حيـاة الزهـراء (ع)  : العمـل و الجهـاد ( الحلقة الاولى )

منى عبدالأمير و ولاء الحسيني

الولادة

ولدت الصدِّيقة فاطمة الزهراء(ع) في مكة المكرمة، وقد اختلف في تاريخ ولادتها، فقيل أنها ولدت قبل بعثة رسول الله(ص) بخمس سنين، وقيل ولدت في السنة الأولى من البعثة، وقيل ولدت بعد البعثة بخمس سنين وبعد الإسراء بثلاث سنين في 20 جمادي الثاني، والرأي الأخير أكثر أعتباراً من بقية الأراء في ودلاتها.

نشأتها

بعد سنتين من ولادة فاطمة الزهراء(ع) اتفق كبار قريش على كتابة صحيفة تعاقدوا فيها على مقاطعة بني هاشم حتى يدفعوا اليهم رسول الله(ص) ليقتلوه، وتمت المقاطعة حيث حاصروهم في شِعب أبي طالب ثلاث سنين لايصل لهم الطعام الاّ سرّاً، فانفق أبو طالب(ع) ماله، وكذلك فعلت خديجة(ع)، وقد أجهدهم الحصار، وكانت فاطمة معهم تعيش الحصار والمقاطعة، وتعاني من الجوع والأذى والخوف على والدها من القتل، واستمر الحصار ثلاث سنين ثم انتهى بعد أن تعاقد جمع من المقربين من بني هاشم على رفع الصحيفة.

وبعد شهرين من انتهاء المقاطعة توفيت خديجة بنت خويلد وقبلها أبوطالب، فعاشت فاطمة(سلام الله عليها) يتيمة بفقدان أمها وهي لم تكمل عامها السادس، وكان رسول الله (ص) يمنحها الحنان ويسليها ويتسلى بها حتى سميت بأمِّ أبيها.

فاطمة تدافع عن أبيها

لم يكتف المشركون ببثِّ الاشاعات والأستهزاء برسول الله (ص) , فلقد مارسوا الأضطهاد والأذى الجسدي به وبالمسلمين، حيث كان بعضهم يطرح عليه رحم شاة وهو يصلي، أو يضعون القاذورات بين كتفيه، وكانت فاطمة(ع) تدافع عن أبيها رغم صغر سنّها وتواجه المعتدين بالأعتراض عليهم والتنديد بأعمالهم، وكانت تمسح التراب والدم عن وجهه حينما يعود الى داره، وقد ضربها أحد المشركين على وجهها حينما أعترضت عليه.

وكانت تتألم لمعاناة أبيها رسول الله (ض) وترقُّ لحاله وكان يقول لها: لاتبكي يا بنية فان الله مانع أباك، وناصره على أعداء دينه.

الهجرة الى المدينة

لما راى رسول الله (ص) ما يصيب أصحابه من البلاء في مكة، وحينما وجد له أصحاباً في المدينة أسلموا وحسن اسلامهم، أمرهم بالهجرة الى المدينة فهاجروا، وفي ليلة هجرة رسول الله (ص) تعاقد المشركون على قتله.

وقام علي بن أبي طالب بالتمويه عليهم حينما نام في فراش رسول الله (ص) وكان المشركون يظنونه رسول الله (ص)، وفي هذه الأوضاع كانت فاطمة تعيش القلق على أبيها، وتعاني من أذى المشركين المحيطين بدارها، ولكن الله تعالى ردَّ كيدهم فلم يستطيعوا قتل رسول الله (ص) ولا قتل أحد من ذويه.

وبعد هجرة رسول الله (ص) هاجرت فاطمة برفقة على بن أبي طالب وأبي واقد الليثي، وكانت هجرتها عبر الصحراء، وحاول المشركون ارجاعهم الى مكة الاّ أنهم لم يستطيعوا بعد أن تصدى لهم علي(ع).

ولم يدخل رسول الله (ص) المدينة الاّ حين وصولها عليها السلام حيث كان ينتظرها في مدينة قبا.

زواجها من علي بن أبي طالب

حينما كبرت فاطمة(ع) خطبها بعض الصّحابة وفي مقدمتهم أبو بكر، فقال له رسول الله (ص): انتظر بها القضاء، وخطبها عمر بن الخطّاب فقال له(ص): انتظر بها القضاء (1) .

وخطبها بعد ذلك علي، فقال لها رسول الله (ص): ان علياً يذكرك فسكتت فزوجّها، وفي زواجها قال(ص):ان ربي أمرني أن ازوّج فاطمة من علي بن أبي طالب، وقد زوجتها إياه (2) .

وكان مهر فاطمة درعاً من حديد لم يملك علي (ع) غيره، وقد قام رسول الله (ص) بنفسه ليزفها الى علي(ع)، وقد توضّأ بماء وافرغه على علي ثم قال: اللهم بارك فيهما وبارك عليهما، وبارك لهما في ذريتهما (3) .

وكانت تعيش زاهدة في بيتها لا تملك شيئاً غير جلد كبش كفراش للنوم، وكانت تعمل بنفسها فجرت بالرحا حتى اثرت الرحا بيدها، واستقت بالقربة حتى أثرت القربة بنحرها، واوقدت تحت القدر حتى اثرت بثيابها (4) .

زيارات رسول الله (ص) اليها

أصاب علي منزلاً بعيداً عن منزل رسول الله (ص) قليلاً، فقال له: إني اريد أن احوّلك اليّ، فحولهما قريباً منه، وكان يزورهما باستمرار، وكان (ص) يستأذن فاطمة حينما يريد زيارتها (5) .

وكان (ص) اذا قدم من غزوةٍ أو سفر بدأ بالمسجد فصلى به ركعتين ثم يأتي فاطمة ثم يأتي أزواجه  (6) .

دخل عليها ذات مرة وهي تطحن مع علي فقال: لأيكما أعقب، فقال علي: لفاطمة فانها قد أعيت، فقامت فاطمة، فطحن رسول الله (ص)مع علـي لفاطمة (7) .

وكان(ص) يمرّ بمنزل فاطمة اذا خرج لصلاة الفجر، فيقول: الصلاة يا أهل البيت، ثم يقرأ الآية القرآنية:{انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهرّكم تطهيرا} (8) .

أتاها علي بقلادة من ذهب من سهم اعطي اليه في احدى الغزوات، فلما رآها رسول الله (ص) أعرض عنها، فقطعتها ورمت بها ثم جاء سائل فناولته القلادة (9) .

وكانت اذا دخلت عليه قام اليها فقبلها، ورحب بها، وكذلك كانت هي تقوم اليه وتقبله.

ولما نزلت الاية القرآنية: (لاتجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً) هابت فاطمة رسول الله (ص) أن تقول له: يا أبة، فكانت تقول له: يارسول الله، فأعرض عنها مرة أو مرتين ثم أقبل عليها فقال: يا فاطمة إنها لم تنزل فيك ولا في أهلك ولا في نسلك، انت مني وأنا منك، انما نزلت في أهل الجفاء والغفلة (10) .

اطعام المسكين واليتيم والأسير

نذر علي وفاطمة نذرا ان يصوموا ثلاثة أيام، ففي اليوم الأول قدموا فطورهم فجاء مسكين فآثروه به فبقوا جياعاً الى اليوم الثاني، وفي اليوم الثاني جاءهم يتيم فآثروه بفطورهم، وفي اليوم الثالث جاءهم أسير فآثروه بفطورهم، فبقيت فاطمة وزوجها وابناها جائعة قد التصقت بطنها بظهرها وغارت عيناها، وكان الحسن والحسين يرتعشون من شدة الجوع، فتألم رسول الله (ص) لحالهم فنزل جبريل وقال: خذها يامحمد هنّاك، الله في أهل بيتك، فاقرأه سورة (الأنسان) ومنها الاية الكريمة: (ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيرا، انما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً) (11) .

وفي وقت آخر جاءهم مسكين فقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد أنا مسكين من مساكين المسلمين أطعموني مما تأكلون اطعمكم الله على موائد الجنة، فوضع علي اللقمة وقال:

فاطم ذات المجد و اليقين

يا بنت خير الناس أجمعين

أما ترين البائس المسكين

قد قام بالباب له حنين

يشكو الينا جائع حزين

كل امرئ بكسبه رهين

فأجابته فاطمة:

أمــرك سمعاً يابن عم طاعـة

ما في من لؤم و لا وضــاعة

أطعــمه و لا ابـالي الساعة

أرجو إذا اشبعــت ذا مجاعة

أن الحــق الأخيار و الجماعة

و ادخل الخلد ولي شفاعة (12)

زهد فاطمة

ان فاطمة ضمنت لعلي عمل البيت وضمن لها علي ماكان خارج البيت: نقل الحطب والمجيء بالطعام، فقال لها يوماً: يافاطمة هل عندك شيء؟ قالت: والذي عظم حقك ماكان عندنا منذ ثلاثة أيام شيء نقريك به، فقال: أفلا أخبرتني؟ قالت: كان رسول الله (ص) نهاني أن أسألك شيئاً.

وكانت شملتها خلقة قد خيطت في اثني عشر مكاناً، نظر سلمان الفارسي الى الشملة فبكى وقال: واحزناه ان بنات قيصر وكسرى لفي السندس و الحرير و ابنة محمد عليها شملة صوف خلقة، فلما دخلت على رسول الله (ص) قالت:يا رسول الله ان سلمان تعجب من لباسي، فوالذي بعثك بالحق مالي و لعلي منذ خمس سنين الا مسك كبش نعلف عليها بالنهار بعيرَنا، فاذا كان الليل افترشناه، و ان مرفقتنا لمن آدم حشوها ليف، فقال رسول الله (ص): ياسلمان ان ابنتي لفي الخيل السوابق (13) .

جهاد فاطمة

كانت معارك رسول الله (ص) معارك دفاعية لرد عدوان واقعي أو محتمل الوقوع، وهي معارك للدفاع عن المظلومين والمستضعفين الذين أخرجوا من ديارهم بسبب الأيمان بالله وبالرسول، وقد شاركت فاطمة(ع) في هذه المعارك الدفاعية مشاركة تنسجم مع واجباتها كأمرأة، فالجهاد بالسيف وبالسلاح واجب على الرجل فقط وليس على المرأة، الا ان أنواع الجهاد الأخرى مباحة للمرأة، ومن هذه الأنواع القيام بخدمة المجاهدين والمقاتلين، فقد شاركت في معركة بدر هي وأربع عشرة امرأة يحملن الطعام والشراب على ظهورهن، ويسقين الجرحى ويداوينهم، وفي معركة أحد قامت بتضميد جراح رسول الله (ص) حيث أخذت قطعة حصير فأحرقته حتى صار رماداً ثم الصقته بالجرح، وفي غزوة الخندق جازت الى رسول الله (ص) بكسرة من خبز، فقال: يا بنية أما إنها لأول طعام دخل فم أبيك منذ ثلاث (14) .

عبادة فاطمة

كانت فاطمة تعبد الله تعالى حق عبادته وكانت مواظبة على صلاة الليل، حيث كانت تقوم الليل وخصوصاً ليلة الجمعة فتستمر في العبادة حتى تتورم قدماها.

رآها إبنها الحسن(ع) قد قامت في محرابها ليلة جمعة، فلم تزل راكعة وساجدة حتى طلع الفجر، وسمعها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسميهم وتكثر الدعاء لهم ولا تدعو لنفسها بشيء، فقال لها: يا أماه لِم لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك؟ فقالت: يابني الجار ثم الدار (15) .

تسبيح فاطمة

ان فاطمة الزهراء (ع) مع عظم شأنها وجلالة قدرها كانت تقوم بأعمال البيت، وكان علي (ع) يعينها ويتعاون معها، والذي يظهر من الروايات أن فاطمة(ع) كانت تعمل لبيتها وللجيران أيضاً، حيث توزع الغذاء الذي تطبخه على الجيران وكذلك الخبز، وهذه الأعمال تحتاج الى من يعاونها فيها، ولكثرة أعمالها طلبت من رسول الله (ص) أن يساعدها في خادمة تخدمها، فقال لها رسول الله (ص): يافطمة أعطيك ماهو خير لك من خادم ومن الدنيا بما فيها: تكبرين الله بعد كل صلاة أربعاً وثلاثين تكبيرة، وتحمدين الله ثلاثاً وثلاثين تحميدة، وتسبحين الله ثلاثاً وثلاثين تسبيحة (16) .

و التزمت فاطمة(ع) بهذا التسبيح بعد كل صلاة، ونسب إليها هذا التسبيح، وكانت سبحتها من خيط صوف مفتل، معقود عليها عدد التكبيرات، فكانت تديرها بيدها الى أن قتل حمزة بن عبد المطلب، فاستعملت تربته، وعملت التسابيح فاستعملها الناس.

فاطمة في القرآن الكريم

لما نزلت الاية الكريمة: (إنما يريدُ ليُذهِبَ عنكم الرّجس أهل البيت ويطهرّكم تطهيراً) دعا رسول الله (ص) علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فوضع عليهم كساءً خيبرياً فقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي اللهم إذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.

وعند نزول الاية الكريمة: (ان الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلموا تسليما) سأل الصحابة عن كيفية الصلاة على النبي (ص) فقال: اللهم صل على محمد وآل محمد، كما صليت على ابراهيم وآل ابراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على ابراهيم وآل ابراهيم إنك حميد مجيد.

وحينما جاء وفد من نصارى نجران الى رسول الله (ص) ليحاوروه في أمور مهمة، نزلت الآية الكريمة: (فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبنائنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) فخرج رسول الله (ص) للمباهلة ومعه علي وفاطمة والحسن والحسين، فلما رأوهم قالوا: هذه وجوه لو أقسمت على الله أن يزيل الجبال لأزالها، ولم يباهلوه.

فكانت فاطمة هي المقصودة من (نساءنا) في الآية الكريمة.

ولما نزلت الاية الكريمة: (قل لا أسألكم عليه أجراً الا المودة في القربى) قالوا: يارسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ قال: علي وفاطمة وابناهما.

ولما نزلت الآية الكريمة: (وآت ذا القربى حقّه) دعا رسول الله (ص) فاطمـة فأعطـاها فدك (17) .

فاطمة في الحديث النبوي (18)

وردت عدة روايات عن رسول الله (ص) في فضل فاطمة ومكانتها عند الله تعالى وعند رسول الله (ص) ومن هذه الروايات:

(خير نساء العالمين أربع مريم وآسية وخديجة وفاطمة).

(ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة وأبناك سيدا شباب أهل الجنة).

(ان الله يرضى لرضاك ويغضب لغضبك).

(فاطمة بضعة منّي يؤذيني ما آذاها ويريبني ما رابها).

(اذا كان يوم القيامة قيل: يا أهل الجمع غضّوا أبصاركم حتى تمر فاطمة بنت محمد).

وهذه الروايات صدرت من رسول الله (ص) في حق فاطمة (ع) لا لكونها ابنته، وانما وجد فيها صفات وخصائص تدل على فضلها وفضيلتها ورسول الله (ص) لا ينطق إلاّ عن وحيّ، وهذه الفضائل مكرمة الهية لفاطمة، وقال رسول الله (ص) بحق زوجها وابنيها وبحقها: (أنما هما عندي بمنزلة واحدة، واني واياك وهما وهذا النائم لفي مكان واحد يوم القيامة).

وروي ان رسول الله انتظر بلالاً للآذان فتأخر فسأله رسول الله، فقال: مررت بفاطمة وهي تطحن، فقلت لها: أيهما أحب اليك، ان شئت كفيتك ابنك، وإن شئت كفيتك الرحى، فقالت: أنا ارفق بإبني، فأخذت الرحى فطحنت، فذاك الذي حبسني،

فقال رسول الله(ص): رحمتها رحمك الله.

1ـ الطبقات الكبرى 18:8،المنتظم85:3

2ـ المعجم الكبير408:22

3ـ المنتظم 87:3

4ـ حلية الأولياء 41:2

5ـ المنتظم 87:3

6ـ الأستيعاب 376:4

7- تنبيه الخواطر 230:2

8 ـ مسند أحمد بن حنبل 157:4

9ـ بحار الأنوار 22:43

10ـ بحار الأنوار 33:43

11ـ ربيع الأبرار 148:2

12ـ مناقب آل أبي طالب 425:3

13ـ بحار الأنوار88:43

14ـ المغازي 249:1، ذخائر العقبى:47

15ـ كشف الغمة 94:2

16ـ حلية الأولياء 41:2

17ـ مراجعة كتاب تولي الأمام، كتاب: أهل البيت، دار التوحيد

18ـ المعجم الكبير402:22، مسند أحمد 293:1، المستدرك على الصحيحين 154:3، تنبيه الخواطر 230:2