وجهاً لوجه
سماحة آية الله الشيخ جعفر السبحاني
الغري : مجلة الغري ترحب بسماحة أية الله الشيخ جعفر السبحاني ، الاستاذ و المحقق والمفكر الاسلامي و تود ان تعرف لقراءها سماحتكم ، فمن هو الشيخ السبحاني؟
الشيخ :اني الشيخ جعفر السبحاني من مواليد 1929م ، بدأت دراستي في موطني تبريز ثم هاجرت الى مدينة قم المقدسة قبل حوالي 58 سنة، درست السطوح العالية ثم حضرت درس الخارج، منها: بحث السيد البروجردي و السيد محمد الحجة و درست الفلسفة و التفسير على يد السيد الطباطبائي و طويت ما يقارب 14 سنة على دروس السيد الخميني (قدس) و كتبت دروسه و نشرتها باسم ((تهذيب الاصول)) في جزئين و انا منذ حوالي 50 عاما" اكتب في الفقه والاصول و الفلسفة و التاريخ .
الغري:ما الفرق بين الفروع و الاصول و المكلف في ايهما يجوز له تقليد غيره ؟
الشيخ: اما الفروع فالفاعلية المتوخاة منها هو العمل و تطبيقه عليها في صعيد الحياة ، بعبارة اخرى ان المكلف يطبق عمله على وفق الفروع و بما أنه لا يمكن لكل شخص ان يكون متبحراً فيها لعظمة الفروع ، مثلاً الفقه بحر هائج من الطهارة ، الى الديات و الحدود ، فلا يمكن ان يكون كل شخص مجتهدا" فيه ، فان الاجتهاد في هذا العلم يعوقه عن سائر الحوائج الماديه و غيرها و لذلك يجوز تقليد المجتهد، و ليس معنى التقليد قبول كلام الغير بدون دليل بل هناك دليل اجمالي و هو ان ذلك الرجل الذي نقلده نراه متخصصا ، و هذا التقليد ليس كالتقليد المذموم الذي ورد ذكره في القران الكريم (( إنّا وجدنا آباءنا على امة و إنا على أثارهم مقتدون))
و أما الأصول فالمطلوب فيها هو العقيدة و الاعتقاد ، و على ضوء ذلك فالفروع تقبل التقليد دون الأصول لأن المطلوب فيها هو تحصيل اليقين و لا يحصل اليقين الا بممارسة نفس الانسان وجهده.
و المسائل الاصولية قليلة جداً لأنها ترجع الى امور خمسة : التوحيد ، النبوة ، المعاد ، العدل و الامامة وتحصيل اليقين فيها ليس امراً مشكلاً ، و هناك من يرى عدم اللزوم الاجتهادي فيها فقد يحصل اليقين من امور اخرى غير ان الاجتهاد احد الطرق لتحصيل ذلك و على كل تقدير مثلاً الانسان يقتدي ببرهان النظم على وجود المنظم و هذا يحصل من الامعان في الكائنات الطبيعية و الفلكية فنحن نستخدم ذلك بالرجوع لعلماء الطبيعة الذين يشرحون لنا وجود النظم في عالم الطبيعة بفضل الجهود المضنية و نحن نحتج بها على ان هذه النظم الهائلة لا يمكن ان يكون لها مصدر غير عاقل .
الغري : يختلف المحققون في علم الإمام فمنهم من اثبت ان للإمام علماً حضورياً و فهمواً أنَّ الامام تحضر عنده الاشياء كلها و منهم من جزم بعلمه الحضوري الا انه قال متى شاء ان يعلم يعلم . هل لكم ان توضحوا الفرق بين الاتجاهين ؟
الشيخ: ان الفرق بين الاتجاهين واضح، الاتجاه الاول يعني ان الامام عالم بالفعل بالموضوعات و الاحكام معا كما أنت ترى هذا البيت فالامام يرى كل الاشياء و الاحكام عنده مثل هذا ، فالاتجاه الاول اذن قائل بأن الامام يعلم بالعلم الفعلي.
اما الاتجاه الاخر يقول ان علم الامام علمٌ بالقوه ، اي لو شاء ان يعلم يعلم، فالفرق اذن بالعلم بالفعل و العلم بالقوه ، ولكن عندي قولٌ ثاني و هو ان الامام يعلم بالفعل الاحكام كلها اي كل حالة ذات صلةٌ بالدين يعلمها فعلا" بلا حاجةٍ الى شيءٍ آخر من فكرٍ او تروّ ثم ان الله تبارك و تعالى ولّى أئمة اهل البيت (ع) ليكونوا معلمي الأمة و المعلم يجب ان يستحضر كل ما يريد تعليمه للاخرين ، و اما الموضوعات انا لا افتي بذلك اي انهم يعلمون الموضوعات بالفعل ، مثلا ماذا يرى الان في خارج بيت فلان أو ماذا يجري من المذاكرة بين الزوج و زوجته فعلمه بالفعل على كل الموضوعات يحتاج الى دليل" ، و ثم انه ربما تكون المصلحة في شيءٍ لا يعلمه الامام ثم اذا توقف اثبات امامته على علمه بالموضوعات الخارجه عن محيطه يجب على الباري ان يعلم ذلك الامام علمه بهذه الحوادث حتى تكون حجةٍ على امامته .
الغري: ما الذي عناه الامام بالأمر بين الأمرين و ما ثمرة ذلك في حياتنا العملية بل و التنظيرية كذلك.
الشيخ : ان المسلمين كانوا على اتجاهين ، اتجاهٌ جبري و أنه سبحانه و تعالى سلب الاختيار عن كل انسانٍ فليس هناك فاعلاً إلا الله تبارك و تعالى و موثراً الا هو سبحانه فغيره غير موثر لا استقلالاً و لا تبعاً و لا ظلاً فكأنه ليس في العلم الا علَّة واحدة و مؤثر واحد و هو الله تبارك و تعالى و أما الباقون كالشمس و القمر و الماء و الانسان مسلوبي التأثير فليس لهم اي تأثير ، لا تأثير اختياري كالانسان و لا تأثير غير اختياري كالشمس ، و هناك اتجاه التفويض : وهو انه سبحانه خلق الانسان و فوّض اليه اعماله فالانسان بلا اقتدارٌ من الله و بلا اعتماد على قدرة الله يفعل كل افعاله فكأنَّ الانسان محتاج الى الله سبحانه في وجوده لا في ايجاده و افعاله .
ففي القول الاول ابطال بعثة الأنبياء و تعاليم الرسل و عامة المناهج التربوية و لو كان الانسان مجبورا" في اعماله فما معنى الحاجة الى التربية و المناهج التربوية . و اما القول الآخر فهو: شرك و اثبات لمؤثر مستقل تجاه الله تبارك و تعالى .
و اما أئمة اهل البيت (ع) فيقولون لا جبر و لا تفويض و لكن امرٌ بين امرين فالقدرة من الله تبارك وتعالى و كل موجود مستمد وجوده وقدرته منه سبحانه ومع ذلك كله اعطى سبحانه للانسان الاختيار بأن يختار هذا او ذاك ((فمن شاء فليؤمن و من شاء فاليكفر)) و هذا طريقٌ متوسط بين الجبر لعدم انحصار العلية في الله سبحانه و بين التفويض لعدم انقطاع الانسان عنه سبحانه و تعالى فالانسان متوسط بين الأمرين مستمد وجوده و قدرته من الله سبحانه و تعالى و مع ذلك له الاختيار في انتخاب احد الطريقين والآية توضح ذلك ((فمن شاء فاليؤمن و من شاء فاليكفر)).
الغري : بصفتكم احد تلامذة السيد البروجردي (ره) هل يمكنكم ان تعيدونا الى مرحلة مرجعيته و ما هي خصائصه العلمية فضلاً عن جهوده في المجال الاجتماعي؟
الشيخ: السيد البروجردي من مواليد عام 1289هـ. ق درس في بروجرد الىعام 1310هـ. ق هاجر بعدها الى مدينة اصفهان الى عام 1318هـ. ق ثم هاجر الى النجف الاشرف بقي هناك حوالي 10 سنوات تتلمذ على يد المحقق الشيخ الخراساني و شيخ الشريعة الاصفهاني ثم رجع الى بروجرد و بعد 36 سنة قدم الى مدينة قم المقدسة عام -1364-هـ ق ان السيد كان ذا مواهب عالية ، فقد كان ايةً في الحفظ و الفهم و التصرف و جمع بين الفهم و الابتكار اما اتجاهه في الفقه فقد كان له رغبةٍ خاصةٍ بتاريخ المسائل الفقهيه و سير صاحب الزمان(عج) بحيث لا يطرح مسئلةٍ إلا بعد ان يحقق بتاريخها في اي زمانٍ عنونت المسائل العلمية الإسلامية و لأي علة طرحت ثم يذكر اقوال العلماء فيها الخاصة و العامة ثم يختار القول الأقوى و يناقشه الى ان يخرج بالمسئلة بما يراه .
أما اتجاهه الاجتماعي فقد كان عالميا مع انه عاش في بروجرد و ايران فكان يعلم الاصول السائدة في عالم السياسة و الاجتماع و كان له رغبة في دراسة العلوم الحديثة بحيث كان طبيباًً و له إلمام بعلم التشريح و كان تاريخياًً و رجالياًً اما اتجاهه السياسي فقد كان انساناًً هادئاً يخدم الاسلام و المسلمين بشكل هاديء لا ثوري و هو اول من فتح ابواب الغرب على ايران حيث بعث احد العلماء الى المانيا و بنى هناك مسجداًً .
لقد كان واعظاً و بالخصوص في ايام العطل و كان كثيراًً ما يقرأ الاية الشريفه و تجري دموعه على صفحات وجهه(يا ايها الناس انتم الفقراء الى الله و الله هو الغني الحميد) و لا زال صدى هذه الاية يرن في مسمعي.
الغري : نقل عن السيد البروجردي أنَّ علم الرجال يتجدد عبر الزمن اي بإمكان المتأخرين أن يكتشفوا التوثيقات لبعض الرواة او يضيفوا روىء جديدة في حياة الراوي فربما من ضعّفه المشهور وثّقه المتقدمون و هكذا العكس فما هو تعليقكم سماحة الشيخ ؟
الشيخ: لقد كان العلماء قبل السيد البروجردي مقلدين لإقوال الرجاليين القدماء فالثقة ما وثقه النجاشي و الضعيف ما ضعفه و لكن السيد البروجردي خرج عن تلك القاعدة و قام بعملين ضخمين.
الاول : وثق اسانيد كلٌ من الكتب الاربعة و سماها بترتيب اسانيد الكافي و ترتيب اسانيد التهذيب ثم انصرف الى ترتيب اسانيد الكتب الاربعة الرجالية و غيرها من كتب الحديث مراعياًً فيها ترتيب الحروف باستيفاء الاسانيد و قياس بعضها مع بعض بحيث يعلم جميع شيوخ الراوي و تلاميذه و طبقته و غيرها من الفوائد
الثاني : قام بتأليف كتاب طبقات الرجال فقد جعل سلسلة الرواة من عصر النبي (ص) الى زمان الشيخ الطوسي اثني عشر طبقة فجعل الصحابة بالطبقة الاولى ، و من اخذ عنهم الحديث بالطبقة الثانية ، و العمل الثاني بتفرع عن العمل الاول اعني تجريد الأسانيد و هذا الاثر القيم من الاثار النفيسة غير المطبوعة .
الغري : هل كان هناك ثمة التقاء في وجهات النظر بين المرجعية النجفية و المرجعية القمية ابان مرجعية السيد البروجردي ؟
الشيخ: نحن لا نرى بين النجف و قم اي اختلاف فالكل اغصان لشجرة واحدة و شجرة المرجعية شجرةٌ طيبةٌ اصلها ثابت و فرعها في السماء و كلهم اغصان لهذه الشجرة و الكل يستمد من كتاب الله تعالى وسنة نبيه لكن النجفيين كثيراُ ما يركزون على ما يدور حولهم فالقابض على زمام الامور في الحوزة العلمية يركز على البحث و الدراسة و التأليف و كثيراً ما يصرف وقته الى ما يجري في المجتمع من حوادث مريرة و خطط تحاك ضد الاسلام و التشيع و هذا المسلك لم يكن كلياً فقد كان السيد الحكيم له رؤى واسعة و المامً بالحوادث و لذلك قام بمشاريع عامة مشكورة كما انه بعث بجماعات الى داخل العراق و خارجه و هكذا من قام بعده بالعمل كالسيد الخوئي غير ان المرجعية في قم المشرفة تبدو أوسع من نظيرتها في علاج المشاكل نتيجة للظروف التي تهيأت لها .
الغري : في الاونة الاخيرة اذيع زواج المسيار في المجتمعات غير الشيعية هل يعني ذلك التسليم لحلية زواج المتعة ام هي المشاكل الاجتماعية دفعت بالبعض الى الاستجابة الملحة لتفادي المخاطر المترتبه على تحريم المتعة؟
الشيخ: الانسان اذا انحرف عن حقيقة التشريع الاسلامي يقع في الهاوية ، فالشريعة الاسلامية شريعةٌ متكاملة و دين الاسلام دين خاتم و نبي الاسلام نبي خاتم وضع قوانين و تشريعات تصلح لادارة المجتمع الى يوم القيامة و لذلك وضع مضافا الى النكاح الدائم نكاحاً مؤقتاً ، و هو زواج واقعي ، هناك زوج و زوجة و بمدة معينة يجب ان تكون الزوجة عند التزويج محررة اي غير متزوجة و لا معتدة فكل الشرائط موجودة الا الدوام و النفقة و بهذا الزواج المؤقت سهل كثيراً من المشاكل و لكن للأسف فأن لفيفاً من علماء السنة اتبعوا المنحى غير الصحيح من السنة لهذا النكاح منذ الصدر الاول و لذلك ما زالوا في ازمة عظيمة أمام الشباب و الشابات و لأجل ذلك طرحوا فكرة زواج المسيار فأذا كان مشتملاً على شرائط المتعة فهذه هي المتعة و إذا كان خالياً منها و أظنه خالياً كما قرأت عنه فهو ليس بزواج بل هو زنا بلباس الزواج لمدة معينة.
الغري : هل يمكن جعل المعجزة دليلاً على صدق النبي ام إنها متعلقة بصحة ما تحويه رسالته ؟
الشيخ: انما يكون الاعجاز دليلاً على صدق المدعي لأن المعجز فيه خرقٌ لنواميس الطبيعية فلا يمكن ان يقع من احد إلا بعناية من الله تعالى و اقدار منه فلو كان مدعي النبوة كاذباً في دعواه كان إقداره على المعجزة من قبل الله تعالى إغزاءً بالجهل و اشادة بالباطل و ذلك محالٌ على الحكيم تعالى فأذا اظهرت المعجزه على يديه كانت دالة على صدقه و كاشفة عن رضا الحق سبحانه بنبوته . و هذه قاعدةٌ مطردة يجري عليها العقلاء من الناس فيما يشبه هذه الامور و لا يشكون فيها ابداً فإذا ادعى احد من الناس سفارة عن ملك من الملوك في امور تختص برعيته كان من الواجب عليه اولاً أن يقيم على دعواه دليلاً يعضدها حين تشك الرعية بصدقه و لابد من أن يكون ذلك الدليل في غاية الوضوح فإذا قال لهم ذلك السفير: الشاهد على صدقي ان الملك سيحييني بتحيته الخاصة التي يحيي بها سفراءه الاخرين فإذا علم الملك ما جرى بين السفير و بين الرعية ثم حياه في الوقت المعين بتلك التحية ، كان فعل الملك هذا تصديقاً للمدعي في السفارة و لا يرتاب العقلاء في ذلك لأن الملك القادر المحافظ على مصالح رعيته يقبح عليه ان يصدق هذا المدعي إذا كان كاذباً لانه يريد افساد رعيته .
الغري: بماذا توصون طالب العلم بدراسة العقائد ؟
الشيخ : انا اوصيه بالفقه الاكبر ، اصول الدين هي الفقه الاكبر و الفقه الاكبر يجب ان يدرس بصورة مبسطه والان الهجوم الثقافي على المسلمين ينصب على هذا الجانب، فعليه أن يدرس ذلك العلم بكثافة و علمية و رأي واضح ثم يدرس الفقه و لا اقل يدرس كلا العلمين في عرض واحد و لا يركز على الفقه وحده ولا على الاصول وحدها و لا على التفسير وحده بل يركز على الكلام الاسلامي و ما فيه من المسائل الجديدة المطروحة من جانب المشككين و المغرضين.
الغري: كيف تكون الامامة عهداً الهياً و لماذا جعلت من اصول الدين ؟
الشيخ: هنا لابد من الرجوع الى حقيقة الامامة فالامامة عند الشيعة استمرار لوظائف النبوة لا اقول استمرار للنبوة بل لوظائف النبوة فالنبي كانت له وظائف خاصة كان يأخذ الوحي من الله سبحانه بشتى الوان الاخذ فهذا يختص به و كانت له وظائف اخرى كتفسير القرآن و تبيينه و اعطاء الحكم للحوادث المتجددة و الدفاع عن الاسلام و ادارة المجتمع والجهاد و غيره ، فالامامة استمرار لوظائف النبوة التي ختمت و من هذه الوظائف مادية و دنيويه و منها وظائف معنوية كتفسير القران الكريم و تعليم الاحكام و الاصول و الرد على الشبهات فلذا يجب ان يكون انساناً معلماً في احظان الغيب فالعالم الغيبي يربي ذلك الرجل ليقوم بوظائف النبوة و ما كان للنبي من الوظائف غير اصل التشريع و النبوة و اما الامامة عند اهل السنة فهي مقام عادي لرئاسة الجمهور فالحاكم العادي لا يشترط فيه الفقه و التفسير و لا الاجابة على الشبهات و لا الالمام بالمعارف الالهيه فهاذين الرؤيين من الامامة جعل احدهما مكاناً الهياً (لا ينال عهدي الظالمين) و لكن الاخر جعله مكاناً عادياً و على تلك النظرية لا يعرف الامامة الا الله سبحانه و نبيه (ص) أما عن النظرية الاخرى فتجب على الناس تحت شرائط خاصة.