من تخلف عنا لم يبلغ الفتح

يُعدُ الكتاب الذي بعثه الإمام الحسين(ع) إلى بني هاشم بمثابة بيان رسمي أعلن من خلاله هدفه من ثورته المباركة وأوضح توجهات نهضته وموجبات حركته المقدسة، قال في كتابه (بسم الله الرحمن الرحيم: من الحسين بن علي بن أبي طالب إلى بني هاشم، اما بعد: فانّ من لحق بي منكم استشهد، ومن تخلف لم يبلغ الفتح والسلام).
في كلماته الموجزة هذه حدد الإمام الحسين(ع) غايته من ثورته المباركة، وأشار إلى محورين يحددان نتائج ملحمته هذه، الشهادة والفتح، فالشهادة ستكون مصير كل من التحق به وسيكلل ذلك بالفتح والنصر المبين، فأي فتح قصده الإمام ومصير المعركة محسومٌ سلفاً، فالتقابل بين الفريقين لم يصل إلى حد تعادل القوى، وعدم التكافؤ بين الفريقين في العدة والعدد لم يبلغ ما يمكن أن يثير أدنى احتمال على المستوى الميداني من انتصار جيش الإمام الذي يبلغ سبعون مقاتلاً ولا يملك سوى فرسين احدهما للإمام(ع) والآخر لعبد الله المشرقي الذي أخفاه في ناحية من المعركة بعد أن عُقِرت الخيول ابّان بدأ القتال، في مقابل ذلك بلغ الجيش الأموي تعدادا يفوق التصور لمواجهة عدة قليلة من اصحاب الحسين واهل بيته، فقد اجمعت بعض الروايات ان عدة الجيش الأموي بلغ اكثر من ثمانين ألف رجل مزودن بالاسلحة والخيول التي سفوف تحسم المعركة لصالح الأمويين سريعاً.
وبالفعل فقد بدأت المنازلة في جولةٍ خاطفةٍ أولى ذهب ضحيتها خمسين شهيداً من أصحاب الحسين(ع) ولم يبق مع الإمام(ع) الا عشرين رجلاً وهذا يكشف عن ضراوة القتال وسرعة النتائج التي تحددها سويعات من المنازلة السريعة، في خلال هذه الفترة القصيرة كانت الأحداث حاسمة حقاً فقد أبدى الإمام(ع) شجاعة فاقت تصور القيادة الأموية فضلاً عما شهدته هذه المرحلة من تحولات خطيرة في الجانب الاموي، فقد تزلزل موقف الجيش الأموي وبدى على الكثير موقفاً مغايراً الا أن اكثرهم اصروا على تعنتهم وغيهم، وأبدى البعض وهم نماذج مهمة تحولاتهم الحاسمة، فالحر بن يزيد الرياحي انكشفت لديه الحقائق التي اتضحت من خلال خطب الإمام(ع) ومواقفه، وبالمقابل التزم الجيش الأموي موقفاً وحشياً كشف عن نوايا وحقائق نظامه فكلما القى الإمام(ع) حججه الواضحة وأماط النقاب عن حقائق النظام الأموي وعرض عليهم كتاب الله وسنة نبيه، ازداد الموقف الأموي تعنتاً واصراراً على سفك الدماء وعدم قبول أي احتمال بديل من شأنه أن يُغيّر موقف الحرب إلى سلام وقعقعة السيوف إلى لغة حوار، فقد أعلن الحر بن يزيد الرياحي عن موقفه الشجاع بالانضمام إلى الحسين(ع) وترك ماهو عليه من القيادة والشأن السياسي الخطير الذي يشغله لدى الأمويين وقتذاك وتتابعت التحولات لدى بعض أفراد الجيش الأموي ملتحقين بالإمام(ع) بعدما شاهدوا التباين بين موقفي الإمام(ع) السلمي الداعي إلى كتاب الله وسنة رسوله، وبين موقف النظام الأموي المتشنج الذي لا يعرف الا الطاعة لأسياده على حساب المبادئ والقيم الإسلامية، ولم يقتصر الموقف على هذا بل أبدى الإمام(ع) وأصحابه بسالة رائعة دفع من خلالها عمرو بن الحجاج وهو أحد قادة الجيش الأموي أن يشهد للحسين(ع) ولأصحابه هذا الموقف الباسل بقوله: أتدرون من تقاتلون؟ تقاتلون فرسان المصر وأهل البصائر، قوماً مستميتين لا يبرز إليهم أحد منكم الا قتلوه على قلتهم، والله لو لم ترموهم الا بالحجارة لقتلتموهم. تاريخ الطبري6: 247 وقيل لرجل شهد الطف مع ابن سعد: ويحك أقتلتم ذرية الرسول؟ فقال عضضت بالجندل انك لو شهدت ما شهدنا لفعلت ما فعلنا، ثارت علينا عصابة أيديها على مقابض سيوفها كالأسود الضارية تحطم الفرسان يميناً وشمالاً تلقي نفسها على الموت لا تقبل الأمان ولا ترغب بالمال ولا يحول حائل بينها وبين المنية أو الاستيلاء على الملك، فلو كففنا عنها رويداً لأتت على نفوس العسكر بحذافيرها فما كنا فاعلين لا أمّ لك. شرح النهج لابن أبي الحديد1: 307. هذه الصور والمواقف تعكس لنا حالات الثبات والاصرار على النهج الذي انتهجه الحسين واصحابه وحازوا على الفتح المتمثل بخلودهم وخلود مبادئهم الرائعة.
من هنا أمكن للإمام السجاد(ع) أن يجيب ابراهيم بن طلحة بن عبيد الله على سؤاله حينما سأله من الغالب؟ فأجابه الإمام(ع): اذا دخل وقت الصلاة فأذن وأقم تعرف الغالب.
مما يكشف لنا جلياً ان نهضة الإمام تكللت بالنصر وحصلت على الفتح العاجل الذي أمكن من خلاله الابقاء على الرسالة سالمة معافاة دون أن يمسها الخرق الأموي السافر الذي سعى إلى تغيير القيم الإسلامية ومبادئها.
كما أن السيدة زينب بنت علي عليهما السلام قد أعلنت عن هذا الفتح في مجلس يزيد حينما أبلغته ببقاء رسالة جدها سالمة ولم يستطع هو وأمثاله أن يمحو ذكرهم ويميت وحيهم فهو لم يقتل الحسين(ع) بل قتل نفسه، ولم يدع لأية محاولة أموية تتحقق في ظل كشف الحقائق وتوعية الأمة فقالت: (فكد كيدك واسع سعيك وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا ولا تدرك أمرنا ولا يرحض عنك عارها وشنارها). فثورة الحسين(ع) زلزلت قواعد الظلم اينما كان وكيفما يكون، فهي منهجية الثورة لكل المظلومين دون الاقتصار على المسلمين وحدهم، بل الآخذ بالنهج الحسيني في رفض الظلم والذل والاضطهاد سوف ينتصر حتما، فقد شهد بذلك غاندي محرر الهند فقال: تعلمتُ من الحسين كيف أكون مظلوماً فأنتصر. هذا هو الفتح الموعود الذي وعد به الحسين اصحابه وأهل بيته وأتباعه، والذي نريد قولـه أن الخطاب الذي وجهه الحسين(ع) إلى بني هاشم هي رسالة مفتوحة إلى الجميع تمتد بامتداد الزمن والاجيال، وهي رسالة موجهة لنا نحن أتباعه، فالالتحاق بهم في منهجهم ورسالتهم سوف يضمن لنا الفتح، وهو غير مقتصر على مورد دون مورد وزمان دون آخر، فالفتح هذا سيكون فتحاً في كل المجالات على النفس والهوى وكل الشهوات، بل هو فتح لآفاق الحياة وسبل النصر وتحقيق السلام.
هذا هو الفتح الذي قصده الإمام عليه السلام وأوعد أهله وشيعته به، وفي الوقت نفسه أعلن الإمام(ع) الدعوة إلى رفض كل السبل التي لم توصل إلى منهجهم والانتماء اليهم، فالانتماء إلى أهل البيت(ع) يضمن الفتح العاجل والخلود الآجل، فان من تخلّف عنهم لم يبلغ الفتح.

رئيس التحرير