بكم تمت الكلمة وائتلفت الفرقة
التقريب بين المذاهب الإسلامية صار اليوم ضرورة ملحة تجدها الأمة الإسلامية توخياً للاجتماع ودرءاً للفرقة والاختلاف، ولعلّ ضرورتها تتضح بصورة أكبر في عصرنا الراهن فالمسلمون يعانون من الضعف والتمزق وقضاياهم المصيرية واحدة، والشعب الفلسطيني يعاني من أسوأ عدو عرفته الأمة وقد أشار إليه قبل ذلك القرآن الكريم بقوله ( ولتجدن اشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود ) المائدة : 82 ومصداق ذلك ما نجده من المؤامرات المحاكة ضد الشعوب المستضعفة في العراق وايران وفلسطين وما تسفكه اليد اليهودية من دماء الشعب الآمن وما تخططه من اقصاء وحدة المسلمين بزجهم في اختلافات ليس لها ما يبررها.
وإذا أمعنا النظر في ذلك وجدنا أن المسلمين لم تتوحد كلمتهم وتتفق رؤيتهم إلا تحت معلم مهم من معالم الوحدة وهو فضلا عن كلمة الإسلام، الاجتماع تحت مظلة فكرية واحدة ورؤية ثقافية تضمن لنا سلامة الطرق المتوخاة للوصول إلى هدف مشترك واحد.
ان التعددية في الافهام والذي ينشأ منه التعددية في المواقف ناتج عن تشرذم المشارب وتعدد الموارد ولا سبيل للخلاص إلا بالرجوع إلى مسلكية واحدة ومرجعية مؤتلفة. تعد تجربة الاجتماع الفكري والرؤية الواحدة أقصر الطرق في ضمان سلامة المنهج المعتمد، فأهل البيت عليهم السلام يعدون الأنموذج الأفضل لهذه التجربة الرائعة، فهم صلوات الله عليهم يعتبرون امتداداً طبيعياً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي تصبو الأمة للأخذ منه كونه المنبع الرئيس للاحكام الالهية المفروضة، أي أن التعددية المذهبية هي استجابة طبيعية لاختلاف المشارب وتعدد الموارد، والفرد السليم يسعى للبحث عن الطريق الموصل للرضا الالهي والاجتهادات تعد احدى المسالك المنتهجة للبحث عن طريقة فقهية معينة، وطبيعي ان هذه الاجتهادات الفقهية بقدر ما هي ضرورة فهي مشكلة قائمة تجر الأمة إلى تشتت في الرؤى ينتج من خلالها تشرذم الأمة إلى تكتلات وطوائف وفرق وهي وان كانت تجتمع تحت كلمة التوحيد فانها تستشعر من نفسها انقساماتها الفكرية والتنظيرية، لذا فالاعتماد على مسلكية فقهية موحدة تعد اقصر الطرق واضمنها من أجل النهوض بمستوى فكري موحد. لم تكن هذه الدعوة مجرد رغبة دفعتني وأنا أتحدث عن تاريخ الاختلاف التنظيري بين المسلمين بل هي حقيقة لها ما يؤيدها ويعزز توجهاتها، فأئمة المذاهب الإسلامية كانوا يشهدون على أنفسهم بالرجوع إلى أئمة أهل البيت أو يقرون لهم بالفضل والمعرفة وكونهم أعلم أهل زمانهم فهذا مالك بن أنس يشهد لهذه الحقيقة حينما يقول : ( جعفر بن محمد اختلفت إليه زماناً فما كنت اراه إلا على احدى ثلاث خصال إما مصلٍّ واما صائم واما يقرأ القرآن، تهذيب التهذيب 2 : 104 ويضيف الدكتور مصطفى الشگعة في كتابه مالك بن أنس: 29 ( ولم يكن مالك وأبو حنيفة وحدهما الآخذين من فيض علم الإمام جعفر من بين أئمة أهل السنة، وانما أخذ عنه واتصل به السفيانيان الثوري وابن عيينة وشعبة بن الحجاج وغيرهم ) . ويحدث الآلوسي في تحفته 1 : 8 عن أبي حنيفة قوله ( لو لا السنتان لهلك النعمان ) يريد بهما السنتين اللتين كان أبو حنيفة يتتلمذ على جعفر بن محمد الصادق عليه السلام . وما نقله محمد أمين غالب في تاريخ العلويين : 140 عن فتوى ابي حنيفة حينما سئل في رجل وقف ماله للإمام فمن يستحق ذلك المال فقال أبو حنيفة ( المستحق هو جعفر الصادق لانه هو الإمام الحق ) . ولعل هذه الواقعة تعطينا التصور الواضح عن علاقة ابي حنيفة بالامام الصادق عليه السلام واعتقاده فيه فقال ( ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد لمّا اقدمه المنصور بعث إلي فقال: يا ابا حنيفة ان الناس قد افتتنوا بجعفر بن محمد فهيء له من المسائل الشداد فهيأت له أربعين مسألة ثم بعث إليَّ أبو جعفر وهو بالحيرة فأتيته فدخلت عليه وجعفر بن محمد جالس عن يمينه فلما أبصرت به دخلتني من الهيبة لجعفر بن محمد الصادق ما لم يدخلني لأبي جعفر فسلمت عليه و أومأ إليَّ فجلست ثم التفت إليه فقال يا أبا عبد الله هذا أبو حنيفة فقال نعم .. إلى أن يقول : ثم التفت إليَّ المنصور فقال يا أبا حنيفة الق على أبي عبد الله من مسائلك، فجعلت القي عليه فيجيبني فيقول انتم تقولون كذا وأهل المدينة يقولون كذا ونحن نقول كذا فربما تابعنا وربما تابعهم وربما خالفنا جميعاً حتى أتيت على الأربعين مسألة ثم قال أبو حنيفة : ألسنا روينا ان أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس. مناقب ابي حنيفة 1 : 173 إلى غير ذلك مما كان يحمله أئمة المذاهب من تقديرهم العلمي واعترافهم بفضل أئمة آل البيت عليهم السلام، والذي نريد قوله : إن الاختلاف الناشئ بين الأمة بسبب الاختلاف في الرؤى الفقهية والتنظيرية يمكن تلافيه باللجوء إلى مرجعية موحدة تجتمع عندها الأمة وتستقر توجهاتها وهي المرجعية الموحدة التي اعترف بها أئمة المذاهب الإسلامية بالرجوع إلى ائمة أهل البيت عليهم السلام، فالاختلاف اذن لم يكن واقعياً بقدر ما هي انفعالات أثارتها ظروفها السياسية، فأنظمة الحكم كانت ترى في وجود أئمة آل البيت عليهم السلام مجازفة للابقاء على سلامة ملكهم، والابقاء على وحدة الأمة الإسلامية كانت خطراً يهدد توجهاتهم، ووجدوا ان أقصر الطرق في إضعاف الأمة هو القاء الخلاف فيما بينها على أساس الاختلاف الفكري والتنظير الفقهي، وأوغلوا في هذه النظرة القائمة بأن المذاهب الإسلامية تختلف مع المذهب الشيعي اختلافاً يكاد لا تلتقي معه أبسط الفروع فضلاً عن الأصول الفقهية، إلا أن المنصف سيرى أن الاختلاف في الاجتهادات الفقهية بين نفس المذاهب الإسلامية يكاد يربو على قدر لا يستهان به، بل هناك حقيقة خطيرة سيجدها المتتبع لهذه القضية وهي أن المذهب الامامي في فقهه وأصوله يعد القاسم المشترك لجميع المذاهب الاسلامية، فالمذهب الامامي مرجعه إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم المأخوذة من أفواه اولاده الائمة عليهم السلام فضلاً عن سنة أئمة آل البيت عليهم السلام التي هي سنة جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهذان المصدران هما القاسم المشترك بين جميع المذاهب الإسلامية في حين لا يعد الرأي أو القياس أو الاستحسان مشتركاً عند الجميع، وبهذا يمكن القول إن الفقه الامامي تعبير عن توجهات الأمة الإسلامية في وحدتها المنشودة وأهدافها الطموحة في أن تكون تحت مظلة واحدة ورؤية فقهية مشتركة يمثلها أئمة آل البيت عليهم السلام، فإن بهم تتم الكلمة وتأتلف الفرقة .
رئيس التحرير