ــ[1]ــ

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين .

ــ[2]ــ

ــ[3]ــ

كلمة المؤلّف

الحمد لله الذي هدانا إلى حقائق الإيمان ، وأنار قلوبنا بأنوار العلم والعرفان والصلوات الزاكيات على سيدنا ونبينا محمد الصادع بالدين الحنيف ، والشرع المنيف ، وعلى آله الأطهار ، الدعاة إلى الله ، والناشرين لأحكام الله . وبعد ، فلمّا كان كتاب المكاسب الذي هو من مصنّفات الشيخ الأعظم الصناع الفذّ والعلم الفرد المحقّق المؤسس شيخ مشايخنا الأنصاري (قدّس الله روحه) من أعظم الكتب الفقهية شأناً وأكثرها مادّة وأمتنها استدلالا وأجزلها عبارة ، كان هو المعوّل عليه في الدراسة الخارجية عند البحث عن المعاملات ، وقد جمع (قدّس الله روحه) وأكرم مثواه بين دفّتي كتابه زبدة أفكار العلماء المتقدمين وخلاصة أنظارهم الدقيقة ، وأضاف إليها من فكرته الوقّادة وقريحته النقّادة تحقيقات أنيقة وتأمّلات رشيقة ، وبذلك كان الكتاب صحيفة ناصعة تمثّل سداد الرأي ونتاج المجهود الفكري في مراتبه الراقية ، وعلماؤنا الأعلام (قدّس الله أسرارهم) قد أبدوا اهتماماً خاصّاً بهذا الكتاب وعنوا به عناية فائقة وتعرّضوا إليه وأوسعوه دراسة وشرحاً وتعليقاً حسب اختلاف أذواقهم في الشرح والتعليق ، وبذلك تكوّنت مجموعة نفيسة من الشروح

ــ[4]ــ

لا يستغني عنها الباحث ولا يتجاوزها المراجع المتأمّل ، إلى أن ألقت العلوم الدينية زعامتها وأسندت رئاستها إلى سيّدنا واُستاذنا علم الأعلام آية الله الملك العلاّم فقيه العصر ، وفريد الدهر البحر اللجي ، واسطة قلادة الفضل والتحقيق ، محور دائرة الفهم والتدقيق ، إمام أئمّة الاُصول وزعيم أساتذة المعقول والمنقول ، المبيّن لأحكام الدين ، والمناضل عن شريعة جدّه سيد المرسلين ، قدوة العلماء الراسخين  ، اُسوة الفقهاء العاملين ، المولى الأعظم والحبر المعظّم مولانا وملاذنا الحاج السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي النجفي أدام الله أيّام إفاضاته ومتّع الله المسلمين بطول بقائه  ، وهو أدامه الله قد تعرّض إلى الكتاب أثناء الدراسة الخارجية في الحوزة المقدّسة العلوية وأوسعه تهذيباً وتنقيحاً ، وكشف النقاب عن غوامضه وأبان الموارد المعضلة منه ، وأخذ بتلك المسائل والآراء التي قيلت أو يمكن أن تقال فصهرها في بوتقة خياله الواسع وفكره الجامع ، وأفرغها في قوالب رصينة وشيّدها على اُسس متينة ، وكان النتاج درّة لمّاعة على مفرق التشريع الإسلامي والفقه الجعفري ، وكنت ممّن وفّقه الله للاستفادة من محضره الشريف والارتواء من منهله العذب ، فجمعت في هذا المختصر ما استفدته من تلك الأبحاث  ، ثم عرضت ذلك على السيد (دام ظلّه) فراجعه مراجعة كاملة وكرّر النظر في أبحاثه وفصوله ، وها أنا ذا اُقدّم كتابي هذا مصباح الفقاهة إلى أرباب العلم والفضيلة ، آملا أن يقع ذلك منهم موقع القبول ، وجعلت عملي هذا خالصاً لوجهه الكريم ، سائلا منه أن يجعل ذلك ذخراً ليوم لا ينفع مال ولا بنون . وقد كان المؤلّفون القدماء كثيراً يقولون إنّ أسواق العلوم كاسدة وتجارتها غير مربحة ، وإنّ الناس قد رغبت عنها إلى ملاذ الدنيا وشهواتها وقصرت بأنظارها إلى الحطام العاجل والعرض الزائل ، وإنّهم قد استأثروا الكسل على الجدّ والنوم على السهر والراحة على العمل ، وإنّ الدنيا قد أدبرت عن ورثة الرسالة وأصحاب الأمانة

ــ[5]ــ

وأمثال هذه الكلمات صارت عنواناً لفواتح الكتب ومستهلاّت الخطب والرسائل وأمّا نحن فلنا أن نفتخر بحمد الله وإفضاله على هذا العهد الزاهي الذي ازدهرت فيه أنوار العلوم ، وأشرقت فيه شموس المعارف ، وأصبحت الاُمم من كل حدب وصوب يتّجهون إلى هذه المدينة المقدّسة مدينة سيد العلماء على الإطلاق بعد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وازدحمت المدارس بطلاّبها وضاقت بهم أرجاؤها ، نحمده تعالى على هذه الموهبة الجليلة والنعمة الجسيمة ، ونسأله أن يوفّقنا لخدمات الدين وإحياء شريعة سيد المرسلين ، وأن يجعلنا من المشمولين لقوله عزّ من قائل : (يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات) وتمّت كلمة ربّك صدقاً وعدلا لا مبدّل لكلماته وهو السميع العليم .

محمد علي التوحيدي

ــ[6]ــ

فيما يرجع إلى رواية تحف العقول

قوله (رحمه الله) : روي في الوسائل(1).

أقول : المذكور في تحف العقول(2) والبحار(3) يشتمل على زيادات ، وقد أسقطها المصنّف ، وربما يخلّ بالمقصود . وما في حاشية العلاّمة الطباطبائي (رحمه الله)(4) من أنّه لا يتغيّر بها المعنى المراد ، فيظهر لك ما فيه ممّا سيأتي .

بحث وتحقيق : اعلم أنّ هذه الرواية وإن كانت حاوية للضوابط الكلّية والقواعد الكبروية الراجعة إلى إعاشة عالم البشرية ، من حيث تديّنهم بالأحكام الشرعية ، إلاّ أنّه لا يمكن تصدير الكتاب بها لأجل أخذها مدركاً للأبحاث الآتية ودليلا لأحكام التجارة جزئيّها وكلّيها ، بل لابدّ في كل مسألة من ملاحظة مداركها بالخصوص ، فإن كان فيها ما يدلّ على المنع أُخذ به ، وإلاّ فالعمومات الدالّة على صحّة المعاملات محكمة .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 17 : 83 / أبواب ما يكتسب به ب2 ح1 .

(2) تحف العقول : 331 .

(3) البحار 100 : 44 / 11 .

(4) حاشية المكاسب (اليزدي) : 2 من مبحث المكاسب المحرّمة .

ــ[7]ــ

الوجوه الدالّة على عدم جواز التمسّك بها

وإنّما لم يجز التمسك بهذه الرواية لوجوه :

الأوّل : قصورها من ناحية السند وعدم استيفائها لشروط حجّية أخبار الآحاد ، فإنّ راويها أبو محمد الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحراني أو الحلبي وإن كان رجلا وجيهاً فاضلا جليل القدر رفيع الشأن ، وكان كتابه مشتملا على الدرر واليواقيت من مواعظ أهل البيت (عليهم السلام) وقد اعتمد عليه جملة من الأصحاب(1) إلاّ أنه لم يذكرها مسندة ، بل أرسلها عن الصادق (عليه السلام) فلا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) منهم المحدّث الحرّ العاملي في الوسائل 30 : 156 / الفائدة الرابعة من الخاتمة ، حيث عدّ كتاب تحف العقول من جملة الكتب المعتبرة . وفي رجال المامقاني ] تنقيح المقال 1 : 293 من أبواب الحاء / 2641 [ : الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحراني أو الحلبي ، قال في روضات الجنات : إنه فاضل فقيه ومتبحّر نبيه ومترفّع وجيه ، له كتاب تحف العقول عن آل الرسول ، معتمد عليه عند الأصحاب . وقال المحدّث القمّي في الفوائد الرضوية : 109 : أبو محمد شيخ فاضل محدّث عالم عامل فقيه جليل . ثم نقل عن صاحب التكملة عن الحسين بن علي بن الصادق البحراني أنه من قدماء الأصحاب ، حتى أنّ شيخنا المفيد ينقل عنه ، وهو كتاب لم يسمح الدهر بمثله . وهكذا المحدّث الطهراني في الذريعة 3 : 400 / 1435 . وقال المجلسي في البحار 1  :  29  : كتاب تحف العقول عثرنا منه على كتاب عتيق ، ونظمه يدلّ على رفعة شأن مؤلّفه ، وأكثره في المواعظ والاُصول المعلومة التي لا نحتاج فيها إلى سند . وقال السيد حسن الصدر في تأسيس الشيعة: 413 ] ما مضمونه [ : شيخنا الأقدم وإمامنا الأعظم له كتاب تحف العقول في الحكم والمواعظ عن آل الرسول ، كتاب جليل لم يصنّف مثله وكان هذا الشيخ جليل القدر عظيم المنزلة ، وفي حقّه يقول الشيخ العالم الربّاني الشيخ حسين ابن علي بن الصادق البحراني في رسالته في الأخلاق : كتاب تحف العقول للفاضل النبيل الخ . إلى غير ذلك من كلمات الأعلام في اعتبار تحف العقول ووثاقة مؤلّفه .

ــ[8]ــ

تكون مشمولة لأدلّة حجّية خبر الواحد ، لاختصاصها بالخبر الموثوق بصدوره(1). ودعوى قيام القرينة على اعتبار رواتها المحذوفين جزافية ، لأنّ القرينة على اعتبارهم إن كانت هي نقله عنهم فذلك ممنوع ، لكون النقل أعم من الاعتبار فالالتزام بالأعم لا يدل على الالتزام بالأخص . وإن كانت شيئاً آخر غير النقل فلم يصل إلينا ما يدلّ على اعتبارهم . ولو سلّمنا ذلك فإنه لا يفيدنا بوجه ، بل حتى مع تصريحه باعتبارهم عنده ، لأنّ ثبوت الاعتبار له لا يدل على ثبوته لنا ما لم يذكر سببه من التوثيق لنلاحظه حتى يوجب ثبوته عندنا ، فلعلّه يعتمد على غير خبر الثقة أيضاً .

وهم ودفع : وربما يتوهّم انجبار ضعفها بعمل المشهور . إلاّ أنه مدفوع ، لكونه فاسداً كبرى وصغرى .

أمّا الوجه في منع الكبرى : فلعدم كون الشهرة في نفسها حجّة ، فكيف تكون موجبة لحجّية الخبر وجابرة لضعف سنده ، وإنما الشهرة بالنسبة إلى الخبر كوضع الحجر في جنب الإنسان . فلابدّ من ملاحظة نفس الخبر ، فإن كان جامعاً لشرائط الحجية عمل به ، وإلاّ فإن ضم غير حجة إلى مثله لا ينتج الحجية .

لا يقال : إذا عمل المشهور بخبر كشف ذلك عن احتفافه بقرائن توجب الوثوق قد اطّلعوا عليها ولم تصل إلينا ، فيكون الخبر موثوقاً به . كما أنّ إعراضهم عن الخبر الصحيح يوجب وهنه وسقوطه عن الاعتبار ، ومن هنا اشتهر في الألسن  : أنّ الخبر كلّما ازداد صحة ازداد باعراض المشهور عنه وهناً .

فإنه يقال : مضافاً إلى كون ذلك دعوى بلا برهان ورجماً بالغيب وعملا بالظن الذي لا يغني من الحق شيئاً ، أنّ المناط في حجية خبر الواحد هي وثاقة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ] لعلّ الصحيح على مبناه (رحمه الله) أن يقال : لاختصاصها بخبر الثقة [ .

ــ[9]ــ

الراوي ، ويدل على ذلك الموثّقة التي أرجع الإمام (عليه السلام) السائل إلى العمري وابنه(1) حيث علّل هذا الحكم فيها بأنهما ثقتان . ويدل عليه أيضاً الروايات المتواترة التي اُرجع فيها إلى أشخاص موثّقين(2)، فإنّ من المعلوم أنه لا خصوصية لهؤلاء الرواة إلاّ من حيث كونهم موثّقين . إذن فالمناط هو الوثاقة في الراوي ، وعلى هذا فإن كان عمل المشهور راجعاً إلى توثيق رواة الخبر وشهادتهم بذلك فبها ، وإلاّ فلا يوجب انجبار ضعفه . ومن هنا يعلم أنه بعد ثبوت صحة الخبر لا يضرّه إعراض المشهور عنه ، إلاّ أن يرجع إلى تضعيف رواته .

وبالجملة : إنّ الملاك في حجية أخبار الآحاد هو وثاقة رواتها ، والمناط في عدم حجيتها عدم وثاقتهم ، ولأجل ذلك نهي عن الرجوع إلى من لا وثاقة له(3)وتفصيل الكلام في الاُصول(4).

وأمّا الوجه في منع الصغرى : فهو عدم ثبوت عمل المتقدّمين بها ، وأمّا عمل المتأخّرين فهو على تقدير ثبوته غير جابر لضعفها . مضافاً إلى أنّ استنادهم إليها في فتياهم ممنوع جدّاً كما سيأتي ، فإنّ المظنون بل الموثوق به هو اعتمادهم في الفتيا على غيرها ، وإنّما ذكروها في بعض الموارد تأييداً للمرام .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) عن الحميري عن أحمد بن إسحاق عن أبي الحسن (عليه السلام) قال : « سألته وقلت : من اُعامل وعمّن آخذ وقول من أقبل ؟ فقال : العمري ثقتي ، فما أدّى إليك عنّي فعنّي يؤدّي وما قال لك عنّي فعنّي يقول ، فاسمع له وأطع فإنه الثقة المأمون » . وقال : « سألت أبا محمد (عليه السلام) عن مثل ذلك ، فقال : العمري وابنه ثقتان ... فإنهما الثقتان المأمونان » وهما موثّقتان ، راجع الوسائل 27 : 138 / أبواب صفات القاضي ب11 ح4 .

(2) راجع الباب المذكور من الوسائل .

(3) راجع أبواب القضاء من الوسائل 27 .

(4) مصباح الاُصول 2 (موسوعة الإمام الخوئي 47) : 235 ، 279 .

ــ[10]ــ

لا يقال : إنّ شرائط الحجية وإن كانت غير موجودة فيها إلاّ أنّ موافقتها في المضمون للروايات الاُخرى الصحيحة أو الموثقة توجب حجيتها ، على أنّ آثار الصدق منها ظاهرة .

فإنه يقال : إذا لم تستوف الرواية شرائط الحجية فمجرد موافقتها للحجّة في المضمون لا تجعلها حجّة . وأمّا قوله : إنّ آثار الصدق منها ظاهرة ، فلا ندري ماذا يريد هذا القائل من هذه الآثار ، أهي غموض الرواية واضطرابها ، أم تكرار جملها وألفاظها ، أم كثرة ضمائرها وتعقيدها ، أم اشتمالها على أحكام لم يفت بها أحد من الأصحاب ومن أهل السنّة ، كحرمة بيع جلود السباع والانتفاع بها وإمساكها وجميع التقلّب والتصرّف فيها ، مع أنّ الروايات المعتبرة إنما تمنع عن الصلاة فيها فقط لا عن مطلق الانتفاع بها ، كموثقة سماعة وغيرها(1) وكحرمة الانتفاع بالميتة ولو كانت طاهرة ، وسيأتي خلاف ذلك في بيع الميتة(2) وكحرمة التصرف والامساك فيما يكون فيه وجه من وجوه الفساد ، وسيظهر لك خلاف ذلك من المباحث الآتية .

وممّا ذكرنا ظهر عدم انجبارها بالاجماع المنقول على تقدير حجّيته .

الوجه الثاني : أنّ فتاوى أكثر الفقهاء إن لم يكن كلّهم لا تطابق بعض جمل الرواية ، فكيف ينجبر ضعفها بالشهرة الفتوائية بينهم ، فإنّ مقتضى بعض فقراتها حرمة بيع النجس مطلقاً ، مع أنّه لم يلتزم به إلاّ النادر من الفقهاء ، بل في بعض

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) عن سماعة قال : « سألته عن لحوم السباع وجلودها ، فقال (عليه السلام) : ... وأمّا الجلود فاركبوا عليها ، ولا تلبسوا منها شيئاً تصلّون فيه » وهي موثقة . راجع الوسائل 4 : 353 / أبواب لباس المصلّي ب5 ح3 ، والوافي 7 : 412 / 33 ، والفقيه 1 : 169 / 801 ، والتهذيب 2 : 205 / 802.

(2) في ص95 وما بعدها .

ــ[11]ــ

فقراتها حرمة إمساكه والتقلّب فيه ، ولم يفت بهذا أحد فيما نعلم .

مضافاً إلى أنّ ظاهر الرواية هو حرمة بيع الاُمور المذكورة تحريماً تكليفياً ويدل على ذلك من الرواية قوله (عليه السلام) : « فهو حرام بيعه وشراؤه وإمساكه وملكه وهبته وعاريته والتقلّب فيه » فإنّ الإمساك والتقلّب يشمل جميع أنواع التصرف حتى الخارجي منه ، ولا معنى لحرمته وضعاً ، والفقهاء (رضوان الله عليهم) لم يلتزموا في أكثر المذكورات بذلك ، وإنما ذهبوا إلى الحرمة الوضعية واستفادوا ذلك من النهي في أبواب المعاملات ، نظير النهي عن البيع الغرري ، فإنّ معناه الإرشاد إلى بطلان ذلك البيع كما يأتي في محلّه(1) إن شاء الله ، نعم لو توجه النهي إلى ذات المعاملة مع إرادة ما يظهر منه من المولوية لتوجه الالتزام بالحرمة التكليفية ، كالنهي عن بيع الخمر ، وسيأتي .

الوجه الثالث : أنّ التقسيم المذكور فيها لا يرجع إلى أمر محصّل ، وذلك يكشف عن اضطرابها ، فإنّ تربيع أقسام المعاملة المعاشية بجعل كل واحد من الولايات والصناعات قسماً مستقلا من تلك الأقسام في قبال التجارات والإجارات لا يسلم عن التكرار .

أمّا الولاية : فهي على قسمين ، لأنها إمّا عامة ثبتت من الله كالنبوّة والإمامة أو خاصة ثبتت من قبل ذوي الولاية العامة .

أمّا الولاية العامة فهي خارجة عن حدود الرواية ، فإنّ التقسيم فيها باعتبار المعاملة المعاشية . فالولاية العامة خارجة عنها تخصصاً ، وإنما هي من المناصب الإلهية التي جعلت للعترة الطاهرة .

وأمّا الولاية الخاصة فمن حيث جواز ارتزاق الولاة من بيت المال تدخل

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع الجزء الخامس من هذا الكتاب : 255 وما بعدها .

ــ[12]ــ

تحت الاجارة المذكورة في الرواية ، فلا تكون الولاية في مقابل الاجارة قسماً آخر  ، فإنّ المراد من الإجارة فيها ليس هي الاجارة المصطلحة بين الفقهاء . ويدل على ذلك إدخال الجعالة تحتها وعدم ذكرها في الرواية استقلالا .

وأمّا الصناعات فإن كان المقصود منها الصناعات المصطلحة من البناية والخياطة والنجارة ونحوها فمن الواضح أنّها ليست قسماً من المعاملات المشرعة للإعاشة ، وإنما هي موضوع من الموضوعات .

وإن كان النظر فيها إلى الطوارئ والعوارض من حيث إنّ من يتّصف بها إمّا أن يؤجر نفسه للغير لأجل ما عنده من الصناعة ، وإمّا أن يجعل ما يحصله منها ثمناً أو مثمناً في البيع . فعلى الأول تدخل تحت الاجارة ، وعلى الثاني تحت التجارة ، فلا تكون وجهاً آخر في قبالهما .

إلاّ أن يراد منها نفس الحرفة والصنعة مع تعميم المقسم إلى كل ما يكون وسيلة إلى المعاش ، فحينئذ يشملها المقسم لكونها من أعظم الوسائل إلى التعيّش .

وفيه : أنه بناء عليه لا يكون التقسيم المذكور في الرواية حاصراً ، لخروج كثير من وسائل الإعاشة عن المقسم ، كالحيازات والنتاجات والاصطياد وإحياء الموات وإجراء القنوات والضيافات وأخذ الخمس والزكاة والصدقات .

وقد ردّ هذا الإشكال بأنّ الحصر في الرواية إضافي . ولكنّ هذا الرد فاسد فإنه ناشئ من الاغترار بما اشتهر في ألسنة الاُدباء من حسبان الحصر الإضافي قسماً آخر يقابل الحصر الحقيقي ، مع أنّ الحصر لا يكون إلاّ حقيقياً ، بل الالتزام بالحصر في مورد مع الالتزام بكونه إضافياً لا حقيقياً التزام بالمتناقضين كما هو واضح للناقد البصير .

نعم قد يكون الحصر في حصة خاصة كما يقال : زيد أعلم من في النجف وقد يكون غير مقيّد بحصة خاصة ، فيسمّى الأول إضافياً والثاني حقيقياً ، وهذا

ــ[13]ــ

غير ما توهّم .

وتوهّم بعضهم أنّ التقسيم فيها باعتبار المعاملات ، وحينئذ فلا يوجب حصرها في الأربع حصر كل طرق المعاش إليه . ولكن هذا التوهّم مما لا يصغى إليه بعد القطع بأنّ المعاملات المنقسمة إلى الأقسام المذكورة ليست هي المعاملات المصطلحة كما عرفت .

نعم لا يبعد أن يقال : إنّ التقسيم في الرواية بحسب المعاملات المعاشية المعروفة كما يدل على ذلك صدرها(1) وقد أسقطه المصنّف تبعاً لصاحب الوسائل .

وقد تحصّل من مطاوي بعض ما ذكرنا عدم جواز الاستناد إلى شيء من روايات تحف العقول في شيء من الأحكام الشرعية ، ومع ذلك لا ينقضي تعجّبي من الشيخ حسين البحراني (رحمه الله) كيف رضي القول بأنه كتاب لم يسمح الدهر بمثله(2)، مع أنّ الكتب المعتمدة للشيعة نصب عينيه .

تذييل : لا يخفى عليك أنّ المناسب تقسيم معائش العباد إلى قسمين : التجارة بالمعنى الأعم ، والعمل . فإنّ الإعاشة العقلائية لا تخلو منهما ، وأمّا مثل التسوّل ونحوه فليس من الطرق العقلائية للإعاشة .

كشف حقيقة ولطف قريحة : لا يخفى عليك أنّ الإضافات الموجودة بين المال ومالكه المسماة بالإضافات المالكية تكون على أنحاء ، لأنّها في دار تقرّرها إمّا إضافة ذاتية تكوينية ، وإمّا إضافة عرضية أي متكوّنة بواسطة الاُمور الخارجية .

أمّا الاُولى فكالإضافات الموجودة بين الأشخاص وأعمالهم وأنفسهم وذممهم

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) حيث قال (عليه السلام) : « قد يكون في هؤلاء الأجناس الأربعة حلال من جهة حرامٌ من جهة ، وهذه الأجناس مسمّيات معروفات الجهات ، فأول هذه الجهات الأربعة » الخبر .

(2) وقد تقدّمت حكاية كلامه في الهامش من ص7 .

ــ[14]ــ

فإنّ أعمال كل شخص ونفسه وذمّته مملوكة له ملكية ذاتية ، وله واجدية لها فوق مرتبة الواجدية الاعتبارية ودون مرتبة الواجدية الحقيقية التي لمكوّن الموجودات . ثم إنه ليس المراد من الذاتي هنا الذاتي في باب البرهان ، وهو المنتزع من مقام الذات المسمّى بخارج المحمول ، ولا الذاتي في باب الكلّيات الخمس ، بل المقصود منه هنا ما لا يحتاج في تقرّره وظهوره في صفحة الوجود إلى شيء آخر وراء نفسه من الاعتبارات الملكية ، ولا إلى إعدام موجود ، ولا إلى إيجاد معدوم ، ولا إلى ضم ضميمة ، وإنما شأنها شأن الذاتيات التي لا تحتاج إلاّ إلى علّة في الوجود  . ثم إنّ معنى الملكية هنا ليس إلاّ القدرة والسلطنة ، بمعنى أنّ كل أحد مسلّط على عمله ونفسه وما في ذمته ، بأن يؤجر نفسه للغير ، أو يبيع ما في ذمته . ويأتي لذلك زيادة توضيح في أول البيع(1) إن شاء الله . ومن هنا يندفع ما ربما يتوهّم من أنّ عمل الإنسان لا يعد من الأموال . ووجه الاندفاع : أنه ليس من الأموال بالإضافة الاعتبارية لا بالإضافة التكوينية .

وأمّا الإضافة العرضية فهي إمّا أن تكون إضافة أولية وإمّا أن تكون إضافة ثانوية ، والأولية إمّا أصلية استقلالية أو تبعية غيرية . فالأولية الأصلية كالإضافة المالية الحاصلة بالعمل أو بالحيازة أو بهما معاً ، فالأول كالأعمال التي يعملها الإنسان فيحصل منها المال ، والثاني كحيازة المباحات ، والثالث كمن يحوز أشجاراً فيجعلها سريراً ، فإنّ الصورة السريرية توجب تحقّق إضافة مالية اُخرى في المادّة الخشبية وراء المالية المتقوّمة بالخشبة ، فتلك المالية القائمة في السرير حاصلة من العمل والحيازة معاً . فإطلاق الأولية عليها باعتبار عدم سبق إضافة ذلك المال إلى الغير والأصلية باعتبار عدم تبعها للغير .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الجزء الثاني من هذا الكتاب : 4 .

ــ[15]ــ

وأمّا الإضافة الأولية التبعية فهي ما تكون بين المالك وبين نتاج أمواله كالنتاج التي تنتجه الحيوانات المملوكة ، والبيوض التي تبيضها الطيور المملوكة والثمار التي تثمرها الأشجار المملوكة ، إلى غير ذلك ، فإنها تضاف إلى مالك الاُصول إضافة أولية تبعية . أمّا إطلاق التبعية فلكونها تابعة لما تحصل منه وأمّا إطلاق الأولية فلعدم سبق إضافة إليها .

وأمّا الإضافة الثانوية فالمراد بها ما قابل الاضافة الأولية وإن كانت طارئة على الأموال مراراً عديدة ، فهي نظير المعقولات الثانوية في مقابلتها للمعقولات الأولية ، وهي على قسمين ، لأنها تارةً تكون قهرية واُخرى اختيارية .

أمّا الاُولى فكالإضافة التي تحصل بسبب الإرث أو الوقف بناءً على كونه من الإيقاعات كما اخترناه في محلّه ، ووجه كونها قهرية هو حصول المالكية في هذه الموارد للوارث والموقوف عليه والموصى له بالقهر ، لا بالفعل الاختياري .

وأمّا الثانية فكالإضافة الحاصلة من المعاملات ، ومنها ما يحصل من المكاسب التي نحن بصدد بحثها وتأسيس اُصولها ومبانيها بعون الله وحسن توفيقه . وغير خفي على الناقد أنّ ما ذكرناه من تلك الإضافات على أقسامها من البديهيات التي لا تحتاج إلى المقدمات النظرية الخفية .

قوله (عليه السلام) : كذلك المشتري . أقول : هو اسم فاعل مقابل البائع وليس باسم مفعول ليكون المراد منه المبيع كما تُوهّم.

قوله (عليه السلام) : فيجعل ذلك الشيء . أقول : يمكن أن يراد منه الحمل أي يحمل ، أو الأخذ أي يأخذ ، أو الوصف أي يوصف في مقام الإيجار ، وليس بمعناه المعروف ليكون الشيء مفعولا أولا وقوله (عليه السلام) : « في عمل » مفعولا ثانياً كما

ــ[16]ــ

احتمله بعض الأعاظم(1).

قوله (عليه السلام) : حلالا . أقول : ليس منصوباً على الحالية ، ولا مجروراً لكونه وصفاً لقوله (عليه السلام) : « في عمل » كما تخيّل ، بل إنما هو مرفوع للخبرية فإنّ أصل النسخة هكذا : « فهذه وجوه من وجوه الإجارات حلال » .

قوله (عليه السلام) : أو سوقة . أقول : في المجمع(2) السوقة بالضم الرعية ومن دون الملك ، ومنه الحديث : « ما من ملك ولا سوقة يصل إلى الحجّ إلاّ بمشقّة » .

قوله (عليه السلام) : أو عمل التصاوير . أقول : في تحف العقول « أو حمل التصاوير » وعلى هذا فعطف الخنازير والميتة والدم في الرواية على التصاوير لا يحتاج إلى عناية .

قوله (عليه السلام) : إجارة نفسه فيه أو له . أقول : المراد من الأول هو الإيجار لنفس الشيء بأن يؤجر نفسه لصنع الخمر ، وكإيجار نفسه في هدم المساجد ، ومن الثاني الإيجار للمقدّمات . وليس المراد من الأول إيجار نفسه في المصنوع كحمل الخمر ومن الثاني إيجار نفسه لصنعه ، ولا أنّ المراد من الأول المباشرية ومن الثاني التسبيبية ، ولا أنّ المراد من الأول الإيجار للمقدّمات ومن الثاني الإيجار لنفس المحرّم ، فإنّ كل ذلك خلاف الظاهر من الرواية ، ومن هنا ظهر المقصود من قوله (عليه السلام) : « أو شيء منه أو له » غاية الأمر أنّ المراد منهما جزء العمل وجزء المقدمات ، والضمائر الأربعة كلّها ترجع إلى الأمر المنهي عنه .

قوله (عليه السلام) : وينحّيها . أقول : في المجمع(3) نحى الشيء أزاله ، ونحّ هذا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع غاية الآمال (للشيخ المامقاني) : 4 .

(2) مجمع البحرين 5 : 188 ـ 189 ، مادّة سوق .

(3) مجمع البحرين 1 : 411 ، مادّة نحا .

ــ[17]ــ

عنّي أي أزله وأبعده عنّي .

قوله (رحمه الله) : وحكاه غير واحد . أقول : ليس في كتاب السيد من رواية تحف العقول عين ولا أثر ، ولم تذكر حتى بمضمونها فيه .

نعم ذكرت(1) فيه معائش الخلق على خمسة أوجه : وجه الإمارة ووجه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ففي الوسائل 9 : 489 / أبواب ما يجب فيه الخمس ب2 ح12 عن علي بن الحسين المرتضى في رسالة المحكم والمتشابه نقلا عن تفسير النعماني عن علي (عليه السلام) قال : «  وأمّا ما جاء في القرآن من ذكر معائش الخلق وأسبابها فقد أعلمنا سبحانه ذلك من خمسة أوجه : وجه الإمارة ، ووجه العمارة ، ووجه الإجارة ، ووجه التجارة ، ووجه الصدقات .

وفي بحار الأنوار 93 : 46 عن تفسير النعماني قال : فأمّا ما جاء في القرآن من ذكر معائش الخلق وأسبابها فقد أعلمنا سبحانه ذلك من خمسة أوجه : وجه الإشارة ، إلى أن قال (عليه السلام) : وأمّا وجه الإشارة فقوله تعالى : (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ للهِِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ) إلى أن قال (عليه السلام) : وأمّا وجه العمارة فقوله : (هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنَ الاَْرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) فأعلمنا سبحانه أنّه قد أمرهم بالعمارة ليكون ذلك سبباً لمعايشهم بما يخرج من الأرض من الحبّ والثمرات وما شاكل ذلك مما جعله الله (تعالى) معائش للخلق . وأمّا وجه التجارة فقوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْن إِلَى أَجَل مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ) الآية ، فعرّفهم سبحانه كيف يشترون المتاع في السفر والحضر وكيف يتّجرون ، إذ كان ذلك من أسباب المعائش . وأمّا وجه الإجارة فقوله عزّوجلّ : (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْض دَرَجَات لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) فأخبرنا سبحانه أنّ الإجارة أحد معائش الخلق ... وجعل ذلك قواماً لمعائش الخلق ، وهو الرجل يستأجر الرجل في صنعته وأعماله وأحكامه وتصرفاته وأملاكه ، إلى أن قال : وأمّا وجه الصدقات فإنما هي لأقوام ليس لهم في الإمارة نصيب ، ولا في العمارة حظّ ، ولا في التجارة مال ، ولا في الإجارة معرفة وقدرة ، ففرض الله تعالى في أموال الأغنياء » الخبر . والظاهر من قوله (عليه السلام) : « إنّما هي لأقوام ليس لهم في الإمارة نصيب » أنّ لفظ (الإشارة) في مطلع التقسيم غلط من النسّاخ ، وأنّ (الإمارة) هي النسخة الصحيحة كما في الوسائل .

وفي سفينة البحار ] 1 : 722 [ في مادّة حمد : محمد بن إبراهيم بن جعفر ، أبو عبدالله الكاتب النعماني ، صاحب كتاب الغيبة ، يروي عن الشيخ الكليني وغيره ، رجال النجاشي ] : 383 / 1043 [ محمد بن إبراهيم بن جعفر ، أبو عبدالله الكاتب النعماني ، المعروف بابن زينب ، شيخ من أصحابنا ، عظيم القدر ، شريف المنزلة صحيح العقيدة كثير الحديث ، قدم بغداد وخرج إلى الشام ومات بها ، له كتب منها كتاب الغيبة الخ . وهكذا في رجال المامقاني ] 2 : 55 / من أبواب الميم / 10210 [ . وفي الذريعة 16 : 79 / 398 : تلميذ الكليني وشريك الصفواني . وفي المستدرك 19 (الخاتمة 1) : 347 : إنّ الكتاب في غاية الاعتبار ، وصاحبه شيخ أصحابنا الأبرار .

ومع ذلك كلّه لا يمكن الاعتماد على ما اشتمل عليه تفسير النعماني ، لأنّ أحمد بن يوسف وحسن بن علي بن أبي حمزة وأباه الذين من جملة رواته من الضعفاء .

ــ[18]ــ

العمارة ووجه الإجارة ووجه التجارة ووجه الصدقات . إلاّ أنّ ذلك غير مربوط بما في تحف العقول سنخاً وحكماً ، ولعلّ هذه الجملة صدرت من المصنّف إمّا من سهو القلم أو من جهة الاعتماد على ما في الوسائل ، فإنه قال بعد نقل رواية تحف العقول : ورواه المرتضى في كتاب المحكم والمتشابه(1). ولا يخفى أنّ كتاب المحكم والمتشابه هذا هو بعينه تفسير النعماني المعروف .

قوله (رحمه الله) : وفي الفقه المنسوب إلى مولانا الرضا (عليه السلام)(2).

أقول : تحقيق الكلام هنا يقع في جهتين : الاُولى : في صحة نسبة هذا الكتاب

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 17 : 86 / أبواب ما يكتسب به ب2 ذيل ح1 .

(2) فقه الرضا : 250 / 36 ، المستدرك 13 : 64 / أبواب ما يكتسب به ب2 ح1 .

ــ[19]ــ

إلى الرضا (عليه السلام) وعدم صحتها . والثانية : في دلالة هذه الرواية على مقصد المصنّف وعدم دلالتها .

أمّا الجهة الاُولى : فقد تمسّك القائلون باعتباره بوجوه كثيرة ، ولكنّها تؤول إلى وجهين :

الأوّل : ـ وهو عمدة ما تمسّك به المثبتون ـ أنّ ظهوره وإن كان في زمن المجلسي الأول ، ولكن الذي أخبر بالكتاب ـ ورواه المجلسي ـ هو الثقة الفاضل والمحدّث الكامل القاضي السيد أمير حسين (طاب ثراه)(1) فإنّه أوّل من اطّلع عليه واستنسخه ، وقد استنسخه المجلسي من نسخته ، وهو ثقة فيصدّق في قوله ، لشمول أدلة الخبر الواحد لخبره ، هذا .

وفيه : أنّ إخباره هذا إمّا أن يكون مستنداً إلى القرائن التي أوجبت حصول العلم العادي له من الخطوط الموجودة فيه للإمام (عليه السلام) والإجازات المدوّنة فيه للأعلام على ما نقله المحدّث المتبحّر النوري في المستدرك(2) عن المجلسي الأول وإمّا أن يكون مستنداً إلى إخبار ثقتين عدلين من أهل قم السيد المذكور بكون الكتاب للرضا (عليه السلام) كما في المستدرك(3) أيضاً ، حيث قال : إنّ السيد الثقة الفاضل القاضي أمير حسين أخبر بأنّ هذا الكتاب له (عليه السلام) وأخبره بذلك أيضاً ثقتان عدلان من أهل قم ، وهذا خبر صحيح داخل في عموم ما دل على

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وهو غير السيد حسين بن بنت المحقق الكركي كما أشار إليه في المستدرك 19 (الخاتمة1) : 297 وما بعدها ناقلا عن الرياض الذي هو اُستاذ هذه الصناعة . وما ذهب إليه صاحب الفصول والعلاّمة الطباطبائي من اتّحادهما خطأ فاحش .

(2) راجع المصدر المتقدّم من المستدرك : 230 .

(3) راجع المتقدم من المستدرك : 239 .

ــ[20]ــ

حجية خبر العدل .

أمّا الطريق الأول : فضعفه بيّن ، لأنّ حصول العلم للسيد الأمجد والسند الأوحد من تلك القرائن على صحة النسبة لديه لا يوجب حصول العلم لنا باعتباره وعلمه بذلك لا يفيد غيره بوجه . ومن الغرائب أن يتمسك لحجية خبره هذا بعموم أدلة أخبار الآحاد ، فإنّ هذه العمومات لا تشمل الأخبار الحدسية ولو كان المخبر بها من الثقات . وأغرب منه أن يقال : إنّ المتيقّن من الأخبار الحدسية الخارجة عن هذه العمومات هي ما لا تعتمد على مبادئ محسوسة يلزم من العلم بها العلم بمضمون الخبر ، وأمّا لو اعتمد على مبادئ محسوسة يلزم من العلم بها العلم بصدق الخبر كما في الشجاعة والسخاوة والعدالة بناءً على تفسيرها بمعنى الملكة فلا يظن بأحد أن يتوقّف في عموم أدلة خبر العدل لها ، وإخبار السيد باعتبار الفقه الرضوي من قبيل الثاني لا الأول .

ووجه الغرابة في هذا القول : أنّ الإخبار بالاُمور الحدسية بواسطة أسبابها الحسّية إنما يكون مشمولا لأدلة الحجية إذا كان بين الأسباب ومسبّباتها ملازمة عادية ، بحيث يلزم من العلم بها العلم بالمسبّبات كما في الأمثلة المذكورة ، وأمّا إذا انتفت الملازمة العادية فأدلة حجية الخبر لا تشمله كما حقّق ذلك في علم الاُصول(1). وهذا الشرط مفقود في موضوع البحث ، فإنّ الاُمور التي استند إليها السيد في إخباره قابلة للمنع ، فإنه كيف يعلم أحد أنّ الخطوط في النسخة للإمام (عليه السلام) وأنّ الإجازات للأعلام إلاّ من طريق الحدس الشخصي . إذن فإنّ الاُمور المذكورة حدسية لا حسّية ، وأيضاً فلا ملازمة بينها وبين العلم بالنتيجة .

فإن قلت : كيف يصح إنكار ما يدل على صدق نسبة الكتاب للإمام (عليه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الاُصول 2 (موسوعة الإمام الخوئي 47) : 157 ـ 158 .