رؤية نقدية أدبية
واقعة الطف في القصة والرواية العراقية
مهدي الحسناوي
لقد تناولت القصة والرواية العربية واقعة الطف بأسلوب حداثوي تراجيدي مميز،
فالرمز والأسطورة هما ثنائية الدم الحسيني المقدس، أما الثورية والرفض فهما المحور
الرئيسي لواقعة الطف.
كما وأثرت ثورة الحسين تأثيراً إيجابياً ليس فقط في نفوس المسلمين، وانما في جميع
المذاهب والاديان الاخرى، وفي هذا المقال أو الدراسة نسلط الضوء على ما قاله
الروائيون والقصاصون العراقيون في الثورة الحسينية، فهذا القاص العراقي
المعروف(محمد خضير) يتناول في مجموعته القصصية(المملكة السوداء) واقعة الطف من خلال
قصته (الشفيع).
لقد صوّر الكاتب المبدع القوافل ، والمواكب الحسينية والتي تنطلق من مدن الجنوب
بصور خيالية ومشاهد إبداعية متميزة، تحس حين تقرأها بأنك امام تلك الأيام، ويغور
خيالك فوق تلك البقعة المقدسة(كربلاء).
اما رواية (كمال السيد) (ألم ذلك .. الحسين) فهي قراءة او كتابة للمقتل الحسيني
بصورة أدبية ورؤى جذابة، لقد كثف هذا الروائي خياله الشعري ولغته المموسقة في نتاجه
الأدبي مما اعطاه سمة التأليف الفني، لذلك تعتبر هذه الرواية نتاج أدبي عراقي يضاف
إلى ادب المهجر.
بينما يتناول الشاعر والقاص (مختار سعيد) واقعة الطف في قصة (الذبيح) بأسلوب أدبي
فيقول مختار(يجب أن نقطع أوصاله كي نفوز بجائزة الخساسة الراقدة في خزائن الملك،
يجب أن نفعل ذلك قبل أن يفقد ذلك الجسد بريقه وطهارته الضوئية، انهم يعرفونه بتلك
الصفات الظاهرة، ليتهم لن يعرفوه لكانوا جبناء يرتدون الهروب من الميادين القلقة
لكنهم بهذه الهيئة تحولوا إلى انذال وجهلة، لا يدركون فعلتهم تلك قاطعهُ اخر.
_كلا، علينا أن نحتفظ برأسه فقط، لعله ذلك المجد المزيف الذي سيلاحقنا حتى في
قبورنا.
ـ ثم رادف ثالثاً: لا تفعلوا بالرجل مثل ما أرتايتم ، لا تمثلو به، علينا أن نقتله
فقط لأنه لن ينفذ أوامر الملك، بل خرج عن موازين طاعته.
فجأة ركله أحدهم وهو يضع قدمه النجسة على شفاه القديس، الذي كان منبطحاً على الأرض،
وهو يلفظ انفاسه المتقطعة بصورة بالغة ، لكنه لا يبخل بوصاياه لهم حتى في اللحظات
القاسية، غير أن الشقي أراد أن يقطع نزاع الوحوش، فجثا على صدره، قاطعاً رأسه
بسكينه النذالة).
ثم يختم مختار سعيد قصته حيث يقول:
(تدفقت الدماء، ترتفع مع عويل مبهم إلى ناحية السماء، واحترقت بقية الالوان برياح
سوداء، قادمة من كل جهات ، وظل صوت يدوي في كل بقعةٍ من صحراء الجريمة:( لن تذوقوا
الشرف بعد هذه للحظة).
لكن المأساة وعلامات الندم بدأت تطفح على وجوه الوحوش ، وهم يسيرون مطأطئي الرؤوس
إلى باحة سجن الملك، جزاء فعلتهم هذه، لقد فقدوا الجائزة ونالوا بدلها المزيد من
القيود، لقد إندثروا كلياً، إلا من جانب اللعنة، أما هو لازال ذلك الذبيح الخالد،
الرمز والثورة، بعد أن أصبحت دماؤه شجرة تورق احراراً يولدون من رحم المأساة).
هكذا هي واقعة كربلاء فهي (الثورة ، التحدي، التضحية، الشهادة) وهي كذلك الموقف
المشرف بكلمة الحق ، امام الطواغيت وعدم مبايعة الظلمة، هذا الشيء هي السمة الطافحة
في معظم كتابات ونتاجات الادباء العراقيين بحق مسيرة الحسين.
وهذا القاص (عبد المجيد فرج الله) يتناول الثورة الحسينية وابطالها في مجموعته
القصصية (عودة الشمس) بأسلوب البكائية الحادة وفضح تعسف وظلم الجهلة، بحيث يسلط عبد
المجيد الضوء على شخصيات واقعة كربلاء وكأنه يستقريء هذه المسيرة مرة أخرى، وهذا
مانراه في قصة (والتحق بركب النهار) متناولاً شخصية الحر بن يزيد الرياحي حيث يقول:
في محراب الضراعة والتربة، إنحنى نادماً باكياً معتذراً من غفلته المهزومة، حينما
ظن أن بإمكانه ان يحاصر الشمس... لمسته اشعة دافئة منها، فنهض مستأذناً ليقاتل على
ضوئها هذه الحشرات الغبية، التي لا تستحق العيش في النهار، إستطاع أن يسحق منها
أعدادا كثيرة جداً، لكن اعداد أخرى استطاعت ان تمزق جسده باسنانها السامة.
إلتفت إلى نور الشمس مسلّماً ، فأرسل إليه اشعة دافئة حانية ومنحه جناحين ليطير
بهما في سماء الحرية، وهو يهمس في قلبه، أنت كما سمتك أمك.. حر في الدنيا وسعيد في
الاخرة نستنتج من هذه الدراسة أن ملحمة الحسين هي النهج الثوري بكل أبعاده، وأن
ماكتبه الادباء العراقيون ماهو الا تفاعل حقيقي مع هذه الثورة، ومهما حاول الطغاة
أن يبعدوا الاجيال عن هذا المسلك، وينسوهم حقيقة المسيرة الحسينية، فلن يستطيعوا
ذلك، ولا تموت امة او شعب يغلي في داخله الدم الحسيني،وماكثرة السجون والمعتقلات في
بلاد الرافدين، وازدياد حالات الاعدامات المستمرة وكذلك الهجرة الواسعة،والمطاردة
ومصادرة الاموال،ماهي الا شهادات واقعية على تمسك الأمة بهذا الخط الرسالي
الخالد،فثورة الحسين هي صرخة كل المحرومين والثوارعلى مر التسأريخ.
قصة قصيرة
بكائية الزمن الطويل
صلاح الناصر
(1)
كانت تقرأ آيات
الكتاب القدسي بصوت خافت، عندما ناداها أخاها وأخبرها لتتهيء للرحيل فوقعت صامتة
لهذا الشيء، لأنها سوف تفارق مدينتها الجميلة، ولكنها طأطأت رأسها بالقبول لهذا
الأمر رغم مآسي وآلام الغربة التي سوف تواجهها في طريقها وبدأت تهيأ مستلزمات السفر
السريع إستجابة وطاعة لأوامر أخيها الأكبر، الأطفال لا يفهمون عما يجري لرحلتهم هذه
ويتسائلون بهمس..
هل هي رحلة لزيارة قبر جدنا هناك، أم الإنتقال إلى وطن آخر!
اذان المدينة يدوي في اصقاعها، مما يقطع حركتها فتقف عند باحة الدار خاشعة مستسلمة
لاداء فريضتي العبادة بين يدي الخالق، بعد ما توضأت بقطرات ماء من الكوز الفخاري
الصغير، وقد انهالت القطرات كهالات قدسية فوق وجهها الملائكي، الذي يفوح بالعفة
والايمان ، لحظات منقطعة النظير بالتسبيح والدعاء تذهل الأخريات في بيتها المتواضع
، الركوع والسجود فوق سجادة بسيطة ورثتها عن ابيها، طرقات الباب تتوالى كل صباح وكل
يوم وفي المساء، فقراء، متسولون يقصدون بيتها المتواضع البسيط ، فتنهض مسرعة برحابة
صدر تقدم مالديها من مالٍ وكميات من التمر، إلى الايادي التي تقف وراء بابها
الخشبي، الحقيقة والكبرياء ، العظمة النقاء، مفردات النور امتزجت في صفات شخصيتها،
زمن مبهم ينتظرها ، ينتظر مجيئها ، يراود ذاكرتها، يرسم فوق وجنتها بكائية التأريخ
الطويل.
(2)
القافلة تتهيأ برجالها وخيولها ونسائها، أما هي تلفت إلى الوراء تلقي نظرة تأملية على بيتها ومدينتها وتذرف دمعتي وداع ساخنة فوق وجنتيها صياح البط يتعالى كنعيب الغراب، حينما تحركت القافلة، وكأنه ينبيء الراحلين بأمرها الصحراء القاحلة، العواصف الرملية، حرارة الصيف أشياء تقف كحواجز على جانبي الطريق الوعر، ولا بد من اجتيازه للوصول إلى نقطة البداية الايام تتوالى بساعاتها والنهار يشهد لحظات المسير الطويل، أما الليل فهو الرقاد فوق الرمال الجرداء، بعدما تودع الشمس قرصها الأخير ، الجميع يغمضون من متاعب السفر، والصمت يلف الصحراء، الا انها يقظة لا تنام الا بعد أن تتفقد الاطفال جميعهم، بعدها تقوم بين يدي المعبود لكي تصلي ركعتين، ثم تستلقي بجسدها المنهك وتحدق في السماء، النجوم المتناثرة تحيط بالقمر المضيء، وكأنها لوحة فنية ساحرة، تذهلها حتى البكاء.
(3)
يوم تودعه القافلة
واخر تستقبله صوب أرض ما بين نهران سماويان كأنهما سيفين فضيين، ويحملان في قرارة
قاعهما حضارة هذه البلاد وبكائية الزمن الطويل، الظلام والنور، الصمت والثورة،
الفناء والخلود، مفردات الصراع الابدي ترتسم في كل خطوةٍ من خطواتها ومسيرتها
اللامتناهية، فتبدو الصحراء بحر كبير متلاطم الامواج الرملية، وسفائنه الغريبة،
وصمته المبهم، الليل والنهار يتعاقب عليها، ومقصدها يقترب شيئا فشيئا، بيارق
القافلة الملونة تلوح من بعيد، وكأنها لافتات الغد المجهول، اما صهيل الخيل فيشق
هدير الصحراء القاحلة، وسيدة القافلة لازالت ترى بوابات البلاد البعيدة والتي بدأت
تلوح معالمها في الافق القريب.
تصل القافلة بعد ليال وايام إلى مقصدها الأخير، مدينة غريبة بنخيلها وبيوتها
وفراتها، تطوقها الاف الجند من جميع الجهات، قلق يراودها عما يجري لهذا الامر،
جعلتها في حيرة أمام اسئلة الأطفال والنساء ، ولكنها تشكو أمرها لاخيها الاكبر...
_ اخي لماذا يطوق هذا العسكر مخيمننا، واين هو سفرنا لهذه البلاد؟
_ انها ارض كربلاء يا زينب كما وعدنا جدنا ، فأصبري يا أختاه وكل شيء سوف ينتهي
غداً، إلا صداكِ فان سوف يجوب البلدان ويهز اركان الطواغيت .
هنا طأطأت رأسها باكية لهذا اليوم الموعود ، وبدأت تهيأ نفسها لبكائية الزمن
الطويل.
الرمز الحسيني في الشعر العربي المعاصر
صلاح جبار
الشعور هو ذلك الفن الاول في المنظومة الأدبية ، ويعتبر تراث العرب الثقافي
وفخرهم الابداعي، والشعور لغة خاصة يبلغها الشاعر بالبحث والتأني والاختيار،ئ وفيه
بالنسبة له الهدف والوسيلة، وسيلة الرؤية والقابلية على الاستحضار بشكل تتفجر معه
المفردات موحية مثيرة مدهشة، تحمل تراثاً ضخماً من الطاقات الشعورية والتعبيرية
نتيجة لتوفقها على اللغة العادية بما تمتلك من روابط وعلاقات شعرية متداخلة منحتها
خصوصية الإيحاء.
وبعد هذه المقدمة وفي هذه الدراسة النقدية نسلط الضوء على الرمز الحسيني في الشعر
العربي المعاصر، ولما لواقعة الطف من أثر فعال على الانسانية جمعاء بحيث جعلت
الكثير من المبدعين الأدباء والكتاب والمفكرين والقادة العالميين يتأثرون
بشخصية(الحسين) وبجوانبها المختلفة الثورة، الرفض، المظلومية ، الموقف الخالد فهذا
محرر الهند (المهاتما غاندي) ومقولته الشهيرة(تعلمتُ من الحسين كيف أكون مظلوماً
فأنتصر) بينما نرى المفكر الألماني(نتيشة): (لو كان الحسين لنا لوضعنا له في كل
شارع تمثالاً) اما الشعراء العرب القدامى امثال(دعبل الخزاعي) او المعاصرين فقد
اتخذوا من واقعة الطف ومن الرمز الكربلائي موقفا نهضوياً يعالجون من خلاله مشاكل
الأمة.
وحينما استقرت الرماح
في حشاشة الحسين
رأيت كل وردة تنام
عند كتف الحسين
رأيتُ كل حجر يبكي على الحسين
رأيت كل نهر يسير
في جنازة الحسين
ان الرمز الحسيني يمتد فوق الزمان بنبضاته الخلاقية، فهو تجسيد لصراع الحق مع الباطل، هذا الصراع الذي لا ينتهي ولا يحسم الا بنهاية انتظارنا بمقدم وارث الخط الألهي(عج) ولأن المأساة الحسينية لم تشفي غليلها بعد، فلابد للانفعالات والعواطف والمحبة الموالية أن ترفد الجانب الوجداني للولاء، بنتاجاتها التي تستوحي من الملحمة العظيمة كل محرك للضمائر، ومهيج للهمم ومدرء للدموع العاشقة كما في قصيدة الشاعر العراقي الراحل مصطفى جمال الدين:
ذكراك، تنطفيء السنين وتغربُ ولها على كتف الخلود
تلهبُ
لا الظلم يلوي من طماح ظرامها أبداً ولا حقد الضمائر يحجبُ
ذكرى البطولة ليلهـا كنهارها صاح تؤج به الدماء
وتلهبُ
ذكرى العقيدة لم ينوء متن لها بالحادثات، ولم يخنها
منكبُ
وبغض النظر عن الأراجيز والمقطوعات التي زامنت الأحداث والفجائع في طراوة وقوعها فقد أغفى الشعر شأنه شأن الأنشطة الاخرى عن الحقائق التي تجلت في ارض كربلاء وطالت الأغفاءة لتتفجر فيما بعد عواطف فياضة بالولاء وانفعالات منصهرة بالحب، ومشاعر ذائبة بالمسيرة الحسينية التي تنبض عشقاً وديمومة فهذا الشاعر الحجازي (نزار سنبل) نراه كيف يتناول الرمز الكربلائي بلغةٍ مغايرة، اذ يقول في قصيدة(دموع على رمال الطف).
ماكربلاؤك بقعــة محمومــة هـدأت تغـظ الراحـة
وسباتِ
هي قلبنا الواري الــذي بلهيبه ما أنفك يرسلُ في
المدى الجمراتِ
هي برجنا العاجي الذي بشموخهِ نطأ النجوم منى مـن
الغايـاتِ
لقد اصبح الرمز الكربلائي في الزمن المعاصر انشودة ثورية ترددها الشعوب الضامئة إلى لون الحرية والعقيدة الإسلامية ، فالحسين لم يقف فترة زمنية عابرة، وانما موقفاً خالداً ، وهذا الشيء يراود الشاعر العراقي (جواد جميل) في مجموعته الشعرية (للحسين ..لغة ثانية)، وكأنه يستقريء التأريخ بلغة شعرية مرهفة اذ يقول في قصيدة (الرؤى) :
لم نكن نسمع ما قال
ولكنا رأينا قمراً غادر كفيه.. ونورس
ورأيته ظله الاخضر
منقوشاً على الرمل المدمى
ورأينا بين عينيه صلاةٌ تتيبس
نستنتج من هذا
الموضوع بأن الرمز الحسيني الكربلائي ببكائيته الحادة يشكل هماً بارزاً من هموم
الشعر العربي المعاصر، وأن المدرسة اثرت تأثيراً أيجابياً في مسيرة الشعوب
الإسلامية والعالمية مما جعل الشعراء والادباء يتناولون(الحسين) كرمز تأريخي في
أغلب نتاجاتهم كما في المسرحية الشعرية الشهيرة( الحسين ـ ثائراً) للشاعر المصري
عبد الرحمن الشرقاوي والتي تناول فيها واقعة الطف برؤى حداثوية وأسلوب حواري، تجعل
المتلقي يقف امام حقيقة الصراع بين معسكر الحق والباطل ، واخيراً ان رمزية الحسين
هي صرخة مدوية تطلقها الاجيال القادمة بوجه طواغيت الأرض.
من لافتات احمد مطر
الاختيار
أنني لست لحزبٍ او جماعة
أنني لست لتيارٍ شعاراً
او لدكانٍ بضاعة
أنني الموجة تعلوا حرةً
ما بين بين
وتقتضي نحبها دوماً
لكي تروى رمال الضفتين
وأنا الغيمة للأرض جميعاً
وأنا الروح المشاعة
غير أني في زمان الفرز
أنحاز إلى الفوز
فإن خيرت ما بين اثنتين
أن أغني مترفاً عند يزيد
أو أصلي جائعاً خلف الحسين
سأصلي جائعا خلف الحسين
***
لست أهتم بمن كان معي
او كان ضدي
لست أهتم بمن أترك بعدي
لست أهتم بمن يبكي دموعاً
او بمن يبكي دماء
ليس عندي غير همٍ واحدٍ
ان اسبق الموت إلى العيش
فاغدوا من ضحايا كربلاء
هي الجراح
مهدي حسن مهدي
بين عينيك
أرتدى التأريخ
ملحمة الاباء
ومن صدى رفضك
يولد الفجر الندي
ويبتسم الضياء
ياقبة المجد الشموخ
وبيرق الثوار
ومئذنة البلد المباح
هي الجراح
تؤطر الزمن الخؤون
وترسم الرفض المعتق
بالفداء
مازالت تسكن في القلوب
رؤى وواحة كبرياء
وتجوب افواه اليتامى
انشودة
تشق ابواب السماء
هي الجراح
تؤرق الاحرار
الانهار
وورد الياسمين
وتعانق صدا السيوف
وتنحني للجسد
المطرز بالدماء
علمتني لغة تهز اركان الطغاة
وأوقدت فيَّ ثورة
الاجيال
اوراق الاباة
ياأيها الجبل الاشم
علّمتَ هذا الكون
معنى الصبر
العشق
الوان الحياة
يارمز فاطمة أعتلى
فوق البلاد منارة
ووجهاً للفرات
قصة قصيرة
الفارس وقبضة الحرف
مهدي الحسناوي
يجرب معثراً بلوعته حينما يرى الجميع صرعى في ساحة المعركة نساء باكيات، أطفال ضمأى خيام تحترق، انها مشاهد من ذلك اليوم الصيفي، اما آباه لازال ذلك الفارس الاحضر الذي يشق القوم متخيلاً مهرته البيضاء ومرتدياً بعاءة جده المنقذ.
الاعداء مذهولون بشجاعته وصبره ويتناثرون أمامة كالجرذان الخائفة لكنه لا يبخل عنهم بنصائحه وحكمه رغم قساوة قلوبهم التحجرة ، ويحذرهم من يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، بينما هو لا يستطيع الحركة، ويراقب الموقف بكل حذر من احدى بوابات الخيام، لاتفصله عن حوافر الخيل إلا مسافات ليست بعيدة قرقعة السيوف، صراخ الصولات ، صهيل الخيل، اصوات ترمز إلى الصراع بين الحقيقة والزيف، أولاد ابيه يتساقطون الواحد تلو الاخر يلتفت يميناً ويساراً لا يرى إلا عمه صاحب البيرق يتمتم بكلمات مبهمة وحروف الهية يكفكف دموعة بكبرياء وصلابة الرجال ، وكأنه جبل شامخ ، الشمس منتصف النهار، وما هي الا ساعات قليلة ويلحقون بركب قوافل الاحياء ، الذل والتحدي، الفناء والابدية، الضياع والخلود، المسخ والتقوى، مضادات بيانية لجبهتي الحرب، يتقدم عمه للقاء الاخير، لكنه يستجيب لسيدة القافلة بطلب الماء للاطفال الصغار، وبينما هو آت من ضفة النهر بتوسط الكثافة النخيل ترميه اصحاب القلوب العفنة بسهام الغدر فتثقب قربته وصدره وعيناه يخر صريعاً، ينهض سيد السبايا متوكأ بقبضة سيفه إلا أن صدى الفارس الاخضر ينبه السيدة أن الفجر ألاتي قادماً لا محال.
ـ احبسيه لأن الارض لا تخلو من رواد الحقيقة.
فجاءة يضج القوم ويدوي نبأ تهتز له عاصفة رملية تغطي وجوه الاعداء الكالحة والتي أنبهرت وخدعتهم جائزة الخساسة ، بعدما باحو دم الفارس الأخضر ، هنا يسير سيد السبايا بركب ما تبقى من القافلة إلى بلاد السلطان، الصحراء القاحلة ، العطش الصيفي ، ما يراودهم اثناء التجول ، يصلون إلى تلك البقعة تتقدمهم الرؤوس كاللافتات الجميع انبهروا بذلك الموكب الجنائزي (المشهد تراجيدي واقعي(، لكنهم لا يعرفوهم هل هم خوارج أو من بلاى فارس أم نصارى أم روميون ، يتقدم احد المارة منهم يسأل سيد السبايا:
من أي بلاى انتم؟
ـ نحن من بيت كان مهبطاً ومأوى لسفير السماء.
هنا ينكب ذلك الشيخ باكياً معتذراً وممرغاً بكفهِ اليمنى قدمي سيد السبايا لانه أحس بخطيئة وعظمة الفاجعة والتي لازال صداها يرن في أذان الاجيال الاتية.