حقوق الأمم و الأديان عند أئمة أهل البيت ( ع )

شهاب الحسيني

لا اختلاف بين أئمة أهل البيت (ع) أئمة المذاهب الأخرى في المفاهيم والقيم الثابتة في المنهج الإسلامي ، حيث يشتركون في الأفق الواسع، افق العقيدة والتشريع، والمصير والمصالح والمواقف الواحدة، ومن نقاط الأشتراك والاتفاق هي الاعتراف بحقوق الامم والاديان من ناحية الاحكام النظرية والتطبيقات والمواقف العملية، وهي اكثر النقاط اتفاقاً بينهم.

وقد حدد الامام علي بن الحسين زين العابدين (ع) الأسس الكلية الثابتة المتعلقة بحقوق أهل الذمة في رسالته المعروفة برسالة الحقوق حيث جاء فيها: (واما حقوق اهل الذمة: أن تقبـل منهـم ما قبل الله عزّ وجـل منهـم، ولا تلطمهـم ماوفوا لله عزّ وجل بعهـده، وكفى بما جعل الله لهـم من ذمته وعهده، وتكلهم اليه فيما طلبوا من أنفسهم، وتحكم فيهم بما حكم الله به على نفسك فيما جرى بينك وبينهم من معاملة، وليكن بينك وبين من ظلمهم من رعاية ذمة الله والوفاء بعهده وعهد رسوله حائل، فانه بلغنا أنه قال: (من ظلم معاهداً كنت خصمه) فاتق الله، ولا حول ولا قوة الا بالله).(1)

فقد ربط الامام (ع) حقوقهم بمصدرٍ الوجود وهو الله تعالى، فهو تعالى جعلهم أهل الذمة وحدد لهم حقوقا وواجبات، ولذا فان رعايتهم هي رعاية للأوامر الالهية واداءً للواجب الشرعي المكلف به المسلم، فالمسؤولية اتجاههم مسؤولية اتجاه اوامر الله تعالى ونواهيه، وما جاء في هذه الرسالة يحدد الهيكل العام للحقوق الشاملة لجميع جوانب الحياة، ومنها: حق الأعتقاد، وحق ابداء الرأي، وحق العبادة واقامة الشعائر، وحق التمتع بالأمن والحماية، والمساواة أمام القانون، وحق الحفاظ على ارواحهم واعراضهم وممتلكاتهم، وحق التمتع بالعدل، وحق الكرامة وسائر الحقوق المدنية والشخصية، ومنها حق التنقل والسكن والعمل وسائر التصرفات المقيدة بمصلحة الأطار العام للاسلام.

ومن مظاهر مراعاة المشاعر والأحاسيس التي يحملها اتباع الأديان، واشاعة الألفة والوئام بين المسلمين وبينهم، والتركيز على نقاط الأشتراك الثابتة، وتوجيه الأنظار الى وحدة المصدر ووحدة المفاهيم والقيم، ركز اهل البيت (ع) على الأستشهاد بما جاء في التوارة والأنجيل وسائر الكتب الألهية، والأستشهاد باقوال الأنبياء السابقين، فقد ورد في احاديثهم استشهادات عديدة من هذا القبيل، ومن ذلك: قول الامام علي بن الحسين (ع): (اما بلغكم ما قال عيسى

بن مريم للحواريين؟

قال لهم: الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها...).(2)

وقول الأمام محمد بن علي الباقر (ع): (قال موسى بن عمران... الهي فمن ينزل دار القدس عندك؟ قال: الذين لاتنظر أعينهم الى الدنيا،... ولايأخذون على الحكومة الرشا، الحق في قلوبهم، والصدق على ألسنتهم...).(3)

وقول الأمام جعفر الصادق(ع): (كان المسيح يقول لاصحابه... انما اعلمكم لتعلموا، ولا اعلمكم لتعجبوا، انكم لن تنالوا ما تريدون الا بترك ماتشتهون، وبصبركم على ما تكرهون).(4)

وقد استشهد الامام موسى بن جعفر الكاظم (ع) بذلك عدة مرات في حديث واحد: (ان المسيح قال للحواريين ... مكتوب في الأنجيل... اوحى الله تعالى الى داود...).(5)

وكانوا يذكرون روايات مطولة في مناجاة الله تعالى لموسى وعيسى.(6)

ولعل ماذكروه هو ارشاد وحث لاتباع الأديان لنشر المفاهيم والقيم الدينية التي وردت في كتب الأنبياء السابقين، عن الله تعالى، أو رسله وانبيائه، وهذا قمة الأعتراف بحق الأعتقاد وبحرية نشر المفاهيم والقيم الصالحة غير المحرّفة، والترويج لها داخل الكيان الأسلامي.

ومن أهم الحقوق بعد حق الأعتقاد هو التمتع بالأمن والحماية فهم آمنون على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، قال الامام الباقر (ع): (...فاذا قبلوا الجزية على أنفسهم حرم علينا سبيهم وحرمت أموالهم وحلت لنا مناكحهم).(7)

وقال أيضا: (ما من رجل آمن رجلا على ذمة ثم قتله الا جاء يوم القيامة يحمل لواء الغدر).(8)

واوجب الامام الصادق (ع) اقرار الأمن والحماية بمختلف الاساليب، فقال: (لو ان قوما حاصروا مدينة فسألوهم الأمان؟ فقالوا: لا، فظنوا انهم قالوا: نعم، فنزلوا اليهم، كانوا آمنين).(9)

ولعل تركيزه على الجهاد مع الإمام العادل(10)، ناظر الى رعايته للأرحام والممتلكات ووفائه بالعهود والذمم.

وحرّم الأمام (ع) القتال مع الغادرين وان كان العدو مشتركا فقال: (لا ينبغي للمسلمين ان يغدروا أو يأمروا بالغدر، ولا يقاتلوا مع الذين غدروا...).(11)

واستشهد أئمة أهل البيت (ع) بسيرة رسول الله (ص) المتعلقة بإقرار حق الأمن والحماية لغير المسلمين، وذكروا أحاديثه الشريفة في هذا الخصوص.

وأقّروا حق التقاضي والتحاكم لغير المسلمين سواء كان عند قاضي المسلمين أو عند قاضيهم، فلو قضى قاضيهم بحكم فيه جور على أحد المتخاصمين وأراد الواقع عليه الجور أن يرد الحكم الى حكم المسلمين، قال الأمام جعفر الصادق (ع): (يرد الى حكم المسلمين).(12)

وجوّز الأمام الباقر(ع) حكم غير المسلمين فيما بينهم فقال:(تجوز على أهل كل ذي دين بما يستحلون).(13)

فلو أراق أحد خمرا لغيرالمسلم أوقتل خنزيرا فإنه له ضامن لانه حق له مالية.

وجوّز أئمة أهل البيت شهادة أتباع كل دين بعضهم على البعض الآخر وتجوز الشهادة على غيرهم ان لم يوجد شاهد من نفس دينهم، قال الأمام الصادق (ع) (... ان لم يوجد من أهل ملتهم جازت شهادة غيرهم، أنه لا يصلح ذهاب حق أحد).(14)

ويحلّف اليهودي والنصراني والمجوسي بالله تعالى كما يحلّف المسلم، قال الأمام الصادق (ع): (اليهودي والنصراني والمجوسي لا تحلفوهم الا بالله عزوجل).(15)

ولهم حق القصاص اذا قتل بعضهم بعضا، قال الإمام الصادق (ع): (ان أميرالمؤمنين (ع) كان يقول: يقتص للنصراني واليهودي والمجوسي بعضهم من بعض، ويقتل بعضهم ببعض اذا قتلوا عمدا).(16)

واذا أظهر أهل الذمة العداوة للمسلمين وغشوهم، لا يقتص من قاتلهم الا ان يكون معتاداً على قتلهم، قال الأمام الصادق (ع): في جوابه لسؤال حول ذلك: (لا الا أن يكون متعوداً لقتلهم).(17)

ويدفع الدية اذا لم يكن معتاداً .

ويجب تطبيق قانون الديات المتعلقة بالجنايات على المسلم وغير المسلم، قال الإمام الباقر(ع): (يؤخذ من المسلم جنايته للذمي على قدر دية الذمي ثمانمائة درهم). (18)

ومن حقوقهم المالية والاقتصادية حق العمل في مختلف الحقول التي لا يشترط فيها الإسلام كالزراعة والصناعة والتجارة، ولهم حق مشاركة المسلم في الأعمال المختلفة كما وردت في ذلك نصوص عديدة عن الإمام جعفر الصادق (ع).(19)

وليس عليهم الا دفع الجزية ولا يجوز للمسلمين أن يأخذوا منهم أكثر من ذلك، سئل الامام محمد الباقر (ع) عن أهل الجزية يؤخذ من أموالهم ومواشيهم شيء سوى الجزية؟ قال: لا. (20)

وأوجب الأمام الصادق (ع) التقيّد ببنود المعاهدة معهم، ونهى عن مخالفتها فقال: (...فان أخذ من رؤوسهم الجزية فلا سبيل على أرضهم وان أخذ من أرضهم فلا سبيل على رؤوسهم.(21)

ومن أجل تحقيق التكافـل الاجتماعـي واشبـاع حاجـات مطلق المحتاجين والمستضعفيـن جـوّز الإمام الصادق (ع) إعطاء الصـدقة لليهود والنصـارى والمجوس.(22)

وكان (ع) يقوم بنفسه في تطبيق ذلك.(23)

وحث (ع) على عدم أخذ الجزية من المعتوه والمغلوب عليه عقله.(24)

وتأخذ منهم الجزية كل حسب طاقته، قال الأمام الصادق (ع): (ذاك الى الإمام ان يأخذ من كل انسان منهم ماشاء على قدر ماله بما يطيق...).(25)

فلم يجوّز الإمام (ع) تكليفهم فوق طاقاتهم حفاظاً على مستواهم المعاشي وعدم دفعهم للحاجة والسؤال.

وأقرّ أئمة أهل البيت (ع) الحقوق المدنية والشخصية لغير المسلمين، فأقرّوا قضايا الزواج والطلاق وان كان باطلا في الشريعة الإسلامية، فلو أسلما معاً فنكاحهما الأول جائز، قال الأمام الصادق (ع): (بل يمسكها وهي امرأته).(26)

وأقرّ (ع) الجمع بين اكثر من اربع زوجات لغير المسلم، واقرّ صحة العقد ان كان المهر خمرا او خنزيراً.(27)

ونهى (ع) عن قذف غير المسلم كافرا كان أم ذمياً، بل نهى عن قذف من يتزوج المحارم وكان يقول: (أو ليس ذلك في دينهم نكاحاً). (28)

وأقرّ مسائل الميراث.(29)

وفي العلاقات الاجتماعية حث الأمام الباقر (ع) على حسن المجالسة معهم (30)، وحث الإمام الصادق (ع) على حسن الصحبة وكان يستشهد بسيرة رسول الله (ص) وسيرة الإمام علي (ع) في حسن الصحبة مع غير المسلمين.(31)

وجوزّ مكاتبة غير السلم وطلب العون منه.(32)

وجوز الأمام موسى الكاظم (ع) للمسلم ان يدعو لغير المسلم إن احتاج اليه. (33)

وكان الأمام الصادق (ع) يجالس النصارى هو واصحابه.(34)

وكان بقية الأئمة كذلك، فلم يقطعوا الأواصر الاجتماعية معهم، واقّروهم على جميع الحقوق التي أقرّها الله تعالى لهم.

1- شرح رسالة الحقوق 571:2 ، حسن علي القبانجي ، مؤسسة اسماعليان، قم، 1406هـ .

2- الآمالي: 43، المفيد، جامعة المدرسين، قم، 1415هـ .

3- م ـ ن:86.

4- م ـ ن: 208.

5- تحف العقول: 292وما بعدها، الحراني، المطبعة الحيدرية، 1965.

6- تحف العقول: 369.

7- تحف العقول: 210.

8- الكافي5: 31، الكليني، دار صادر ـ بيروت ـ 1401هـ .

9- وسائل الشيعة 15: 68، الحر العاملي، مؤسسة آل البيت، قم، 1412هـ .

10- الكافي20:5.

11- الكافي237:2.

12- وسائل الشيعة 297:27.

13- م ـ ن 319:26.

14- من لايحضره الفقيه47:3، الصدوق ـ جماعة المدرسين ـ قم،1392هـ .

15- الكافي451:7.

16- الكافي309:7.

17- من لا يحضره الفقيه124:4.

18- الاستبصار271:4.

19- الكافي650:2،270:5.

20- م ـ ن 568:5.

21- م ـ ن 567:5.

22- م ـ ن 14:4.

23- م ـ ن57:4.

24- وسائل الشيعة 65:15.

25- الكافي566:5.

26- م ـ ن 435:5.

27- م ـ ن436:5.

28- م ـ ن240:7.

29- م ـ ن193:4.

30- الامالي:185.

31- الكافي670:2.

32- الكافي 651:2.

33- الكافي 650:2.

34- الكافي 656:2.