الله إذا حرّم على قوم شيئاً حرّم عليهم ثمنه » باسقاط لفظ (أكل) . إلاّ أنّ اُصول حديثهم كلها مطبقة على ذكره ، حتى ابن حنبل نفسه نقل ذلك في موضع آخر من كتابه عن ابن عباس كما أشرنا إلى مصدره في الحاشية ، نعم قد أورده الفقهاء من العامة(2) والخاصة(3) في كتبهم الاستدلالية كثيراً مع إسقاط كلمة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) « أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قال : لعن الله اليهود ، حرّم عليهم الشحوم فباعوها فأكلوا أثمانها ، وإنّ الله إذا حرّم على قوم شيئاً حرّم عليهم ثمنه » راجع 1 : 530 / 2956 .

(2) راجع حياة الحيوان للدميري ] 1 : 373 ـ 374 مادّة الحمام [ ذيل الحكم قال : وأمّا بيع ذرق الحمام وسرجين البهائم المأكولة وغيرها فباطل ، وثمنه حرام ، هذا مذهبنا ، إلى أن قال : واحتجّ أصحابنا بحديث ابن عباس : « إنّ الله إذا حرّم على قوم شيئاً حرّم عليهم ثمنه » وهو حديث صحيح رواه أبو داود باسناد صحيح ، وهو عام إلاّ ما خرج بدليل كالحمار . أقول : المذكور في المصدر المتقدّم من سنن أبي داود السجستاني مشتمل على كلمة (أكل) فلاحظ
وشرح فتح القدير 6 : 44 استدلّ به على حرمة بيع الخمر ، وغيرهما من كتبهم الاستدلالية .

(3) راجع البحار 100 : 55 / 29 نسبه إلى خط الشيخ محمد بن علي الجبعي ، وفي الخلاف ـ  للشيخ الطوسي 3 : 185 / بيع السرجين ـ استدل به على حرمة بيع السرجين النجس والخلاف 6 : 92 استدل به على حرمة بيع الدهن المتنجّس . والمستند 14 : 65 استدل به على حرمة بيع الخمر ] لا يخفى أنّ الطبعة الأخيرة مشتملة على كلمة أكل [ ، والغنية ] 213 [أول البيع ، وغيرها من الكتب ، من غير اُصول الحديث . ثم إنّ هذه الروايات كلّها ضعيفة السند ، أمّا ما في كتب العامة فواضح ، وأمّا في كتب الخاصة فللإرسال .

ــ[35]ــ

(أكل) تأييداً لمرامهم .

وحاصل ما ذكرناه : أنّ اتّحاد القضية في جميع رواياتها ، وإطباق اُصول حديثهم على ذكر لفظ الأكل ، واتّصال السند فيما يشتمل عليه وفيما لا يشتمل عليه إلى ابن عباس ، وموافقة أحمد على ذكر لفظ أكل في مورد آخر ، كلّها شواهد صدق على اشتباه أحمد ، وأنّ النبوي مشتمل على كلمة أكل .

وأمّا الجهة الثانية : فالنبوي وإن اشتهرت روايته في ألسنة أصحابنا في كتبهم قديماً وحديثاً متضمّنة لكلمة (أكل) تارةً وبدونها اُخرى ، إلاّ أنّ كلّهم مشتركون في نقله مرسلا ، والعذر فيه أنهم أخذوه من كتب العامة ، لعدم وجوده في اُصولهم .

وحيث أثبتنا في الجهة الاُولى أنّ الصحيح عندهم هو ما اشتمل على كلمة (أكل) كان اللازم علينا ملاحظة ما ثبت عندهم . إذن فلم يبق لنا وثوق بكون النبوي المشهور رواية ، فكيف بانجبار ضعفه بعمل المشهور .

وأمّا المقام الثاني : فبعد ما عرفت أنّ الثابت عند العامة والخاصة اشتمال الرواية على كلمة (أكل) كان عمومه متروكاً عند الفريقين ، فإنّ كثيراً من الاُمور يحرم أكله ولا يحرم بيعه ، ومن هنا قال في جوهر النقي حاشية البيهقي(1) في ذيل الحديث المشتمل على كلمة (أكل) : قلت عموم هذا الحديث متروك اتّفاقاً ، بجواز بيع الآدمي والحمار والسنّور ونحوها .

تبيين : لو فرضنا ثبوت النبوي على النحو المعروف لم يجز العمل به أيضاً للإرسال وعدم انجباره بالشهرة وغيرها ، وذلك لأنّ تحريم الشيء الذي

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سنن البيهقي مع الجوهر النقي 6 : 13 .

ــ[36]ــ

يستلزم تحريم ثمنه إمّا أن يراد به تحريم جميع منافع ذلك الشيء ، وإمّا تحريم منافعه الظاهرة  ، وإمّا تحريم منافعه النادرة ولو من بعض الجهات .

فعلى الاحتمالين الأولين فالمعنى وإن كان وجيهاً وموافقاً لمذهب الشيعة لقولهم بأنّ ما يحرم جميع منافعه أو منافعه الظاهرة يحرم بيعه ، إلاّ أنّ إثبات اعتمادهم في فتياهم بذلك على النبوي مشكل ، وذلك للوثوق بأنّ مستندهم في تلك الفتيا ليس هو النبوي ، بل هو ما سيأتي(1) في البيع من اعتبار المالية في العوضين لأنّ مالية الأشياء إنما هي باعتبار المنافع الموجودة فيها الموجبة لرغبة العقلاء وتنافسهم فيها ، فما يكون عديماً لجميع المنافع أو للمنافع الظاهرة لا تكون له مالية . إذن فليست هنا شهرة فتوائية مستندة إلى النبوي لتوجب انجباره ، لأنه بناءً على انجبار ضعف الخبر بعمل الأصحاب إنما يكون فيما انحصر الدليل لفتياهم بذلك الخبر الضعيف ، ولم يكن في البين ما يصلح لاستنادهم إليه .

وأمّا على الثالث : فالحرمة لا توجب فساد البيع عند المشهور ليحتمل انجبار النبوي بفتياهم .

فتحصّل : أنه لا يكون شيء من الروايات العامة التي ذكرها المصنف دليلا في المسائل الآتية ، بل لابدّ في كل مسألة من ملاحظة مداركها ، فإن كان فيها ما يدل على المنع اُخذ به ، وإلاّ فالعمومات الدالّة على صحة العقود كقوله تعالى : (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ)(2) و (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)(3) و (تِجَارَةً عَنْ تَرَاض)(4) محكّمة كما تقدّمت

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لاحظ الجزء الثاني من هذا الكتاب : 24 .

(2) البقرة : 2 : 275 .

(3) المائدة 5 : 1 .

(4) النساء 4 : 29 .

ــ[37]ــ

الإشارة إلى ذلك في أول الكتاب .

بطلان المعاملة على الأعمال المحرّمة

تمهيد : لا يخفى عليك أنّ محل كلامنا في المسائل الآتية إنما هو في الأعيان المحرّمة من الخمر والخنزير والميتة ونحوها ، وأمّا الأعمال المحرّمة كالزنا والنميمة والكذب والغيبة فيكفي في فساد المعاملة عليها الأدلّة الدالّة على تحريمها ، لأنّ مقتضى وجوب الوفاء بالعقود هو وجوب الوفاء بالعقد الواقع على الأعمال المحرّمة ومقتضى أدلّة تحريم تلك الأعمال هو وجوب صرف النفس عنها وإيقاف الحركة نحوها ، فاجتماعهما في مرحلة الامتثال من المستحيلات العقلية . وعلى أقل التقادير فإنّ أدلة صحة العقود ووجوب الوفاء بها مختصة بحكم العرف بما إذا كان العمل سائغاً في نفسه ، فلا وجه لرفع اليد بها عن دليل حرمة العمل في نفسه .

وبما ذكرنا يظهر أنّ الوجه في فساد المعاملة على الأعمال المحرّمة هو استحالة الجمع بين وجوب الوفاء بهذه المعاملة وبين حرمة هذه الأعمال ، أو الحكومة العرفية المذكورة .

وربما يظهر من كلام شيخنا الاُستاذ في حكم الاُجرة على الواجبات أنّ الوجه في ذلك هو عدم كون الأعمال المحرّمة من الأموال أو عدم إمكان تسليمها شرعاً ، حيث قال : الأول : أن يكون العمل الذي يأخذ الأجير أو العامل بازائه الاُجرة والجعل ملكاً له ، بأن لا يكون مسلوب الاختيار بايجاب أو تحريم شرعي عليه(1).

وبملاحظة ما تقدم يظهر لك ما فيه ، فإنّك قد عرفت أنّ صحة المعاملة عليها

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) منية الطالب 1 : 45 .

ــ[38]ــ

ووجوب الوفاء بها لا يجتمعان مع الحرمة النفسية ، سواء اعتبرنا المالية أو القدرة على التسليم في صحة العقد أم لم نعتبر شيئاً من ذلك .

تقسيم المكاسب إلى الثلاثة أو الخمسة

قوله : قد جرت عادة غير واحد على تقسيم المكاسب .

أقول : المكاسب جمع مكسب ، وهو مفعل من الكسب ، إمّا مصدر ميمي بمعنى الكسب أو التكسّب ، أو اسم مكان من الكسب .

قوله : ممّا ندب إليه الشرع . أقول : أي أمر به بالأمر الاستحبابي ، وقد أشار بذلك إلى الأخبار الواردة في استحباب الرعي(1) والزرع(2).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فعن العيون : محمد بن عطية ، قال : « سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : إنّ الله (عزّوجلّ) أحبّ لأنبيائه من الأعمال الحرث والرعي لئلاّ يكرهوا شيئاً من قطر السماء » . راجع البحار 11 : 64 / 6 ، 100 : 65 / 8 . وعن العيون : عقبة عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « ما بعث الله نبياً قطّ حتى يسترعيه الغنم ويعلمه بذلك رعية الناس » . راجع البحار 11 : 64 / 7 . وفي الحديث : « أنّه (صلّى الله عليه وآله) قال : ما من نبي إلاّ وقد رعى الغنم ، قيل : وأنت يارسول الله ؟ قال : وأنا  » راجع البحار 61 : 117 .

(2) ففي الكافي عن محمد بن عطية قال : « سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : إنّ الله (عزّوجلّ) اختار لأنبيائه الحرث والزرع كي لا يكرهوا شيئاً من قطر السماء » وهي مرسلة .

وفي الكافي والتهذيب عن سهل بن زياد رفعه ، قال « قال أبو عبدالله (عليه السلام) : إنّ الله جعل أرزاق أنبيائه في الزرع والضرع لئلاّ يكرهوا شيئاً من قطر السماء » وهي ضعيفة بسهل ومرفوعة .

وفي الكافي عن سيّابة عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « سأله رجل فقال له : جعلت فداك ، أسمع قوماً يقولون إنّ الزراعة مكروهة ، فقال له : ازرعوا واغرسوا ، فلا والله ما عمل الناس عملا أحبّ ولا أطيب منه ، والله ليزرعنّ الزرع وليغرسنّ النخل بعد خروج الدجّال  » وهي مجهولة بسيابة .

وفي الكافي عن يزيد بن هارون الواسطي قال : « سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : الزارعون كنوز الأنام ، يزرعون طيباً أخرجه الله (عزّوجلّ) وهم يوم القيامة أحسن الناس مقاماً وأقربهم منزلة ، يُدْعون المباركين » مجهولة بيزيد بن هارون . راجع الكافي 5 : 260 / باب فضل الزراعة ، والوسائل 19 : 32 / كتاب المزارعة والمساقاة ب3 ح3 ، 2 ، 1 ، 7 والوافي 17 : 129 / باب فضل الزراعة ، والتهذيب 6 : 384 / 1139 .

وفي التهذيب ] 6 : 384 / 1138 [ عن يزيد بن هارون الواسطي ، قال : « سألت جعفر بن محمد (عليه السلام) عن الفلاّحين ، فقال : هم الزارعون كنوز الله في أرضه ، وما في الأعمال شيء أحب إلى الله من الزراعة ، وما بعث الله نبياً إلاّ زراعاً إلاّ إدريس (عليه السلام) فإنه كان خياطاً » . وهي مجهولة بيزيد بن هارون . راجع الوسائل 17 : 41 / أبواب مقدّمات التجارة ب10 ح3 ، والباب المتقدّم من الوافي .

ثم إنّ الأخبار في فضل الزرع والغرس كثيرة من الخاصّة ، كالروايات المذكورة وغيرها في الأبواب المزبورة وغيرها . ومن العامة ، وقد أخرجها البيهقي في السنن الكبرى 6 : 137 والبخاري في صحيحه 3 : 135 باب فضل الزرع .

ــ[39]ــ

قوله : فتأمّل . أقول : لعلّه إشارة إلى أنّ وجوب الصناعات ليس بعنوان التكسّب ، بل لكون تركها يؤدّي إلى اختلال النظام كما سنبيّنه .

أقول ملخّص كلامه : أنّ الفقهاء (رضوان الله عليهم) كالمحقق في الشرائع(1)وغيره في كتبهم قسّموا المكاسب إلى محرّم كبيع الخمر ، ومكروه كبيع الأكفان ومباح كبيع الأشياء المباحة ، وأهملوا ذكر الواجب والمستحب بناءً على عدم وجودهما في المعاملات ، مع أنه يمكن التمثيل للمستحب بمثل الزرع والرعي

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) شرائع الإسلام 2 : 6 .

ــ[40]ــ

وللواجب بالصناعات الواجبة كفاية إذا وجد أكثر من واحد ممن يقوم بها ، أو عيناً إذا لم يوجد غير واحد .

وفيه : أنّ الأمثلة المذكورة لا تدل على شيء من مراده ، أمّا الزراعة فاستحبابها إنما هو من جهة إيكال الأمر إلى الله وانتظار الفرج منه كما في رواية العياشي(1).

وأمّا الرعاية فاستحبابها لما فيها من استكمال النفس وتحصيل الأخلاق الحسنة وتمرين الطبع على إدارة شؤون الرعية وإزالة الأوصاف الرذيلة من السبعية والبهيمية ، فإنّ من صرف برهة من الزمان في تربية الحيوان صار قابلا لإدارة الإنسان ، ومن هنا كان الأنبياء قبل بعثتهم رعاة للأغنام كما في رواية عقبة المتقدّمة  : « ما بعث الله نبياً قط حتى يسترعيه الغنم ويعلّمه بذلك رعية الناس » وفي النبوي المتقدّم « ما من نبي إلاّ وقد رعى الغنم ، قيل : وأنت يارسول الله ؟ قال : وأنا » . وعلى كل حال فالزراعة والرعي مستحبّان في أنفسهما بما أنهما فعلان صادران من المكلّف ، لا بعنوان التكسّب بهما كما هو محل الكلام ، فلا يصلحان مثلا لما نحن فيه .

وأمّا الصناعات بجميع أقسامها فهي من الاُمور المباحة ، ولا تتّصف بحسب أنفسها بالاستحباب فضلا عن الوجوب ، فلا يكون التكسّب بها إلاّ مباحاً ; نعم إنما يطرأ عليها الوجوب إذا كان تركها يوجب إخلالا بالنظام ، وحينئذ يكون التصدّي لها واجباً كفائياً أو عينياً ، وهذا غير كونها واجبة بعنوان التكسّب .

إزالة شبهة : قد يقال إنّ وجوب الصناعات من جهة أداء تركها إلى اختلال

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) عن الحسين بن ظريف عن محمد عن أبي عبدالله (عليه السلام) « في قول الله : (وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّل الْمُتَوَكِّلُونَ) قال : الزارعون » وهي مهملة بالحسين بن ظريف ، راجع الوسائل 17  : 42 / أبواب مقدّمات التجارة ب10 ح5 .