السلام عليكم

رئيس التحرير : السيد محمد علي الحلو

((التجديد)) مفردة يتداولها مثقفونا على مختلف توجهاتهم هذه الايام , و المتابع لبحوث و مقررات الأكثر لا يرسو على رؤيةٍ واضحة المعالم و السمات , و لعل ذلك ناشيءٌ عن الاغراق في التعبير عن وجهات نظر مختلفة تبدد محصلة النتائج التي يمكن استخلاصها من محاولات الجميع .

التجديد بما هو واقع – مهما اختلفت في تحديده الرؤى – فهو لا يعدو عن الرجوع الى اصالة الفكر التي من خلالها يستطيع الانسان تحديد معالم فكره و توجهاته .

و التجديد في مفهومنا الاسلامي يعني محاولة الرجوع و التمسك بأصالة العقيدة و نبذ ما دون ذلك من توجهات فكرية دخيلة، هذا هو المفهوم القرآني للتجديد الذي تؤسسه الآية الكريمة حكاية عن نبي الله يوسف(ع) : إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله و هم بالآخرة هم كافرون ؛ و اتبعت ملة آبائي ابراهيم و اسحاق و يعقوب ؛ يوسف : (12). فالترك هنا بمعنى التحرر عن تبعية التقليد الفكري الهجين و الرجوع الى اصالة الفكر الحقيقي الذي دعى اليه ابراهيم و اسحاق و يعقوب وهو عبادة الله وحده . هذا من حيث المفهوم الاسلامي العام , اما مفهوم التجديد على المستوى الشيعي فيعني الرجوع الى اصالة فكر اهل البيت(ع) و استخلاص كل مقومات الحياة من خلاله, فهو في الحقيقة حركة ذاتية لا تتوقف , تتابع مستجدات الحياة ة ومتغييراتها و لم يكن الفكر المعصومي مقراً على الجمود و التقوقع , بل هو دعوة الى الحياة الحرة في ظل معطيات اسلامية اصيلة , فعن أبي جعفر عن ابيه (عليهما السلام) قال : قال رسول الله (ص) : من تمسك بسنتي في اختلاف امتي كان له اجر مئة شهيد . الوسائل كتاب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

و قال الامام علي (ع) في خطبة له: و ما اُحدثت بدعة الا تركت بها سنة فاتقوا البدع , و الزموا المهيع ان عوازم الامور افضلها , إن محدثاتها شرارها . المصدر السابق .

فالتمسك بالسنة الشريفة و الرجوع اليها يخلق لدى الأمة وضوحاً في الرؤية لا تلتبس عليها الامور و لا تهجم عليها الفتن , من هنا امكننا ان ندرك قوله (ص) في وصيته لأمته : يا ايها الناس اني تارك فيكم ما إن اخذتم به لن تضلوا بعدي أمرين احدهما اكبر من الآخر : كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء و الارض و عترتي اهل بيتي , و انهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض . {المعجم الكبير للطيراني :137} فالرجوع الى كتاب الله و عترة النبي رجوع الى اصالة الفكر والمبدأ . هذا هو التجديد و ليس التجديد هو البحث عن الهوية المفقودة في ركام الافكار المنبوذة و التسكع على موائد الآخرين , و التجديد الذي يدعو له البعض ينطلق من ضياع الذات و البحث عن البديل لدى الاخر دون الالتفات الى معطيات فكرنا الاسلامي , و اذا كانت حجة البعض بأن التجديد على مستوى الفكرالديني يعني التحرر عن الالتزامات المفروضة و الارتماء في احضان الثقافات الاخرى , فهي رؤية بليدة تستدعي الوقوف ضدها و فضح دواعيها المقيتة.

إن حركة الاجتهاد الدؤبة في الفكر الشيعي هي اروع المحاولات التجديدية على المستوى الفكري والتي بأمكانها أن تعطي الاجابات الوافية لتساؤلات لا تزال مطروحة .