فلسطين في الشعر العراقي المعاصر
مهدي الحسناوي
لقد تأثر الشاعر المعاصر بالاتجاه الواقعي، وبدعوة الشعراء للتعبير عن آلام الأمة، وتوظيف الشعر للدفاع عن قضايا الشعب العربي المسلم العادلة، ومحاربة الاستعمار والتخلف، وكثر الحديث عن الادب الهادف والادب الملتزم، وصاحبه اندفاع الكثيرين من المثقفين لتأييد اصحاب الرأي الآخر والترويج له في جميع المحافل الأدبية.
وصار لزاماً على الشاعر ان يتوجه إلى قواعد الامة وجماهيرها المسلمة الواسعة وابراز مشاكلها من خلال قصائده، ولعل قضية فلسطين هي الأولى وهي أهم شيء راودت الشعراء، فأنشدوا لها وتغنوا ببطولات الشعب الفلسطيني المسلم، وما شعراء المقاومة: محمود درويش ـ سميح القاسم ـ فدوى طوقان ـ ابراهيم طوقان ـ إلا صدى لهذه القضية وهمومها، كما كتب الشعراء العراقيون قصائد ثورية مجَّدت نضال ومقاومة الشعب الفلسطيني، ولعلَّ هذا الشيء تجسيد واقعي لطموحات الأمة الاسلامية، وينطبق على قصائد الشاعر العراقي المعاصر، والتي هي تعبير صادق وحقيقي لكل المعاني والقيم الإنسانية.
إن التضحية في سبيل الإسلام ومقدساته شيء عرفته الشعوب المجاهدة ومعنى من الشجاعة الإنسانية يفيض بالرضى في نفوس الضحايا اللذين قامت ساريتهم على تراب اجسادهم، وفتلت من عروقهم دليلاً هادياً للعمل يجعلنا نرخص ارواحنا في سبيل ان يظل رمز المقاومة مرتفعاً كما في قصيدة: (خلفت غاشية الخنوع ) للشاعر محمد مهدي الجواهري:
خلفـــت غاشية الخنوع ورائي واتيـــــت أقبس جمرة الشهداء
ودرجت في درب على عنت السرى ألقٍ بنور خطاهم وضــــــاء
خلفتــــها واتيتُ يعتصر الاسى قلبي وينتصب الكفــــاح ازائي
لقد كان الشاعر العراقي في مواقفه وقصائده الشعرية يرفض المساومة، ويستنكر مؤامرات واتفاقيات الخيانة والذل مع الكيان الصهيوني اللقيط كإتفاقية كامب ديفيد كما في قصيدة الشاعر جواد جميل :
لا توافق
ان تباع الثورة الحمراء ،
في حقل قمار
أنت تدري
أنّ ما يعقد من مؤتمرات للبيادق
هو بحث حول تعليب الدمار
وهو ان يبنى على بيتك
مليون جدار
وعلى صوتك
مليون جدار
وبعد مرحلة ( الايقاظ الجماهيري ) و ( الرفض المتمرد ) لا يبقى إلا أن ندخل الفعل الثوري مرحلة ( الجهاد المسلح ) من أجل تحرير الأرض وتحرير الإنسان كما في قصيدة الشاعر
عبد الوهاب البياتي
قصائدي كانت سلاح الفقراء، كانت البشارة
وكانت العبارة
أجنحتي، بها أطير، وبها اخترق الحصار
في سنوات النار
ومن شأن الشعر في هذه المرحلة ان يعبر عن هذا الموقف الجديد بكل ابعاده الإنسانية، فالقتل في ذاته جريمة في حق الإنسانية، ولكنه عندما يصبح هو الوسيلة الوحيدة والاخيرة لاستخلاص ( الحق الانساني ) و ( التراب المغتصب ) فإن الموقف يختلف، وكم ألمح الشاعر المعاصر في قصائده إلى مثل هذا الموقف على تأكيد أن الكفاح المسلح ضرورة لا مناص منها عندما تعجز كل الوسائل الأخرى عن استخلاص الشعوب لحقوقها الإنسانية وحريتها الضائعة، وكم أكد الشاعر العراقي أن الشعوب المحبه للسلام انما تخوض غمار هذا الجهاد من أجل تحقيق السلام كما في قصيدة الدكتور الشيخ احمد الوائلي
فزفها مدفعٌ شظى ترائبهــــا وضاع بين الشظايا حلمهـا الخصب
وتلك حلَّتها البيضــاء كم كفنٍ تلك حجـرتها الاحجــار والترب
وراضع يد اسرائيل تلقمهـــم ثدي الرصـاص فمنه الورد والحلب
ان انهماك الشاعر المعاصر في قضايا عصره وتفهمه لمشكلات الحياة في المجتمع الذي يعيش فيه، مهما أرتبطت هذه المشكلات بظروف وقتية، أو مهما تكن مشكلات محلية خاصة لا يناقض طبيعة الشعر في شيء، فنحن نتطلب في الشاعر كما قلنا حصيلة موفورة من الثقافة والخبرة فضلاً عن حس مرهف، وادراك سليم للأمور، والشاعر الحقيقي ـ في رأيي ـ لا يستطيع ان يعيش بضميرين، ضمير مع نفسه وضمير مع الناس، وانما يواجه الاديب الحقيقي نفسه ومجتمعه بضمير واحد، لأنه سرعان ما يحس ان مشكلاته الخاصة لا تنفصل عن مشكلات الناس وهي المحور الحقيقي لكل معاناته كما في قصيدة الشاعر مظفر النواب
ما زلنا نتحجج بالبرد وحرَّ الصيف
ما زالت عورة ابن العاص معاصرة
وتقبّح
وجه التاريخ
ما زال كتاب الله يعلق بالرمح العربية
وبهذا الاسلوب يفصح الشاعر العراقي عن حالته النفسية، وانفعالاته الداخلية بصورة تهكمية لاذعة، ويخلق بينه وبين المتلقي ما يشبه الترابط في تبادل الاحساس بالمتعة عند قراءة النصوص الشعرية .
كما ان الشعب الفلسطيني المجاهد من اجل استعادة أرضه وبناء كيانه الجديد يستنفر كل الاقلام العربية الثقافية والادبية أن تساند قضيته العادلة، وأن تمنحه من القوة والمعنوية ما يعزّز صموده في معركته الضارية من اجل الحرية والسلام كما في قصيدة الشاعر مصطفى جمال الدين
لملم جراحك وأعصف أيها الثار ما بعد عار ( حزيران ) لنا عار
وخلِّ عنك هدير الحق في أذن ما عاد فيها سوى ( النابال ) هدّار
وخض لهيب وغىً لابد جاحمها يوماً فان بريق السلـم غرّار
إن محنة الشعب الفلسطيني التي عاشها في هذا القرن، هي نفسها الآن يعيشها الشعب العراقي، فالعيش في المخيمات والبحث عن مكان آمن، والتشريد والجوع والحصار أصبحت من الأمور المعتادة في قاموس العيش العراقي، وعندما يكتب الشاعر العراقي قصائده ويتناول قضية فلسطين، فإنه أيضاً يبثُ في ثنايا نصوصه هموم وآلام شعبه المظلوم كما في قصيدة( لغة المقلاع ) لكاتب المقال :
رأيت جراحك
صدى الذكريات
تهز الصحارى
وأبواب غزة
رأيت دماءَك
قبلة لصبرا
ونهرٌ أصيل للقدس
وحده
رأيت الحجارة تقبّل
كفك
لأنك البحر بجزره
ومدّه
لأنك مثلي عرفت الرحيل
وتلك الصلاة
ولون النخيل
لأنك تشبه هذي القصائد
أو غصن زيتونةٍ
في الجليل
لقد كانت قضية فلسطين هي المحور الاساسي في قصائد الشاعر العراقي، لأنها تعتبر قضية المسلمين الاولى، وتمثل صراع، الحق مع الباطل، فكان يتناول في ابياته ونصوصه الشعرية هذا الشيء، بلغةٍ عصرية مغايرة تنتقد الاوضاع العربية والحكومات الرجعية وقد استنكر الشاعر العراقي المعاصر كل انواع المصالحه مع اليهود المغتصبين لقبلة المسلمين الاولى، ويحاول ايقاظ الامة، لكي تعيد امجادها كما كانت عليه في العصور السابقة.
-------------------------------------
ارج من الزهر المندى قد ضوع الافاق ندا
وعلا على الوادي ضياء مـــن قرارته تبدى
قبس من النور استطال فشع في الاجيال وقدا
من بيت هاشم والجواهر مــن معادنها تبدى
حيث المفاخر ليس تحى والفضائل لن تعدا
ماذا بمكة فهي نزهو ممنظراً و تميس قدا
من زلزل الاصنام عن انصابها قسراً وأردى
نـبـأ يـجل مقامه عن ان يعرف أويجدا
نباله قلـب الجزيـرة كاد أن ينقد قدا
يا ليلة الميلاد و المجد المؤثل منك يبدى
لآية الله العظمى الشيخ محمد آمين زيد الدين