وجها لوجه

آية الله السيد مرتضى العاملي

مجلة الغري تلتقي سماحة الأستاذ المحقق والمفكر الإسلامي الكبير آية الله السيد مرتضى العاملي حفظه الله وتود التعرف على شخصه الكريم فمن هو مرتضى العاملي؟

السيد: انا سيد مرتضى العاملي والدي العلامة السيد مصطفى مرتضى العاملي، عشت في لبنان في جبل عامل وولدت هناك وهاجرت في سن السابعة عشرة إلى النجف الاشرف درست فيها ست سنوات وغادرتها إلى قم المشرفة في سنة1388 هـ أي 1968 م وواصلت دراستي فيها لمدة سته وعشرين سنة وعدت منها إلى لبنان في أوائل سنة 1994.

الغري: ـ استطاعت المفردة التاريخية الشيعية ان تفرض نفسها على الواقع التاريخي فإلى أي مدى تشارك هذه المفردة التاريخية الشيعية في رسم واقع اليوم؟

السيد: المفردة التاريخية الشيعية هي المفردة التي يمكن ان يقال انها الوحيدة التي تعنى بالوصول الى الحق مهما كان لون وطعم ورائحة هذا الحق وتلتزم هذا الحق بكل وجودها سواء كان فيه ألم أو فيه فرح فيه الحلو وفيه المر هي تقبله كما هو وتعتز به وتعتبره هو الذي ينبغي ان يُسعى إليه ويقصد في سبيله وان يكون كل شيء في خدمته لأن الحق هو الذي يحفظ البشر وهو الذي ينجي البشر عند الله وبالحق تقوم الحياة وبه ينال رضى الله سبحانه وتعالى وبالحق يصل الإنسان إلى مواقع الرضا الالهي ولا شيء اعظم من ذلك ولا شيء اكرم واشرف من ذلك ومن الطبيعي ان الحق إذا كان له قداسة وإذا كان له شرف وإذا كان مصوناً وعظيماً عند الله وله منزلته واهميته فمن الواضح ان ذلك يكتسب قوة ويعطي نفوذاً واصالةً والناس لابد ان يرجعوا إلى فطرتهم ولابد أن يلتزموا الحق بمقتضى احكام الفطرة من جهة وبمقتضى احكام العقل من جهة اخرى وبمقتضى الفرض ـ التشريع الالهي ـ من جهة ثالثة اذن المفردة الشيعية لابد ان تفرض نفسها ولابد وان تجد الحرب الضروس من قبل أعداء الحق ومن الذين يسعون وراء الباطل، الذين يحاولون أن يتمردوا على الحق لينالوا من هذه الحياة الدنيا بعض ملذاتهم بطريقة غير انسانية ومن خلال التمرد على احكام الله تبارك وتعالى، فمن الطبيعي ان يحارب الفكر الشيعي الذي يلتزم الحق، والمفردة التاريخية الشيعية لابد ان تفرض نفسها لأن الحق هو الذي يفرض نفسه كما ورد في القرآن الكريم ( وما بعد الحق إلا الضلال ) ( وليحق الله الحق بكلماته ) وإلى ما هنا لك من آيات تؤكد على قداسة هذا الحق فعلى هذا الاساس نحن نعتقد ان الحق لابد ان يفرض نفسه ولابد ان نجد المتاعب والصعوبات ولابد ان نواجه بمحاولات التزييف وبمحاولات التخريف وبمحاولات التحريف ايضاً لما نطرحه وما نقوله فهذه ضريبة الذين يريدون ان يكونوا أحراراًً في دنياهم، لأن التزام الحق يمثل الحربة بمعناها العميق والعميق جداً.

الغري: ـ يعد العلامة العاملي فقيهاً، مؤرخاً، كيف استفدتم من رؤيتكم الفقهية لتشكيل رؤية لها حضورها الفاعل على الواقع العلمي والعملي ؟

السيد: في الحقيقة انا توجهت في ايماني للوصول إلى حقائق الدين أينما كانت ونيل حقائق الدين لابد له من وسائل وجهود تبذل من خلال استخدام هذه الوسائل ومن خلال هذا الجهد يمكن الإنسان ان يصل إلى مكان الدين ونيل معارفه ووصفه بالإنسان العامل، أن يقوم بهذا الامر لأن الله سبحانه وتعالى امر الناس ان يعملوا وان يجاهدوا وان يكونوا في موقع الملتزم بما يريده الله فلابد اذن من معرفة الحقائق الايمانية على حقيقتها، وعلى هذا الأساس فان الفقه يمثل السلوك الشرعي الموافق لرضا الله سبحانه والذي هو في الحقيقة اكتشاف أحكام وأوامر ونواهي الله سبحانه وتعالى فيما يرتبط بالسلوك الانساني، على العموم هذا الأمر موجود في الاحكام الفقهية وإذا رجعنا إلى سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتوجهنا إلى سيرة الائمة المعصومين فان هذه السيرة النبوية وسيرة الائمة عليهم الصلاة والسلام تمثل الإسلام بكل جوانبه وبكل حالاته، وفيما يكون هناك أي تصرّف سواء كان هذا التصرف قولاً أو فعلاً أو موقفاً سواء كان له جنبة سياسية أو جنبة فقهية أو عقائدية أو جنبة شعائرية أو مفاهيمية أو سلوكية أو أخلاقية أو غير ذلك كله يمثل عقائد الدين، ولابد لنا من تلمسه ومن الوصول إليه ومن نيله لنستفيد منه في سياساتنا وفي سلوكنا وفي مواقفنا وفي كل حالاتنا، اذن سيرة الائمة وسيرة النبي فيها هذه الخصوصية وليست كسيرة أية شخصية من الشخصيات، سيرة الآخرين ليست فيها هذه الخصوصيات ابدا،ً فاذن هذا الأمر يمثل لنا مطلباً في حد نفسه، يلتقي الفقه بالتاريخ وتلتقي العقيدة بالفقه وتلتقي الاخلاق بالعقيدة والتاريخ ويلتقي الموقف السياسي ويلتقي ايضاً الفهم لمعاني الإسلام ومعاني الحياة والمفاهيم والقيم تلتقي مع كل ذلك مع الفقه والعقائد والتاريخ والسياسة وغير ذلك اذن إذا بحثنا في الفقه فلابد ان نبحث معه عن شوؤن العقيدة في بطن وفي متن الحدث التاريخي ولابد ان نبحث في متن الحدث التاريخي ايضاً عن السلوك و الخلق وعن الموقف السياسي وعن الفهم العميق للقيم وللمفاهيم الايمانية، وعلى هذا الاساس نعرف ما نتصدى له.

ولابد ان نستنبط هذه المعاني من هذا النص وان نستفيد منه لبناء شخصيتنا الإيمانية وفي بناء حياتنا الاجتماعية وسياساتنا ليكون ذلك هو المنطلق لنا في مواقفنا في مختلف شؤون الحياة.

الغري: كانت دراسات السيرة النبوية حكراً لتوجهات الحاكم السياسي وحجبت لفترة ليست بالقليلة فهل استطاعت الرؤية الشيعية لدراسة السيرة ان تغير هذه المعادلة؟

السيد: قضية الدراسات التاريخية وتدوين التاريخ بصورة عامة لم يكن حكراً على الحالة السياسية والحاكم السياسي فحسب، وانما كان يتأثر بالهوى المذهبي وبواقع المصالح وواقع الطموحات التي لدى الاشخاص ولدى الجماعات والفئات المختلفة ولدى الاعراف المتعلقة، كل ذلك كان له تأثيره في صياغة وانتاج الدراسات وفي تحريف قضايا التاريخ وفي الالتزام بجانب الحق أو في الانفصال عن جانب الحق إلى جانب الباطل، فاذن التقية لا تنحصر بالحاكم السياسي وانما لها ابعاد مختلفة ولها مناشيء مختلفة تتأثر بمناحي متباينة ومتفاوتة، ومع ذلك لابد أن نقول كما قلنا في الاجابه على السؤال الأول أنه ما دامت الرؤية الشيعية لا تقيم وزناً لكل هذه الامور وتعتبرها اموراً طارئة وتبحث عن الحق وتريده سواء كان حلواً أو مراً فانها لابد ان توفق في ما تسعى إليه ولابد ان تواجه كل هذا الركام الهائل من الاكاذيب ومن التحريفات والتشويهات ومن التعتيم على الحقائق وابعادها من الواجهة ولابد ان تواجه كل ذلك بحزم وجدية ولا يمكن ان تتخلى عن واجبها في هذا المجال، فبالنهاية لابد ان يظهر الحق على الباطل ولابد ان يزهق الباطل ان الباطل كان زهوقا.

الغري: ـ كيف استطاعت الحوزة النجفية أن تشارك في اعادة كتابة التاريخ الإسلامي ؟ وهل ترون أن الحوزة العلمية اليوم سواء كانت نجفية أو غيرها تشارك في اعادة كتابة التاريخ الإسلامي؟

السيد: كما قلت حكاية التاريخ الإسلامي ليست حكراً على جهة دون اخرى بل كل القوى المؤمنة والمخلصة تسعى بجدية وبدأب وبمثابرة ظاهرة للوصول إلى حقائق التاريخ، ولا اقصد حقائق التاريخ بما هو تاريخ، انا كل حديثي في تاريخ النبي وتاريخ الأئمة المعصومين من حيث انه يمثل كتاباً نقرأ فيه كل حقائق الدين، نقرأ فيه الحقيقة السياسية والحقيقة التاريخية والحقيقة الفقهية والحقيقة العقائدية والسلوكية والايمانية كل حقائق الإسلام موجودة في هذا الكتاب لابد ان تقرأها اذن كل الحوزات لابد أن تتوجه وان تسهم في الوصول إلى هذه الحقيقة وان تقرأ هذا الكتاب، وكانت النجف ولا زالت على مر التاريخ لها القدح المعلّى في كشف حقائق الدين والحفاظ عليها وفي تعريف الناس بها ونشرها في مختلف بقاع العالم، ولا تقصر عنها سائر الحواضر العلمية بل كلها تسهم في هذا الامر انطلاقاً من التكليف الشرعي، لأنَّ هذا هو الذي يريده كل علمائنا كانوا في هذا الصراط سواء انشأتهم النجف أو أنشأتهم غيرها، ولكن كان للنجف نصيب كبير في انتاج هذا الرعيل العظيم والكبير من العلماء الافذاذ الذين كان لهم دورهم على مدى الف سنة أو ما يقرب منها في صناعة الفكر وفي نشره وفي تربية الناس على هذا الفكر، اذن للحوزة النجفية فضلها وللحوزات الاخرى دورها وكل له دوره العظيم وكل يشكر على ما قام به وما أداه من خدمات.

الغري: ـ سماحة السيد العاملي ما الذي اثار اهتمامكم للكتابة عن السيرة النبوية بالخصوص والكتابة التأريخية عموماً ؟

السيد: انا اظن أن وتكلمت به للإجابة على كل هذه الاسئلة يكفي للإجابة عن هذا السؤال واكرر القول إني لم أتعوض للكتاية عن تاريخ المغول مثلاً ولا عن تاريخ أي حدث في غير سياق قضايا الاهتمامات الدينية أو يدخل في سياق التاريخ للأشخاص أو التاريخ للبلاد بما هي، أما أنا غرضي ان اكشف حقائق الدين من خلال ما أكتبه من تاريخ أو تفسير أو ما اكتبه في كل البحوث التي تعرضت لها سواء كانت تاريخية أو غير تاريخية، وربما تعرفون ان هناك تنوعاً كبيراً فيما تصديت له في كتاباتي إذ كان كل هدفي هو أن أكشف حقائق الدين، هذا هو الهدف وليس بأكثر من ذلك ولذا فمن الطبيعي ان يكون منحصراً بتأريخ ـ الأئمة المعصومين وبتأريخ نبي الله صلوات الله وسلامه عليه وعليهم ولم يكن هدفي ان اكتب التاريخ للتاريخ، لأن هذا يكون من باب اتلاف الوقت ولا يغير كثيراً ،وانما الذي يفيد هو أن نعرف حقيقتنا وما يجب علينا ولا يكون ذلك إلا بتأريخ الانبياء والأوصياء ولا غير ذلك، فنحن كان همنا هو هذا ولذا بحثنا في التفسير مثلاً وفي ثنايا كتابنا الصحيح في السيرة النبوية بحوثاً تفسيرية وبحوثاً تاريخية وربما احياناً بحوثاً جغرافية لابد ان نكتشف حقيقة الحدث الذي سنستفيد منه في بناء شخصيتناً الإيمانية والإسلامية .

الغري: مفردة الانفتاح اخذت تخترق الكثير من رؤى البعض ولعلها تكون مبرراً لأعمالهم الشخصية ومن ثم يؤطرونها بمشروعية خاصة ما هي رؤيتكم حول الموضوع؟

السيد: الانفتاح تارة يكون بعنوان ان تتعامل مع الاخرين بمعنى ان تفسح لهم المجال ان يعبروا عن آرائهم وافكارهم للنقاش العلمي وللوصول إلى الحق من خلال هذا لانفتاح عليهم هذا شيء حسن وقد فعله رسول الله والائمة الطاهرون وفعله علماؤنا المخلصون، واما إذا كان الانفتاح يعني ان نفسح لهم المجال في ان يسبوا مقدساتنا وفي ان ينالوا من قيمنا يتدخلوا في تربيتنا الدينية لأطفالنا وشبابنا يحاولوا تشويه الحقائق الثابتة والراسخة في ديننا وفي معتقدنا فهذا ليس انفصالاً بل هو تفريط بالدين و اسقاط للقيم و تعد على المقدسات و افساح المجال للاخرين ليعيثوا بقيمنا وبديننا وبمقدساتنا انه تملص من المسؤوليه وهروب من التصدي ومن موقع التحدي هذا ليس اهتماماً بل خيانة للدين، واما الانفتاح بمعنى ان نسمع منهم وان نحرضهم على ان يظهروا ما في انفسهم ويطرحوه للنقاش وللتداول فهذا شيء حسن، اما أن نفسح لهم المجال بأن يسمموا افكار أجيالنا وابنائنا واخواننا بحجة الانفتاح وتحت مظلة الانفتاح فهذه خيانة كما قلت ولا يمكن السماح بها ،والمؤسف اننا نجد الكثيرين أسهموا في تسميم افكار شبابنا وإضعاف روح المناعة لديهم المناعة ضد كل المحاولات التي تبذل لحجب افكارهم أو لاضعاف عقائدهم بقيمهم والتزامهم بتلك وهو ما نرفضه لأن حلال محمد حلال إلى يوم القيامة، الانفتاح بهذا المعنى مقبول بل محبوب ومطلوب ومرغوب والانفتاح بذلك المعنى خيانة وخروج عن الدين وهروب من المسؤولية ان لم يكن في الحقيقة هو جريمة كبرى لابد من العقوبة عليها إن لم يكن في الدنيا فعند الله في الآخرة والسلام عليكم ورحمة الله .