إحياء أمر أهل البيت (ع) وتعظيم الشعائر الحسينية

السيد أحمد الحسيني

أهل البيت عليهم السلام عنوان مضيء في حياة الإنسانية، وعنوان شامخ في حركة التاريخ والمسيرة الإسلامية، نطق به الوحي الألهي، ونطق به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولهج بذكره المسلمون من جميع المذاهب، وهم أعلام الهدى وقدوة المتقين، وهم مأوى أفئدة المسلمين من جميع أقطار الأرض، عرفوا بالعلم والحكمة والإخلاص والوفاء والصدق والحلم، وسائر صفات الكمال في الشخصية الإسلامية، فكانوا قدوة للمسلمين، وروّاد الحركة الإصلاحية والتغييرية في المسيرة الإسلامية.

وأهل البيت(عليهم السلام) هم المنقذ والمنجي الوحيد للإنسانية في الدنيا والآخرة، كما وصفهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (ألا إنّ مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق)(1).

وهم أمان للإنسانية وللأمة الإسلامية ، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق وأهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف فاذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس)(2).

ووصفهم أمير المؤمنين(عليه السلام): (هم عيش العلم وموت الجهل؛ يخبركم حلمهم عن علمهم وظاهرهم عن باطنهم، وصمتهم عن حكم منطقهم؛ لا يخالفون الحقّ ولا يختلفون فيه، وهم دعائم الإسلام وولائج الاعتصام؛ بهم عاد الحقّ إلى نصابه... عقلوا الدين عقل وعاية لا عقل سماع ورواية)(3).

وهم الميزان والمعيار لتقييم وتقويم الأشخاص والوجودات والمواقف، ومعرفة مدى قربهم وبعدهم عن المنهج الألهي في الحياة.

قال أمير المؤمنين(عليه السلام): (نحن النمرقة الوسطى؛ بها يلحق التالي، واليها يرجع الغالي)(4).

ودور أهل البيت (عليهم السلام) في الحياة الإنسانية هو دور القدوة والحجّة، وكل الادوار الباقية متفرعة عن هذا الدور، ودور القدوة والحجّة هو دور الوصل بين السماء والأرض، والوصل بين الله تعالى والانسان، فهم (عليهم السلام) حجج الله على العباد إلى يوم القيامة، وإنّ الواجب على المسلمين هو الإقتداء بهم في جميع مقومات الشخصية الإنسانية وهي: الفكر والعاطفة والسلوك، وفي جميع مجالات الحياة العملية، وهم سفن النجاة في الدنيا وفي الآخرة لمن اقتدى بهم، بعد إيمانه بإمامتهم وقيادتهم للإنسانية جمعاء.

والإقتداء بهم يستلزم ربط الناس بهم فكرياً وعاطفياًوسلوكياً قبل كل شيء، والذي يتوقف منطقياً على إحياء ذكرهم، وقد وردت روايات متظافرة ومتواترة على أهمية هذا الإحياء، وكما ورد عن الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) أنّه قال:(اتقوا الله وكونوا اخـوة بررة متحابّين في الله متواصلين متواضعين متراحمين، تزاوروا وتلاقوا وتذاكروا وأحيوا أمرنا)(5).

وأفضل مواسم الإحياء المكثفة هي مواسم عاشوراء وصفر، وإن كان المطلوب هو إحياء ذكرهم في كل وقت، ولكن لعاشوراء وصفر ظروفاً خاصة تشعر الإنسان والمجتمع الموالي بأنه يعيش الإحياء المندك بكل كيانه واعماق نفسه.

ولعاشوراء أهمية استثنائية وللإمام الحسين(عليه السلام) أهمية استثنائية لان دمه الزكي أبقى للإسلام وجوده وكيانه ومعالمه، ولولا دمه الزكي لتمكن يزيد والحكم الأموي من طمس معالم الدين واعادة الجاهلية بلباس إسلامي اولاً ومن ثم الانسلاخ من هذا اللباس نهائياً.

وهذه الأهمية الاستثنائية لم تأت اعتباطاً، فقد جاءت بعد أحاديث شريفة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) تؤكد هذه الأهمية حيث ركزت على شخصية الإمام الحسين(عليه السلام) وعلى خصوصيات ثورته وتضحياته، واعتباره محيي الدين والشريعة، وقد ورد ذلك في قولـه(صلى الله عليه وآله وسلم): (حسين مني وأنا من حسين)(6).

ووردت روايات عديدة عن أمير المؤمنين(عليه السلام) بحق الإمام الحسين(عليه السلام) ومنها قوله(عليه السلام): (كلنا سفن النجاة وسفينة الحسين أسرع) (كلنا ابواب النجاة وباب الحسين أوسع).

وقد تناقل الصحابة والتابعون الكثير من الروايات التي تؤكد اسشهاد الإمام الحسين(عليه السلام) ووجوب نصرته وثواب إحياء ذكراه وزيارته.

وإضافة إلى ذلك أكدّ أهل البيت (عليهم السلام) على إحياء هذه الذكرى وكانوا يقومون باحيائها في بيوتهم وبيوت أصحابهم.

وخلاصة ما تقدّم إنّ المصداق الاوسع والأشمل والأظهر لإحياء أمر أهل البيت (عليهم السلام) هو إحياء الإمام الحسين(عليه السلام) وواقعة الطف وما تبعها من أحداث كالسبي ودور العقيلة زينب(عليها السلام) في إحياء وتجديد الذكرى بكل أبعادها.

وإحياء الذكرى ينبغي ان يكون إحياءً حقيقياً ينسجم مع تعاليم وتوصيات وارشادات أهل البيت (عليهم السلام) وينسجم مع دورهم في الحياة باعتبارهم أئمة وقادة وحجج وقدوة للناس أجمعين، وكل لون من الإحياء هو أمر محبوب ومرغوب،ولكن الإحياء الانسب والأصوب هو إحياء لجميع ما تيعلق بأهل البيت(عليهم السلام) وكلّ مثاب عليه.

قال الإمام جعفر الصادق(عليه السلام): (نفس المهموم لنا المغتم لظلمنا تسبيح وهمّه لأمرنا عبادة وكتمانه لسرنا جهاد في سبيل الله).

وإحياء ذكرى أو أمر أهل البيت (عليهم السلام) سواء كان في عاشوراء أو في بقية الأشهر والأيام، أو إحياء ذكرى الإمام الحسين(عليه السلام) ينبغي أن يكون إحياءً شاملاً متكاملاً، وينبغي أن يعمل كل إنسان ما بوسعه من أجل هذا الإحياء كل حسب طاقته وامكاناته، وكلّ حسب فهمه ووعيه، فكل مظهر من مظاهر الإحياء محبوب مرغوب فيه مادام منسجماً مع ثوابت الشريعة الإسلامية وواقعاً في أحد دوائر أو مجالات أو اقسام الحكم الشرعي: الواجب، او الاستحباب أو الاباحة.

وإحياء أمر أهل البيت (عليهم السلام) وخصوصاً إحياء أمر أو شعائر الإمام الحسين(عليه السلام) ينبغي أن يكون مستوعباً لشخصية ونهضة الإمام(عليه السلام) بكل أبعادها واهدافها وغاياتها وهي:

أولاً: إحياء الدور الحقيقي للإمام الحسين(عليه السلام) وهو دور الإمامة والقيادة والحجة والقدوة، فهو إمام مفترض الطاعة كما نصت عليه الآيات والروايات، وهو إمام يستحق الإمامة أو تنحصر به الإمامة حسب الأسس الثابتة لعلماء وفقهاء العامة والذين يشترطون في الإمام أن يكون فقيهاً عادلاً ومبايعاً من قبل أهل الحل والعقد وهم الفقهاء.

فينبغي إحياء هذه الحقائق وتبيان أحقية الإمام الحسين بالامامة على رأي الشيعة والسنة من أمثال القلقشندي والتفتزاني والماوردي والجويني وغيرهم من المتقدميين والمتأخرين.

ثانياً: إحياء فضائل وكرامات الإمام الحسين(عليه السلام)، وقد ظهرت له عدة كرامات في اثناء المعركة وبعدها ذكرها المؤرخون من الشيعة والسنة واعترف بها حتى أعداء الإمام الحسين(عليه السلام) ومنهم الذين شاركوا في قتله، وكذلك إحياء الكرامات التي تظهر بين الحين والآخر بشكل لا تقبل التكذيب ولا التأويل، وهذه الكرامات خير وسيلة لربط الناس بالامام الحسين وبأهل البيت(عليهم السلام) ومن ثم ربطهم بعالم الغيب، وهي خير وسيلة لتقوية الأيمان وتجذيره بالقلوب والعقول، سواء كان الايمان بالله تعالى او الايمان بأهداف الثورة الحسينية.

ثالثاً: إحياء مظاهر المظلومية ومصاديقها من قتل واعتداء وسلب وأسر، وما تعرض له أهل البيت (عليهم السلام) عموماً والحسين خصوصاً من غصب حق ومن إعتداء ومن ظلم دون مراعاة لحرمة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وحرمة أهل بيته(عليهم السلام) وحرمة من يريدون الإصلاح في أمة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

وإحياء ذكرى ومظاهر المظلومية يربط القلب والعواطف والمشاعر برموز المظلومية لتندك بهم فكرياً وعاطفياً وسلوكياً، ولكي تبقى النفوس وثابة متأججة ومتصلة بهؤلاء المظلومين الذين ضحّوا من أجل سلامة الدين وسلامة العقيدة وسلامة الافكار وسلامة العواطف ومن ثم سلامة الأمة والدولة من الانحراف والفساد.

وقد كان للمظلومية دور كبير في كشف الحقائق والتمييز بين منهجي الحق والباطل، ولا غرابة حين تجد من يقول: (لقد شيعني الحسين) ولا اريد أن اذكر بعض اصدقائنا المسيحيين الذين اسلموا من خلال تتبعهم لمظلومية الإمام الحسين(عليه السلام) حينما كانوا طلاباً معنا في الجامعة المستنصرية.

رابعاً: إحياء سيرة أهل البيت (عليهم السلام) وسيرة الإمام الحسين(عليه السلام)، وهذا الامر ضروري من اجل الإقتداء بهم والتأسي بهم(عليهم السلام) في جميع مجالات السيرة والموقف والسلوك سواء كان فردياً أو اجتماعياً ، فينبغي إحياء سيرة الإمام الحسين(عليه السلام) كفرد، وكأمة، إحياء سيرته في تعامله مع الله تعالى في عبادته ودعائه وخوفه من الله تعالى، وإحياء سيرته في ارتباطه بالقرآن الكريم، وإحياء سيرته في علاقاته مع زوجاته وأبنائه وبناته، ومع جيرانه، ومع المجتمع ككل.

وإحياء سيرته في تعامله مع الموالين ومع المعادين ومع المخالفين.

وإحياء سيرته الخلقية في جميع أبعادها في تقواه وكرمه وغيرته وفي إحساسه وعطفه وصبره، وصدقه وصراحته وكل ما يتعلق به من خلق وسلوك.

ومن أهم مصاديق إحياء الذكرى وإحياء الشعائر إحياء أهداف النهضة الحسينية والتي حددها الإمام الحسين(عليه السلام) في وصيته الخالدة: (... انما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي؛ أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، واسير بسيرة جدّي وأبي علي بن أبي طالب).

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعني الدعوة إلى الدين كعقيدة وهو دعوة غير المسلمين إلى الإسلام ، والدعوة إلى العمل الصالح والنهي عن العمل الطالح ، وهو أمر يستوعب جميع مظاهر الحياة وأبعادها ، فهو إصلاح للقلب وللعقل وللارادة، وإصلاح للسلوك وإصلاح للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لتكون إسلامية، ويكون الإصلاح منسجماً مع منهج رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ومنهج باب علمه ووريثه أمير المؤمنين(عليه السلام).

وينبغي أن يتحقق ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة كما أكّدت عليها الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة.

وعلى ضوء ذلك ينبغي أن يحقق الإحياء ثمرات عملية وواقعية في كل مناسبات الإحياء، أقلها أن يزداد الارتباط بالامام الحسين وبأهل البيت(عليهم السلام) وبمنهجهم، واستشعار رقابتهم لنا لكي تتحول إلى تحريك للعقول والقلوب لتتوجه نحو الإصلاح والتغيير،.

وإنّ المرجو أو الطموح الحقيقي أن نوسع من دائرة محبي الحسين ومواليه وأن نستقطب عناصر جديدة للانتماء إلى هذه السفينة سواء كانوا من أبناء المذاهب الاخرى أو من غير المسلمين.

آليات إحياء الذكرى أوالشعائرالحسينية

إنّ آليات إحياء ذكرى أهل البيت (عليهم السلام) أو الشعائر الحسينية بحاجة إلى تجميع الطاقات وتكثيف الجهود، وتنسيق الخطط والبرامج،وتنظيم الأعمال وتوزيع المسؤوليات، وبحاجة إلى التشاور بين جميع المعنيين باحياء هذه الشعائر ومنهم:

1- المراجع والفقهاء وطلاّب الحوزة العلمية.

2- الخطباء والشعراء و(الرواديد).

3- مسؤولوا المساجد والحسينيات والمواكب.

4- الكتاب والمؤلفون.

5- الممثلون ومطلق الفنانين.

6- القوى المؤثرة في الواقع الاجتماعي والسياسي كرجال الدولة ان كانت دولة إسلامية، والمعلمين وطلاب الجامعة.

والتشاور ضرورة يفرضها الواقع لكي يتوصل الجميع إلى آليات واحدة مقبولة شرعاً وعرفاً، وهذه الآليات تحددها مجموعة من العوامل أهمها:

1- الشرعية . 2- الظروف العالمية والمحلية. 3- المصلحة الإسلامية العامة. 4- مصلحة المذهب.

وينبغي التركيز على الآليات التي ورد فيها نص بالدرجة الأولى من المعصومين(عليهم السلام) ومن الفقهاء ثم التوجه إلى الآليات المباحة التي تحيي الذكرى أو تقع في طريق احيائها.

فامّا ما ورد به نصّ من قبل المعصومين(عليهم السلام) فكثير جداً ومن أهمه البكاء واظهار الحزن بأي إسلوب أمكن وحياة الأئمة(عليهم السلام) ترشدنا إلى ذلك وخصوصاً حياة الإمام زين العابدين(عليه السلام) الذي عدّ من البكائين، وإقامة المجالس الحسينية، وقراءة المقتل، وإقامة المهرجانات الشعرية، فكان أهل البيت (عليهم السلام) يستأجرون الشعراء لرثاء الإمام الحسين(عليه السلام) أيام موسم الحج.

ومن آليات الإحياء وتعظيم الشعائر زيارة الإمام الحسين(عليه السلام) النظرية والعملية والمتمثلة بقراءة زيارة عاشوراء وزيارة وارث وزيارة القبر الشريف وخصوصاً عن طريق المشي على الاقدام فهي ظاهرة تستحق الأهتمام لانها قد تكون جامعة لجميع الآليات، ففي الطريق إلى الإمام الحسين(عليه السلام) أو احد الأئمة(عليهم السلام) تقام التعازي والمجالس وتلقى القصائد ويرتقي الخطباء المنبر المتجوّل حيث الوعظ والإرشاد والتذكير بالمصيبة ، إضافة إلى لفت الأنظار المحلية والعالمية لهذه الظاهرة التي تمارس بصورة جماعية تحمل فيها الرايات السود ويرتدي فيها المحبون لباس الحزن.

ومن آليات الإحياء تمثيل واقعة الطف وواقعة مقتل مسلم بن عقيل وواقعة السبايا، وياحبذا لو تظافرت الجهود لأحياء هذه الظاهرة التي كانت الوسيلة الوحيدة المؤثرة في الأطفال والأحداث والناشئين،فلها دور كبير في تثقيف المجتمع بثقافة الواقعة وبتفاصيلها التاريخية، وينبغي أن تؤدّى شعبياً ورسمياً.

وهنالك آليات أخرى معمول بها في اوساطنا الاجتماعية كاللطم وضرب (الزنجيل) والمسيرات المتجولة في الشوارع العامة، فلا ينبغي التقليل من شأنها، بل لاينبغي التقليل من شأن أي ظاهرة مادامت مشروعة ومباحة، فلنترك الحرية للجميع في إطار الحدود الشرعية لإحياء الذكرى وتعظيم الشعائر.

ومن آليات إحياء الذكرى وتعظيم الشعائر إقامة الندوات المستطيلة والمستديرة يشترك فيها المحاضر والمتحدث والخطيب مع المستمع والمتلقي، حيث يخصص لكل منهم الوقت الكافي للحديث والتعقيب والحوار وابداء وجهات النظر لنشرك أكبر عدد من ابناء الأمة في إبداء آرائهم حول النهضة الحسينية أو حول الشعائر الحسينية، وفي ذلك يتم تطوير الخطاب والخطيب والشعر والشاعر والموعظة والواعظ بما ينسجم مع تطوير آليات الدعوة للإسلام وآليات الاصلاح واداء مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وينبغي اشراك اكبر عدد من المراجع والفقهاء والعلماء في مثل هذه الندوات او في المجالس الحسينية، وعلى سبيل المثال يتم التناوب على المنبر من قبل الخطيب ذي الصوت الشجي الحزين ومن قبل المرجع او الفقيه، فهذا ينعى ويقرأ الشعر وذلك يرشد ويوجّه أو كلاهما يؤدي الدورين معاً.

واضافة إلى جميع ما تقدم ينبغي إقامة مسابقات تتعلق بتعظيم الشعائر وإحياء الذكرى في كتابة الشعر أو النثر أو القصة أو التأليف في مختلف مجالات إحياء النهضة، وينبغي تكريم المبدعين وتشجيعهم على الابداع في الآليات والأساليب التي تعمق أرتباط الناس بالامام الحسين(عليه السلام) خصوصاً وبمنهج أهل البيت (عليهم السلام) عموماً، فبالتكريم المادي والمعنوي تتوسع آفاق المبدعين وأن كان الثواب والجزاء بالحسنى هو المقدم على ذلك.

وفي جميع الأحوال ينبغي استثمار كل الامكانات والطاقات من أجل إحياء ذكرى أهل البيت (عليهم السلام) وتعظيم الشعائر الحسينية، وليس من الصحيح تجاوز أي إمكانية وأي طاقة في هذا المجال، وليس من الصحيح انتقاد هذه الآلية او تلك او السعي للتقليل من شأنها او تعطيلها.

ولا ننسى أنّ هدف الإمام الحسين(عليه السلام) من حركته ونهضته هو هداية الإنسان والمتمثلة بتغيير محتواه الداخلي في عقله وقلبه وارادته لينسجم مع المنهج الألهي في الحياة التي ارسى اركانها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وائمة أهل البيت (عليهم السلام).

* الحوزة العلمية.

1- المستدرك على الصحيحين 151:3 ، مجمع الزوائد 168:9، الجامع الصغير533:2 .

2- المستدرك 149:3 ، الصواعق المحرقة:234 ، الاتحاف بحب الأشراف: 20 .

3- نهج البلاغة: 357، الخطبة: 329. تحقيق د. صبحي الصالح.

4- نهج البلاغة: 488، الحكمة: 109.

5- مسند أحمد بن حنبل 172:4.

6- الكافي226:2

 

 

 

 

من ذاكرة عاشوراء

مأساة واقعة الطف وقتل الطفل الرضيع

السيد محمد صادق بحر العلوم ـ امريكا

في صباح العاشر من شهر محرم الحرام سنة 61هجرية ، قامت معركة حامية الوطيس في ساحة كربلاء ، بين جيشين : جيش بني هاشم وأصحابهم ، بقيادة الإمام الحسين بن علي عليه السلام ، واهل بيته واصحابه، وعددهم السبعين.. في مقابل جيش بني امية وبقيادة عمر بن سعد، وبعدد أقل الروايات تقول عشرة آلاف مقاتل.

في نهار شديد الحرارة، في الوقت الذي يقف الجيش الاموي مانعاً وصول الماء إلى معسكر الإمام الحسين عليه السلام لاكثر من يوم ، حتى بات جميع من في معسكر الإمام يعاني شدة العطش في حين سلطت اشعة الشمس حرارتها ، فعانى الجميع هذا الاجراء القاسي والهادف إلى الضغط على الإمام الحسين عليه السلام بالتسليم ، والطاعة للحكم الاموي، الذي فقد كل القيم الإنسانية ، وفكره الشاغل ارغام الناس إلى طاعة حكمه ، مهما كلف الأمر.

الإمام الحسين عليه السلام يوضح هدفه من ثورته منذ لحظتها الأولى حين يودع فيها أهل بيته وعشيرته ليترك مدينة جده المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم متوجهاً إلى كربلاء حيث مكان استشهادة قائلاً:

(أني لم أخرج أشراً ، ولا بطراً، ولا مفسداً ، ولا ظالماً ، وانما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي محمد ، اريد أن آمر بالمعروف ، وانهى عن المنكر، واسير بسيرة جدي محمد، وأبي علي بن ابي طالب فمن قبلني بقبول الحق، فالله أولى بالحق ، ومن رد عليّ هذا اصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق ، وهو خير الحاكمين).

هذا هو هدف الإمام الحسين عليه السلام من نهضته، اما العدو الاموي في الشام ، يزيد بن معاوية، والذي اعلن هدفه منذ تسلط على السلطة التي تسلمها بعد التهديد رغم افتقاره التام إلى مقومات تلك السلطة ، حيث وضع امام عينيه ، الحكم هو الغاية الاساسية في نهج الأمويين ، وهذا ما وضح في رسالته إلى واليه في المدينة عندما طلب أن يأخذ البيعة من الحسين عليه السلام وبعض أتباعه من أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، اخذاً شديداً ليس فيه رخصة ، فمن يأبى عليك منهم فأضرب عنقه، وابعث اليّ برأسه).

هدفان، عنف ولا عنف ، سلم ولا سلم، خير وشر ، انه صراع بين توجهين : حياة وموت ، ومبدأ الإمام الحسين عليه السلام ، تخليص أمة الإسلام من حاكم لا يعرف الا نفسه ولعبه ، ومصلح جُل تفكيره أن ينقذ الإنسان من الاستعباد والظلم ، والعيش بكرامة.

ساحة كربلاء يتنافس على أرضها فريقان.. فريق يدعو للحق وهم قلة في عددهم ، وفريق يدعو للباطل وهم كثرة.

يمثل الباطل جيش يزيد بن معاوية الأموي والذي يعلن عن مبادئه قطع المياه عن جيش الإمام الحسين ليموت وكل من معه عطشى ، مبدأ الطغاة ، وصوت الجاهلية البغيض، وبصوت عالٍ ، اقتلوا الحسين وأهل بيته ، وأصحابه، وأبيدوهم حتى الأطفال والنساء، واحرقوا عليهم خيامهم لتصهرهم رمضاء كربلاء، ولنشفي بهم صدورنا ، ولنحصل على جائزة أميرنا الأموي.

و الإمام الحسين عليه السلام وهو الذي يدعو للحق ، ويشهد قتل أهله وأصحابه ، لم يبق له من تلك الصفوة الا ـ طفل رضيع لم يتجاوز الاشهر الستة من طفولته ـ أخذ به الظمأ ، وقد جف لبن أمه من العطش ، حملته أمه إلى ساحة الوغى ، ووضعته في حضن ابيه الحسين ، وهو يعاني سعير الموت من ظمأ ، يخمد على شفاه ذابلة ، وجذوة الطفولة البريئة يغفو شاحباً على وجنتين أتعبهما رهج الموت، وبين أنين جراح الأب المظلوم ، يرفع الإمام الحسين طفله على كفين مجهدتين أمام الجيش الأموي المقاتل ، ويصيح بضعيف صوته، يا اعداء الله ، يا جيش بني أميه إن كان للكبار ذنب تقتلوهم ، فما ذنب هذا الرضيع، خذوه واسقوه جرعة من الماء قبل ان يفارق الحياة!

فيختلف الجيش الأموي فيما بينه ، بعض يوافق وآخر يعترض قائلاً: إن كان الكبار لم يبايعوا يزيداً ! فما ذنب هذا الرضيع؟

وآخر ينادي اقتلوا أهل هذا البيت كبيرهم وصغيرهم لتخلوا الأرض لبني عبد شمس.

ويحملق عمر بن سعد في جيشه واختلافهم فيما بينهم ، وقبل ان يفقد سيطرته يشير إلى احد قواد جيشه وهو حرملة بن كاهلة قائلاً له: حرملة اقطع نزاع القوم واقتل الرضيع ، وعلى فوره سدّد سهماً إلى رقبة الطفل، فذبحه من الوريد الى الوريد ، تاركاً الرضيع يرفرف بين يدي والده الإمام الحسين عليه السلام والدم منفجراً يشخب من وريده ، وما هي الا لحظات وذبل ، وتجمد ، فيحمله الاب المظلوم إلى معسكره، لتراه أمه مذبوحاً، فتصاب بالذعر والذهول.

إن هذه المأساة ـ مأساة الطفل الرضيع ـ لها امتيازها الخاص عن شهداء الطف وهي :

ـ قتل الطفل تمثل غاية القسوة الدموية في الجيش الأموي ، وتؤكد بذلك الحاح هذاالجيش في القضاء على أهل البيت عليهم السلام كبيرهم وصغيرهم وهذا ما يصورلنا خوف الأمويين من أهل البيت عليهم السلام لانهم أحق بالسلطة من غيرهم .

ـ لم يؤثر هذا الموقف في عقيدة الإمام الحسين عليه السلام وهو يرى طفله متضرجاً بدمائه رغم ـ أبوته ـ الا انه عبر عن إثراء كبير للنهضة الحسينية الاصلاحية في تعديل مسار التحرك الاسلامي نحو التصحيح ، فقد كان الكسب الإيجابي متمثلاً بالأتي:

إنه عليه السلام في سبيل نهضته الخالدة ، قدم بكل بطولة القرابين بما فيهم الصغار لتروى بدمائها ارض كربلاء ، لتبقى الذكرى حية على مر الزمن.

وقد كشف عليه السلام بهذا المبدأ التضحوي بربرية الأمويين، وتهالكهم على السلطة، في مقابل تضحيات الإمام الحسين عليه السلام في سبيل الإسلام إيماناً منه لاحياء دين جده المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم .

ومن هذا المنطلق تبقى ثورة الإمام الحسين عليه السلام ـ ابو الأحرار ـ مع التأريخ خالدة ، وتتجدد كلما مر عليها الزمن.

وستبقى تلك النهضة رمزاً للحركات التصحيحية ، ورمزاً للحق ضد الباطل .

فسلام عليك يا أبا الشهداء ، يوم ولدت ،ويوم استشهدت ، ويوم تبعث حيا.