الخيارات التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الخامسالكلام في القبض
الكلام في النقد والنسيئة  
الكلام في مفهوم القبض وأحكامه

قد ذكروا للقبض معان متعدّدة وقالوا إنه عبارة عن التحويل والنقل .

وعن آخر أنّ معناه التخلية .

وعن ثالث التفصيل بين المنقول وغير المنقول . وربما يظهر من كلمات شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) أنّ القبض بمعنى التخلية في غير المنقول بالاجماع .

وعن رابع التفصيل بين الحيوان وغيره وفي الحيوان بين العبد وغيره ، إلى غير ذلك من التفاصيل التي تعرّض لها شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1).

والظاهر أنّ القبض ليست له حقيقة شرعية ولا حقيقة متشرّعية وإنما هو باق على معناه العرفي ، ولم يستعمل في لسان الشارع أو المتشرّعين في معنى خاص غيره  ، ومعناه العرفي واضح ، ولا يكاد يلتبس على أحد من أهل العرف والعرب ولا على غيرهم فيما يرادف القبض من سائر اللغات ، وهو عبارة عن الأخذ باليد أو الأخذ على نحو الاطلاق وعن الاستيلاء على الشيء وكونه تحت يده واختياره . وبعبارة اُخرى القبض هو ما يتحقّق به الغصب وهذا هو معناه العرفي وهو واحد
ولكنّه يختلف باختلاف موارده ومحقّقاته ، فقبض كلّ شيء بحسبه ، فقبض الدراهم عبارة عن أخذها باليد التي هي عضو مخصوص ، أو عبارة عن جعله في صندوق كما

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المكاسب 6 : 241 ـ 243 .
ــ[287]ــ

إذا قال للمشتري ضع الثمن في صندوقي ، كما أنّ قبض الدار عبارة عن الاستيلاء عليها لأنّها لا يمكن أن تقع في اليد التي هي عضو خاص . وقبض الفرس وغيره من الحيوانات الكبيرة بالتسلّط عليه ولو بأخذ لجامه أو بركوبه على ظهره وهكذا .

والمتحصّل : أنّ قبض كل شيء بحسبه ومعناه واحد والاختلاف في الموارد والمحقّقات ، وعليه ففي كل مورد ورد فيه لفظ القبض نحمله على هذا المعنى العرفي ما لم يقم دليل على إرادة معنى آخر منه .

وربما يرد في لسان الدليل عنوان القبض وتقوم القرينة على إرادة معنى آخر منه غير معناه العرفي بحيث يكون إطلاق القبض عليه مبنيّاً على ضرب من المسامحة  ، وهذا كما ورد من وجوب إقباض المبيع على البائع ووجوب إقباض الثمن على المشتري أو وجوب تسليمه ، فإنّ المراد بالاقباض فيهما لا يمكن أن يكون هو المعنى العرفي أي جعل المبيع مقبوضاً للمشتري ، فإنّ القبض فعل للمشتري وأمر خارج عن تحت قدرة البائع فكيف يكلّف البائع على ما لا يقدر عليه ، وكذلك الحال في طرف المشتري ، فمنه يعلم أنّ المراد بالاقباض والتسليم في مثلهما هو التخلية بين المال ومالكه ورفع الموانع عن أخذه لا جعله مقبوضاً للطرف كما هو ظاهر النبوي (صلّى الله عليه وآله) « على اليد ما أخذت حتى تؤدّيه »(1) فإنه ظاهر في وجوب الأداء المتوقّف على قبض المالك ، فإنّ التأدية في الخارج لا تحصل إلاّ به ، إلاّ أنه كما مرّ في محلّه ضعيف فلابدّ من حمله أيضاً على التخلية .

ويمكن أن يقال : إنّ المراد بالتأدية في الرواية أيضاً ما ذكرناه ، فإنّ تأدية الغاصب ليست إلاّ التخلية ورفع سلطنته عن مال غيره ، فإنّ تأدية كل شخص

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المستدرك 14 : 8 / كتاب الوديعة ب1 ح12 .
ــ[288]ــ

بحسبه وسيأتي تحقيق حال المسألة في محلّها إن شاء الله تعالى .

وربما يرد عنوان القبض في لسان الدليل ويتردّد بين المعنيين ويشك في أنه بمعنى التخلية أو بمعنى القبض العرفي وهذا كما في ضمان المبيع على بائعه ما لم يقبضه من المشتري فإنه يتردّد في مثله في أنّ الضمان هل يرتفع عن البائع بمجرد التخلية بين المبيع والمشتري وعن المشتري بمجرد تخليته بين الثمن والبائع ، أو لا يرتفع حتى يحصل القبض في الخارج ، وسيأتي تحقيق هذه المسألة أيضاً في محلّها .

ولكن شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) أشار في المقام إلى تلك المسألة وأفاد : أنّا إن استفدنا في الحكم بالضمان على النبوي (صلّى الله عليه وآله) أعني قوله « كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه »(1) فلابدّ من إرادة المعنى الأول منه وهو اعتبار قبض المشتري في ارتفاع الضمان عن البائع .

كما أنّا إن استندنا إلى رواية عقبة بن خالد(2) « حتى يقبض المتاع ويخرجه من بيته » فلابدّ من إرادة المعنى الثاني وهو كفاية مجرد التخلية في ارتفاع الضمان ، وذلك لأنّ قوله « حتى يقبض » وإن كان ظاهراً في قبض المشتري إلاّ أنّ تعقيبه بقوله « ويخرجه من بيته » بعد الاتّفاق على عدم اعتبار الاخراج من البيت في ارتفاع الضمان لا عند الشيعة ولا عند السنّة ، وتعيّن حمله على الكناية عن رفع السلطنة عن المال ورفع الموانع عن قبض مالكه ، يكون قرينة على إرادة التخلية من القبض ، وتحقيق هذه المسألة يأتي في محلّها إن شاء الله تعالى .

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المستدرك 13 : 303 / أبواب الخيار ب9 ح1 .
(2) الوسائل 18 : 23 / أبواب الخيار ب10 ح1 .
ــ[289]ــ

ثم إنّ شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) تعرّض في المقام لمسألة اُخرى وهي ما تقدّم في محلّه(1) من أنّ بيع المكيل والموزون بعد شرائهما لا يجوز قبل قبضهما ، كما أنه اشتملت الأخبار على النهي عن بيع المكيل والموزون بعد شرائهما من دون كيله أو وزنه ثانياً إمّا على نحو الكراهة وإمّا على نحو الحرمة فيما إذا باعهما بغير بيع التولية أعني البيع بلا مرابحة وإيكال البيع إلى المشتري ، وأمّا إذا باعهما بالتولية فلا مانع من بيعهما بلا كيل أو وزن ، ووقع الخلاف على ما في المسالك(2) في أنّ المعتبر والرافع للنهي في بيع المكيل والموزون هل هو أمران أحدهما القبض والآخر كيله ووزنه ثانياً ، أو أنّ المعتبر والرافع للكراهة أو الحرمة شيء واحد وهو كيله أو وزنه فالقبض فيهما بمعنى الكيل والوزن ، وسيأتي تحقيق هذه المسألة أيضاً في محلّها كما مرّ ذكر منها في بيع المكيل والموزون .

وكيف كان ، فهاتان المسألتان اللتان تعرّض لهما شيخنا الأنصاري في المقام غير مربوطتين بتحقيق مفهوم القبض كما هو ظاهر فإنّهما مسألتان اختلافيتان لابدّ من التعرّض لهما في محلّهما ، وقد عرفت مفهوم القبض عرفاً ، وعليه يحمل القبض في كل مورد ورد فيه كما في البيع والهبة والرهن والصرف والوقف ونحوها حتى يقوم دليل على إرادة معنى آخر منه .

الكلام في وجوب التسليم على المتبايعين

لا ينبغي الإشكال في وجوب التسليم على كل واحد من المتعاملين عند

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ] لم نعثر عليه في مظانه [ .
(2) المسالك 3 : 243 .
ــ[290]ــ

تسليم الآخر كما لم يستشكل فيه أحد وهو ممّا لا كلام فيه ، وإنّما الإشكال والكلام فيما إذا امتنعا عن التسليم فهناك وجوه وأقوال :

فعن الأردبيلي (قدّس سرّه)(1): أنّ التسليم واجب عيني على كل منهما بلا اشتراط ، فإذا فرضنا أنّ أحدهما عصى لهذا الواجب الشرعي فعصيانه لا يرخّص في عصيان الآخر لتكليفه كما هو ظاهر ، فيجب على كل منهما البذل والتسليم وإن امتنع الآخر عن ذلك .

وذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(2) أنّهما يجبران على التسليم حينئذ فإنه واجب على كل منهما وحيث امتنعا عمّا وجب في حقّهما فيجبرهما الحاكم عليه .

وعن ثالث : أنّ التسليم واجب على البائع ابتداءً وبعده يجب على المشتري لأنّ الثمن عوض والعوض متأخّر عن المعوّض لا محالة .

ولكن الانصاف عدم إمكان المساعدة على شيء من هذه الأقوال .

أمّا ما ذهب إليه الأردبيلي (قدّس سرّه) فلأجل أنّ التسليم غير واجب على كل واحد من المتعاملين على وجه الاطلاق ، ولم يجر عمل العقلاء على تكليف كل من المتعاملين بالتسليم ودفع ماله إلى الآخر وإن لم يسلّمه الآخر عوضه ولا يسلّمه أيضاً إلى الأبد لعصيان ونحوه ، بل معاملاتهم مبنية على وجوب التسليم على كل منهما عند تسليم الآخر وإعطائه ، فقد اشترط التسليم عند تسليم الآخر في ضمن معاملاتهم فلا يجب إلاّ عند تسليم الآخر . نعم الملكية تحصل بمجرد المعاملة ولكن لا يجب على كل منهما تسليم ما عنده إلى الآخر ما دام لم يسلّم الآخر بدله حسب الاشتراط الضمني الثابت ببناء العقلاء وعملهم .

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مجمع الفائدة والبرهان 8 : 504 .
(2) المكاسب 6 : 261 .
ــ[291]ــ

وأمّا ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) فلوضوح أنّا إذا بنينا على عدم وجوب التسليم على كل منهما مطلقاً وقلنا إنه مشروط بتسليم الآخر في جواب الأردبيلي (قدّس سرّه) فعند امتناعهما لا يحصل شرط وجوب التسليم على كل منهما فلا هذا يجب عليه التسليم لعدم حصول شرطه وهو تسليم الآخر ولا ذاك يجب عليه التسليم لعدم حصول شرطه أعني تسليم الأول ، ومن الظاهر أنّ الشرط في الواجبات المشروطة ممّا لا يجب تحصيله ، فإذن التسليم غير واجب على كل منهما ومعه لم يحصل ترك واجب من أحدهما حتى يجبره الحاكم على العمل بواجبه .

فلو قلنا إنّ التسليم واجب على كل منهما مطلقاً فقد صحّحنا مقالة الأردبيلي (قدّس سرّه) وهو باطل عنده ، والتوسّط بين المطلق والمشروط ممّا لا نعقله . وإذا كان التسليم مشروطاً بتسليم الآخر فلا يجب على كل منهما التسليم ، وتركه لا يكون من ترك الواجب حتى يصحّ إجباره على العمل به .

وأمّا الوجه الثالث أعني وجوب التسليم على البائع ابتداءً بدعوى أنّ الثمن عوض وهو متأخّر عن المعوّض ،ففيه : أنّ مجرد كون الثمن عوضاً لا يوجب اختصاص وجوب التسليم بالبائع أوّلا بعد كون المعاملة عبارة عن المبادلة بين المالين ، غاية الأمر أنّ المثمن يتحفّظ فيه على خصوصية المال وفي طرف الثمن يتحفّظ على ماليته لا على خصوصياته غالباً وكل منهما عوض عن الآخر وهما في ذلك سيّان ، وقد اشترط وجوب تسليم كل منهما عند تسليم الآخر .

فالصحيح في المقام عدم وجوب التسليم ابتداءً على كل منهما فلا هذا يجب عليه التسليم ولا ذاك لاشتراط كل منهما بتسليم الآخر وهو غير حاصل ، هذا فرع .

الفرع الثاني : إذا بذل كل منهما ما عنده إلى الآخر ووطّن نفسه لتسليم ماله من الآخر من أجل وثوقه بصاحبه واطمئنانه بتسليمه ولكنّهما اختلفا في مجرد البدأة فقال كل منهما للآخر أعطني مالك ابتداء حتى أعطيك مالي بعد ذلك ، فهل يجب

ــ[292]ــ

البدأة على كل منهما نظير وجوب أصل التسليم على مسلك الأردبيلي (قدّس سرّه) أو يجب البدأة على البائع دون المشتري وهو الذي قوّاه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) بأنّ العقلاء يقبّحون مطالبة الثمن قبل دفع المثمن ، أو يجبران على البدأة كما أفاده (قدّس سرّه) في الفرع السابع ، أو أنّ كلا منهما مشروط ببدء الآخر ؟

الظاهر أنّ هذا الفرع غير الفرع السابق كما يظهر من كلمات الأصحاب على ما نقله شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) وليست البدأة بعد كون كل منهما عازماً على التسليم والبذل من الشروط الضمنية في المعاملات ، وإنما الشرط الضمني يختص بتسليم كل منهما عند بذل الآخر ، وأمّا كون بدأته مشروطة ببدء الآخر فلا ، بل هذا خارج عن الأغراض العقلائية أيضاً ولا يتعلّق به غرضهم بوجه بعد كون المتعاملين عازمين على البذل .

فالظاهر أنّ البدأة واجبة على كل منهما على نحو الاطلاق بدأ الآخر أم لم يبدأ  ، فما أفاده الأردبيلي (قدّس سرّه) من وجوب الدفع على كل منهما مطلقاً وإن لم يدفع الآخر متين في هذا المقام ، فهي واجبة على كل منهما بلا اشتراط ، فلو امتنعا عمّا وجب في حقّهما فلا مانع من إجبارهما عليه وهو ظاهر .

الفرع الثالث : إذا كان أحد العوضين مؤجّلا (لعدم صحة التأجيل في كليهما لأنه من بيع الكالي بالكالي) كما في بيع النسيئة فإنّ العوض فيه مؤجّل أو بيع السلم لتأجيل المعوّض فيه ، لا ينبغي الإشكال في عدم وجوب تسليم المؤجّل في طرف الثمن أو المثمن قبل حلول أجله ، لأنه معنى اشتراط التأجيل وجعل حق لنفسه في تأخير أداء مال الغير ، وهذا ممّا لا إشكال فيه .

وأمّا الآخر فيجب عليه تسليم ماله إليه قبل حلول الأجل ، ووجهه أنّ غير المؤجّل قد التزم بتسليمه من دون تعليق على تسليم المؤجّل واشتراطه به أصلا وهذا ممّا لا كلام فيه أيضاً .

ــ[293]ــ

وإنما الكلام في موردين : أحدهما فيما إذا أخّر البائع في بيع النسيئة أداء المثمن إلى المشتري عصياناً أو نسياناً إلى زمان حلول الأجل فهل يجب على المشتري ردّ الثمن عند حلول الأجل إلى البائع مطلقاً وإن لم يدفع البائع حينئذ ، أو أنه لا يجب عليه إلاّ فيما إذا دفعه البائع إليه ؟

وثانيهما : ما إذا عصى البائع أو نسي حتى حلّ الأجل فهل يجب على البائع دفع المثمن إلى المشتري حينئذ وإن امتنع المشتري عن الأداء ، أو أنه مشروط بردّ المشتري الثمن إليه ولا يجب الدفع على البائع ولو مع امتناع المشتري ، بدعوى أنّ البائع قد أسقط اشتراط تسليمه بتسليم المشتري وألزم على نفسه التسليم وإن لم يسلّمه المشتري .

أمّا الأول : فلا ينبغي التأمّل في أنّ المشتري يجب عليه تسليم الثمن إلى البائع بعد انقضاء الأجل مشروطاً بتسليم البائع المثمن إيّاه وأمّا مع امتناعه وعدم تسليمه فلا كما ذكرناه آنفاً ، وهذا ممّا لا كلام فيه وإنما الكلام في المورد الثاني .

وأمّا الثاني : فالصحيح أنّ البائع لا يجب عليه التسليم مع امتناع المشتري عن التسليم ، فإنّ وجوب تسليم كل منهما مشروط بتسليم الآخر كما مرّ ، ودعوى أنّ البائع قد أوجب على نفسه التسليم من غير اشتراطه بتسليم المشتري كما هو معنى تأجيل الثمن ، مندفعة بأنه وإن رضي بذلك إلاّ أنه لا على نحو الاطلاق بل إلى زمان معيّن وهو الأجل ، وأمّا بعده فلم يرض ولا أوجب على نفسه التسليم على نحو الاطلاق حتى مع عدم تسليم المشتري إلى الأبد ، بل الارتكاز العقلائي قائم على أنّ البائع لا يدفع ماله إلى المشتري فيما إذا لم يسلّم المشتري الثمن إليه ، فإنّ بناء المعاملات على الاعطاء والأخذ كما يعبّرون عنها في الفارسية بـ (داد وستد) وليس بناؤها على إعطاء أحدهما من دون أخذ ، فتسليمه مشروط ضمني بتسليم المشتري بعد الأجل ، فما يظهر من كلمات شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في المقام من وجوب

ــ[294]ــ

التسليم على البائع ولو مع امتناع المشتري فممّا لا يمكن المساعدة عليه .

الفرع الرابع : أنّ البائع إذا امتنع عن إقباض المبيع وكان امتناعه عن حق من جهة امتناع المشتري عن إقباض الثمن ولكن المشتري قد قبض المبيع من دون رضا البائع بقبضه ـ ولابدّ من فرض الكلام فيما إذا كان الثمن شخصياً فإنّ الكلّي لا يتعيّن بقبض المشتري بوجه ـ لا يترتّب على ذلك القبض آثاره .

وآثار القبض مختلفة فربما يرتّب عليه أصل حصول الملكية كما في الهبة وبيع الصرف والسلم ، فإذا قبض المشتري المبيع في مثلها لا عن رضا البائع فذاك القبض كلا قبض فلا تترتّب عليه الملكية ، فإنّ الملكية إنما تترتّب على القبض الشرعي الصحيح وذاك القبض غير شرعي كما هو ظاهر .

واُخرى يترتّب على القبض ارتفاع ضمان البائع عن المبيع ومع فرض تحقّقه لا عن رضا المالك فهو كلا قبض ولا يوجب ارتفاع الضمان عن البائع لأنه إنما يرتّب على القبض الصحيح(1).

وثالثة تترتّب على القبض أحكام اُخر كجواز البيع في المكيل والموزون على ما سيأتي إن شاء الله تعالى ، فإنّ من شروطه صحة بيع المكيل والموزون أو من شروط عدم كراهته قبضهما فبيعهما قبل القبض مكروه أو حرام ، ولكن القبض إذا تحقّق لا عن رضا المالك فهو كلا قبض فلا يجوز معه بيع المكيل والموزون ، وأمّا تصرّفات المشتري في المبيع الذي قبضه من دون رضا البائع في غير ما يتوقّف عليه حصول الملكية كما إذا كان المبيع أمة وقد نظر إليها المشتري مثلا فلا وجه لحرمتها لأنّ المبيع ملكه على الفرض والتصرف في ملك نفسه جائز .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسيأتي في الأحكام المترتّبة على القبض ] في الصفحة 304 [ أنّ مدرك ضمان التلف قبل القبض لو كان هو السيرة العقلائية فهو يرتفع بمطلق القبض ولو على وجه غير شرعي .

ــ[295]ــ

ودعوى أنّ التصرف في ملك الغير كما أنه محرّم كذلك فيما إذا كان الملك متعلّقاً لحق الغير ، فإنّ التصرف فيه أيضاً غير جائز شرعاً ، واضحة الفساد فإنه لم يتعلّق بالعين حق البائع بوجه إلاّ من جهة أنّ له إبقاءها لا من سائر الجهات كما لا يخفى فتصرفاته فيها غير محرّمة ، نعم لا يرتّب عليه آثاره الشرعية كجواز البيع في مثل المكيل والموزون لأنها مترتّبة على القبض الشرعي الصحيح ، هذا فيما إذا كان امتناع البائع عن التسليم عن حق .

وأمّا إذا فرضنا أنه ليس عن حق كما إذا سلّم المشتري الثمن إليه ولكنه امتنع عن تسليم المبيع إلى المشتري والمشتري قد قبضه من دون رضا البائع فهو قبض صحيح وترتّب عليه آثاره الشرعية ، فصحة القبض بأحد أمرين : إمّا إقباض ما في يده لصاحبه ، فله حينئذ قبض ما في يد صاحبه ولو بغير إذنه ، وإمّا إذن صاحبه .

ثم إنه إذا فرضنا أنّ امتناع البائع عن التسليم ليس عن حق لأنّ المشتري قد سلّم إليه الثمن ، فهل يجوز للبائع أن يتصرف في الثمن أي مع عدم إقباضه المبيع للمشتري ، أو أنه يحجر عن التصرف في ذلك ؟ الصحيح أنه لا يحجر عليه في الثمن كما في غير الثمن من أمواله غاية الأمر أنّ المشتري له الخيار وله أن يفسخ المعاملة وإذا فسخها ينتقل الثمن إلى ملكه ، فلا يجوز للبائع أن يتصرف في مال المشتري حينئذ بغير إذنه .

مسألـة

قد عرفت أنّ تسليم كل من العوضين إلى مالكه أمر ثبت اشتراطه في ضمن المعاملة ، إلاّ أنّ التسليم لابدّ من أن يكون مفرّغاً بأن لا تكون العين مشغولة بمال البائع ، وهذا شرط آخر ضمني غير شرط التسليم وإن كان مدركهما ودليلهما واحداً وهو الشرط في ضمن المعاملة ، وذلك لأنّ العقلاء كما يشترطون أصل تسليم المال

ــ[296]ــ

إلى المشتري مثلا كذلك يشترطون تسليمه إليه مفرّغاً ، فلو سلّمه إليه مشغولا بأمواله يجب عليه تفريغه عن أمواله حسب الاشتراط الضمني .

نعم تترتّب على التسليم من غير إفراغ آثار التسليم شرعاً ، مثلا يرتفع به ضمان البائع فيما إذا سلّمه مشغولا بأمواله وقبل أن يفرغه تلف المبيع فإنه لا يكون مضموناً على البائع حينئذ .

ثم إنه إذا سلّمه وهو غير مفرّغ وتوقّف تفريغه على مضي مدّة يتسامح بها عرفاً كنصف يوم أو يوم في بيع الدار مثلا فلا يثبت به شيء للمشتري من الخيار ولا اُجرة إشغال المبيع في تلك المدّة ، فإنه أمر يتسامح فيه عرفاً وهو خارج عن الاشتراط الضمني.

وأمّا إذا احتاج تفريغه إلى مدّة مديدة بحيث لا يتسامح بها عند العرف كشهر مثلا أو أكثر ، وفرضنا أنّ المشتري لم يكن عالماً باشتغال المبيع بأموال البائع ، أو كان عالماً به ولكنه لم يعلم بأنه يحتاج إلى مدّة مديدة ، فلا محالة يثبت له الخيار ، فإنّ تسليمه مفرّغاً أمر اشترط في ضمن المعاملة وتخلّفه يوجب الخيار .

ولكن شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) قيّده بما إذا أوجب اشغاله بتلك المدّة تضرّر المشتري وحكم حينئذ بثبوت الخيار له ، ولكنّا لم نفهم وجه تقييده بذلك فإنّ ثبوت الخيار مستند إلى تخلّف الاشتراط الضمني لا إلى قاعدة لا ضرر ، فسواء تضرّر المشتري بذلك أم لم يتضرّر به كما هو الحال في جميع موارد تخلّف الشرط فالتقييد بضرر المشتري لا وجه له .

ثم إنّ المبيع إذا كان مشغولا بمال البائع وتوقّف تفريغه على مضي زمان فهل يتمكّن المشتري من مطالبة البائع باُجرة ملكه في المدّة المذكورة أو ليس له حق

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المكاسب 6 : 267 .
ــ[297]ــ

مطالبة البائع بالاُجرة ؟ ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) وجهين في المقام :

أحدهما : أنه ليس له مطالبة البائع باُجرة ملكه لأنه اشترى شيئاً وتبيّن أنه مشغول بمال البائع فلا يثبت له إلاّ الخيار نظير ما إذا اشترى داراً فوجدها مستأجرة إلى مدّة فإنه لا يثبت للمشتري حينئذ إلاّ الخيار ، وليس له مطالبة البائع باُجرة الدار في مدّة الاجارة .

وثانيهما : أنّ له مطالبة الاُجرة لأنه اشترى أرضاً لا يستحقّ عليها الاشغال بمال البائع فله مطالبة الاُجرة بذلك .

والظاهر أنه لا دوران في المقام بل ثبوت الاُجرة متعيّن ، لأنه قد اشترى المبيع وملكه كما ملك جميع منافعه ، والبائع لم يسلّم إليه إلاّ نفس المبيع فأين ذهبت منافعه التي هي مملوكة للمشتري وليس إلاّ أنّ البائع فوّتها عليه باشغاله فيثبت عليه قيمتها كما لا يخفى .

ولا يقاس المقام بباب الاجارة فإنّ المنافع حينئذ لم تنتقل إلى ملك المشتري لفرض أنّها انتقلت إلى المستأجر بالاجارة السابقة ، فليس للمشتري مطالبة عوضها لعدم ملكيتها له ، نعم لمّا باعه على نحو الاطلاق ثم ظهر أنّ منافعه مستحقّة للغير فثبت له الخيار بين الردّ والامضاء ، وهذا من دون فرق بين أن يكون البائع مقصّراً في عدم تفريغه المبيع كما إذا كان عالماً بالحال وأخّر تفريغه ، وبين كونه غير مقصّر فإنّ تقصيره لا يوجب إلاّ الاثم ولا ربط له بالاُجرة . هذا .

ثم إنّ شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) تعرّض بمناسبة المقام لفرع آخر : وهو أنه إذا باع أرضاً وسلّمه إلى المشتري مشغولة بالزرع أو الأشجار وأفاد أنه يقلعها إذا لم يستلزم عليه الضرر ، ويحتمل أن يكون البائع مخيّراً بين إبقائها في أرض المشتري مع الاُجرة وبين قلعها ، كما يحتمل أن يكون المشتري مخيّراً بين قلعها ودفع الأرش إلى البائع وإبقائها مع الاُجرة ، هذا .

ــ[298]ــ

ولا يخفى أنّ المتعيّن هو تخيير المشتري بين قلعها مجاناً وبين ابقائها مع الاُجرة .

ودعوى أنّ القلع يستلزم الضرر على البائع ومقتضى ارتفاع الضرر جواز ابقائها في أرض الغير ، وتضرّر المشتري بذلك فيدفع بجعل الخيار له .

مندفعة بأنّ القلع وإن استلزم ضرر البائع إلاّ أنه ليس مورداً لقاعدة نفي الضرر ، فإنّ الزام المشتري ببقاء أشجار البائع في ملكه ضرر على المشتري ، وقد مرّ غير مرّة أنّ القاعدة لا تجري في الموارد التي يلزم من جريانها ضرر على شخص آخر .

وأمّا اندفاع ضرر المشتري بجعل الخيار له ، ففيه : أنّ القاعدة إنما دلّت على أنّ الأحكام الضررية مرتفعة في الشريعة المقدّسة وأنّها غير مجعولة لا أنها متداركة بجعل حكم آخر ، وفي المقام لمّا كان إلزام المشتري بابقاء أشجار البائع في ملكه ضررياً فهو مرتفع بالقاعدة ، لا أنها تجعل الخيار للمشتري ليتدارك ضرره وإلاّ فتدارك ضرر المشتري بجعل الخيار في حقّه ليس بأولى من تدارك ضرر البائع من بيت المال مثلا .

ثم إنّ القلع إذا استلزم ضرراً آخر في ملك المشتري من كسر زجاجة أو هدم بقعة ونحوهما فعلى البائع جبره ، ولكن يقع الكلام حينئذ في أنّ تلك الاضرار في المقام وفي موارد الغصب مثلية أو أنها قيمية ، بمعنى أنه يجب إعادة المكسور أو المهدوم أو يجب ردّ قيمته ، وهذا يختلف باختلاف الأضرار ففي مثل كسر الزجاج مثلي فيعاد ، وأمّا في مثل هدم البقعة قيمي لاستحالة إعادتها كما كانت عرفاً واختلافها من حيث قدم آلاته وكونها جديدة وفي مادّتها قدماً وحدوثاً ، وهكذا .

مسألـة

إذا امتنع البائع من التسليم فلا يخلو إمّا أن يكون امتناعه مستنداً إلى امتناع

ــ[299]ــ

المشتري عن تسليم الثمن وإمّا أن يكون مستنداً إلى ظلمه وعدوانه ، لأنّ المشتري باذل للثمن .

فإن كان الامتناع مستنداً إلى امتناع المشتري عن التسليم فلا كلام في عدم إثمه وعصيانه ، وإنّما الكلام في حكمه الوضعي من جهتين :

إحداهما : في أنّ البائع هل يضمن اُجرة منافع المبيع التالفة في مدّة الامتناع أو لا يضمنها ؟

ربما يحتمل ضمانها على البائع من جهة أنّ المبيع ومنافعه مملوكان للمشتري وقد تلفت منافعه تحت يد البائع فيضمنها .

إلاّ أنّ الصحيح عدم الضمان كما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)والوجه في ذلك أنّ امتناع البائع عن تسليم المبيع إلى المشتري في المقام أي منعه عن استيفاء المشتري منافع ملكه مستند إلى التزام نفس المشتري بذلك ، وأنّ له أن يمنعه عن ذلك ما لم يقبضه الثمن حسب الاشتراط الضمني بينهما ، وظاهره أنّ منع البائع عن استيفاء المشتري منافع ملكه في مدّة امتناعه عن تسليم الثمن مجّاني ، لا أنه يمنعه عنه في مقابل العوض وهذا ظاهر .

ثانيتهما : أنّ المبيع إذا احتاج إلى نفقة لكونه حيواناً أو إنساناً فهل نفقته على البائع في مدّة الامتناع أو أنها على المشتري .

مقتضى القاعدة أنّ نفقته على المشتري ، لأنّ نفقة المملوك على مالكه ، ولكنه ربما يحتمل أن تكون نفقته على البائع .

وعن جامع المقاصد(2) أنّ النفقة في المقام أشبه بنفقة الزوجة فيما إذا امتنعت

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المكاسب 6 : 269 .
(2) جامع المقاصد 4 : 412 .
ــ[300]ــ

عن التمكين حتى تقبض مهرها ، فكما أنّ وجوب نفقتها على زوجها حينئذ محل الخلاف وفيه احتمالان فكذلك في النفقة في المقام ، هذا .

والظاهر أنّ بين النفقتين فرقاً ظاهراً فإنّ مقتضى العمومات الدالّة على أنّ نفقة الزوجة على زوجها وجوب النفقة على الزوج مطلقاً ، وقد خرجنا عنه فيما إذا كانت ناشزة ، والنشوز إنما يتحقّق فيما إذا لم يكن امتناعها عن التمكين مستنداً إلى حق كما إذا كانت مريضة ويضرّها المواقعة وكما في المقام ، وأمّا إذا كان مستنداً إلى حق لها في الامتناع فلا دليل على عدم وجوب النفقة على زوجها .

وهذا بخلاف المقام فإنّ مقتضى القاعدة هو كون ضمان نفقة المملوك على مالكه مطلقاً ، ولم يرد على هذه الاطلاقات مخصّص بوجه ، هذا كلّه فيما إذا كان امتناع البائع عن التسليم مستنداً إلى امتناع المشتري عن تسليم الثمن إليه .

وأمّا إذا استند إلى ظلمه وعدوانه لفرض أنّ المشتري باذل للثمن فلا إشكال في عصيانه وإثمه ، وأمّا ضمانه اُجرة المنافع التالفة في مدّة الامتناع تحت يد البائع فهو أيضاً ممّا لا ينبغي التأمّل فيه ، لأنه الذي فوّت المنافع المملوكة للمشتري عليه فيضمنها .

وأمّا النفقة فمقتضى القاعدة المستفادة من صحيحة أبي ولاّد(1) المتقدّمة في بحث الضمان أنّ حفظ المغصوب واجب على غاصبه ، وهو إنما يكون بالانفاق عليه في مدّة الغصب ، وعليه فلابدّ من الحكم بوجوب الانفاق على البائع في المقام لأنه غاصب .

ولكن شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(2) على ما عندنا من نسخة الكتاب ذكر

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 19 : 119 / كتاب الاجارة ب17 ح1 .
(2) المكاسب 6 : 269 .

ــ[301]ــ

أنّ مقتضى القاعدة كون نفقته على المشتري . والعبارة إمّا فيها سقط وهو كلمة «ليست» أي ليست النفقة على المشتري ، وإمّا أنّا لا نفهم مراده كما عرفت .

الكلام في الأحكام المترتّبة على القبض

منها : انتقال ضمان المبيع إلى المشتري فإنه ما لم يقبضه على بائعه ، والكلام في ذلك في جهات :

الجهة الاُولى : في مدرك هذه القاعدة وأنّ المبيع مع أنه ملك للمشتري كيف يكون ضمانه ودركه على بائعه فيما إذا تلف قبل قبضه وأنه يوجب انفساخ المعاملة وأنّ مدرك ذلك أي شيء ، وهذه القاعدة مسلّمة عند الأصحاب ، بل يظهر من كلمات شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) أنّها ممّا لا خلاف فيه عند العامّة أيضاً ، فعليه فالقاعدة متسالم عليها بين المسلمين ، وإنما الكلام في مدركها .

وما يحتمل أن يستند إليه في المقام اُمور : أحدها الرواية النبوية من أنّ « كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه »(1) ومقتضاها أنّ تلفه قبل قبضه يوجب انفساخ المعاملة فيكون تلفه في ملك البائع .

والاستدلال بها في المقام يتوقّف على القول باعتبار النبويات ولو بدعوى انجبار ضعفها بعمل الأصحاب ، وأمّا إذا أنكرنا الانجبار بعمل المشهور وقلنا بعدم اعتبار النبويات كما ذكرناهما في محلّه فلا يبقى للاعتماد عليها مجال .

وثانيها : رواية عقبة بن خالد(2) في رجل اشترى متاعاً من رجل وتلف قبل أن يقبضه من المشتري فعلى من يكون ضمانه ؟ قال (عليه السلام) ضمانه على

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المستدرك 13 : 303 / أبواب الخيار ب9 ح1 .
(2) الوسائل 18 : 23 / أبواب الخيار ب10 ح1 .
ــ[302]ــ

مالكه حتى يخرجه من بيته ويقبضه من المشتري ، ومقتضى هذه الرواية أيضاً أنّ تلف المبيع قبل قبضه يوجب انفساخ المعاملة ودركه على بائعه .

والاعتماد على هذه الرواية أيضاً يبتني على القول بانجبار ضعف الرواية بعمل الأصحاب ، ومع المنع عن الانجبار بعمل الأصحاب كبرى وصغرى كما قدّمناهما في محلّهما لا يمكننا الاعتماد على هذه الرواية أيضاً .

وثالثها : دعوى الاجماع على الضمان فيما لو تلف قبل قبضه كما في كلام شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1).

ويدفعه : أنّ الدخولي واللطفي من الاجماع باطلان ، وأمّا الاجماع على طريقة المتأخرين وهو الكشف عن قول المعصوم (عليه السلام) بالحدس فهو أيضاً منتف في المقام ، إذ لا يحصل لنا العلم والقطع من اتّفاق الأصحاب على صدور ذلك عن المعصوم (عليه السلام) ووصوله إلينا يداً بيد ، إذ يحتمل اعتماد بعض هؤلاء المجمعين على النبوي المتقدّم وبعض آخر على رواية عقبة وثالث اتّبع الشهرة كما هو كذلك في هذا العصر وفي الأعصار المتقدّمة حيث يرى أنّ الرجل يتبع ما ذهب إليه المشهور في المسألة ، ومعه لا يبقى للكشف بطريقة الحدس مجال .

فالصحيح في المقام هو الاعتماد على رابع الأدلّة ونسمّيه بالدليل الرابع : وهو السيرة العقلائية ، لأنّا لو شككنا في شيء فلا نشك في أنّ للقبض في المعاملات دخالة في حصول الملكية عند العقلاء في الجملة ويعبّرون عنها بـ (داد وستد) ولا يرون الملكية حاصلة بمجرد المقاولة والمعاقدة ، وهذا لا بمعنى اشتراط الملكية بالتسليم بل بمعنى أنّ البائع ما دام لم يسلّم المبيع لا يستحق مطالبة الثمن من المشتري ، وتراهم يقول أحدهما ما أعطيتني شيئاً لتطالب بعوضه وهو كلام سائر بينهم ، فإذا باع داره

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المكاسب 6 : 270 .
ــ[303]ــ

وقبل أن يقبضها من المشتري وقعت الدار في الجادّة أو أنه سرق كما في مورد رواية عقبة كما إذا كان المبيع درّة فقبل أن يقبضها من المشتري سرقت أو وقعت في البحر أو وقع عليها أي على الدار جبل عظيم وأمثال ذلك مما يعدّ تلفاً عرفاً ، فلا يرون البائع مستحقاً لمطالبة الثمن من المشتري ، وهذه سيرة متحقّقة عندهم من غير نكير حتى عند اليهود .

ثم إنه تترتّب على الاستدلال بالسيرة العقلائية في المقام ثمرات :

منها : أنّا لو اعتمدنا على السيرة المذكورة دون الروايتين فلا نقتصر على خصوص تلف المبيع ، بل نجري ذلك عند تلف الثمن أيضاً فإنه كالمثمن من طرفي المعاملة وقبض كل منهما له دخالة في حصول الملكية كما تقدّم ، وهذا بخلاف ما إذا اعتمدنا على الروايتين لاختصاصهما بصورة تلف المبيع دون الثمن ، فلا يمكننا التعدّي إلى تلفه لأنه حكم على خلاف القاعدة.

ومنها : أنّا لو اعتمدنا على السيرة المذكورة نكتفي في ارتفاع الضمان بمجرد التخلية ولا نشترط القبض الخارجي ، بخلاف ما إذا اعتمدنا على الروايتين فإنّ ظاهر رواية عقبة هو الاقباض الخارجي وعدم كفاية مجرد التخلية ، وقد قدّمنا(1)أنّ التخلية لا يطلق عليها القبض فإنه عبارة عن الاستيلاء وما به يتحقّق الغصب والتخلية لا يتحقّق بها الغصب ، هذا .

والعجب من شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(2) أنه مع اعتماده على الروايتين دون السيرة العقلائية اكتفى في ارتفاع الضمان بالتخلية مع أنّ مقتضى الروايتين اعتبار القبض الخارجي وعليه أن يقيم البرهان على كفاية التخلية كما لا يخفى .

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص286 وما بعدها .
(2) المكاسب 6 : 275 .
ــ[304]ــ

ومنها : أنّ مقتضى الاعتماد على السيرة في المقام كفاية مجرد القبض في ارتفاع الضمان ، ولو كان القبض من غير رضا البائع ولا اطّلاعه كما إذا خدعه وسرقه ، أو على وجه القهر والغلبة ، فإنه بأيّ وجه كان يكفي عند العقلاء في ارتفاع الضمان كما أفاده شيخنا الأنصاري ، وهذا بخلاف ما إذا اعتمدنا على الروايتين فإنّ لازمهما كما مرّ عدم ترتّب الآثار على القبض الحاصل من غير وجه شرعي كما ذكرناه في قبض المكيل والموزون وأنه إذا حصل من غير رضا البائع لا يكفي في رفع الكراهة أو الحرمة في بيع المكيل أو الموزون ، هذا كلّه فيما إذا كان التلف بآفة سماوية كما إذا احترق أو مات أو نهشته الحيّة ونحو ذلك ممّا لا يستند إلى فاعل بالاختيار .

وأمّا إذا كان التلف مستنداً إلى فاعل بالاختيار فلا يخلو إمّا أن يكون المتلف هو المشتري وإمّا أن يكون هو البائع وإمّا أن يكون أجنبياً .

أمّا إذا كان المتلف هو المشتري فلا ينبغي الإشكال في عدم جريان القاعدة في مثله ، لأنّ مدركها إن كان هو الخبرين المتقدّمين فهما منصرفان عن مثل المقام وإن كان هو الاجماع فهو أيضاً غير متحقّق عند إتلاف المشتري ، وإذا كان هو السيرة فمن الواضح أنها لا تجري فيما إذا كان المتلف هو نفس المشتري ، فلا يكون إتلافه حينئذ موجباً لانفساخ المعاملة لأنه هو الذي أتلف ملكه ، وهذا فيما إذا كان المشتري عالماً بالحال وأنه ملكه ممّا لا خلاف فيه ، وكذا فيما إذا كان جاهلا بأنه ملكه ولكن جهله لم يكن مستنداً إلى البائع كما إذا اشترى من البائع شاة وكان له شاة اُخرى أيضاً وأراد المشتري أن يسرق تلك الشاة الثانية من البائع فسرقها وذبحها وبعد إتلافها ظهر أنها شاة نفسه ، فإنّ المشتري حينئذ وإن أتلف ملكه جاهلا بالحال ولكن جهله ذلك غير مستند إلى البائع ، فمثله أيضاً لا يوجب الانفساخ كما عرفت .

وأمّا إذا كان مستنداً إلى البائع كما إذا باعه خبزاً ثم قدّمه إلى المشتري وهو جاهل بالحال فأتلف ملك نفسه جاهلا بالحال ولكنه كان بتسبيب من البائع ، فهل

ــ[305]ــ

يكون ذلك داخلا في إتلاف البائع أو أنه يوجب انفساخ المعاملة ؟

ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) أنّ إتلاف المشتري بتسبيب البائع إن كان مستنداً إلى إغرار البائع كما إذا قدّمه إليه عالماً بأنه ملك المشتري ، فلا بأس بالحاقه باتلاف البائع الذي يأتي حكمه ، هذا .

ولكن الظاهر أنّ هذا الاتلاف لا يحسب من إتلاف المشتري على كل حال سواء كان البائع غاراً أم لم يكن كما إذا قدّمه إليه جاهلا بأنه ملك المشتري ، فإنه لا يصدق في هذه الموارد أنّ المشتري قبض ماله وأتلفه ، ومن هنا لو غصب طعام أحد ثم قدّمه إليه فأكله مالكه من غير علم بأنه ملك نفسه ، لا يكون هذا كافياً في حصول القبض وإقباض الملك لمالكه ، كان الغاصب عالماً بالحال أم لم يكن .

فالظاهر أنّ هذه الصورة من أحد مصاديق إتلاف البائع وحكمها حكمه كما سيأتي إن شاء الله تعالى .

وأمّا إذا كان الاتلاف مستنداً إلى البائع فهو أيضاً ليس بمورد للقاعدة لانصراف الروايتين وعدم انعقاد الاجماع وعدم تحقّق السيرة العقلائية في مثلهوشيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) احتمل في المقام اُموراً :

منها : أن يكون إتلافه موجباً لانفساخ المعاملة إلحاقاً له بصورة التلف السماوي فيرجع المشتري بثمنه .

ومنها : أن يكون البائع ضامناً للمبيع لأنه ملك للمشتري وقد أتلفه بغير إذنه فيضمنه بقيمته من دون أن يكون العقد منفسخاً ، لعدم جريان القاعدة في المقام كما مرّ .

ومنها : تخيير المشتري بين انفساخ المعاملة لأنه من مصاديق تلف المبيع قبل

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المكاسب 6 : 276 .
ــ[306]ــ

قبضه وهو يوجب الانفساخ ، وبين مطالبة البائع بالقيمة أو المثل لأنّ المبيع ملكه وقد أتلفه البائع فهو له ضامن .

ومنها : أن يكون المشتري مخيّراً بين أن يفسخ العقد لتعذّر تسليم المثمن وهو يوجب الخيار فيرجع إلى البائع بثمنه ، وبين إمضائه ومطالبة البائع بالمثل أو القيمة من دون أن يكون العقد منفسخاً .

وهذه الاحتمالات كل واحد منها في نفسه ممّا لا بأس به إلاّ احتمال تخيير المشتري بين الانفساخ وبين مطالبته البائع بالقيمة أو المثل فإنّ التخيير بينهما غير معقول ، إذ معنى الانفساخ هو أنّ المعاملة باطلة وهي كالعدم ، ومعنى رجوعه إلى البائع أنّ المعاملة صحيحة والبائع يضمن بدل مال المشتري ، والجمع بينهما غير ممكن .

مضافاً إلى أنّ الانفساخ حكم شرعي والرجوع إلى القيمة فعل للمشتري ولا معنى لتخييره بينهما فإنّ أحدهما خارج عن اختياره .

والصحيح من هذه الاحتمالات هو الاحتمال الأخير وهو أنّ المشتري مخيّر بين فسخ المعاملة ورجوعه بثمنه وبين إمضائه ورجوعه إلى البائع بقيمة ماله أو مثله  ، فإنّ المشتري لمّا لم يصل إليه ملكه ثبت له الخيار بين الفسخ والامضاء ، كما أنّ البائع أتلف ملكه فيضمن بدله من المثل أو القيمة .

وأمّا إذا كان المتلف هو الأجنبي فربما يلحق ذلك بصورة التلف السماوي كما إذا كان المتلف ممّن لا يمكن الوصول إليه فتنفسخ المعاملة حينئذ والمشتري يرجع بثمنه .

وأمّا إذا كان المتلف ممّن يمكن الوصول إليه ولم يلتحق ذلك بصورة التلف فالصحيح حينئذ هو الحكم بتخيير المشتري بين فسخ المعاملة لعدم وصول المثمن إليه فيطالب البائع بثمنه والبائع بعد ذلك يرجع إلى المتلف ، وبين رجوعه إلى المتلف

ــ[307]ــ

ابتداءً ومطالبته بالقيمة أو المثل فإنه لا يمكن حينئذ مطالبة البائع بالقيمة أو المثل بوجه فإنّ يده ليست يداً ضمانية بل يد أمانة ، وإن كان ربما يظهر من كلمات شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) أنّ يده ضمانية ، ولكنّك عرفت أنه لولا تلك القاعدة الثابتة بالأخبار أو الاجماع أو السيرة لما حكمنا بانفساخ المعاملة وبضمان البائع فلا يكون يده ضمانية .

بقي هناك شيء : وهو أنّ المتلف لو كان هو البائع وفرضنا أنّ المشتري رجع عليه بالقيمة أو المثل فهل يجب على البائع ردّهما إليه فوراً ، أو أنّ البائع له أن يمتنع من دفع القيمة حتى يستلم الثمن ؟

ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) أنّ البائع يجب عليه ردّ القيمة فوراً وليس له الامتناع عن دفعها حتى يستلم الثمن فإنه إنما ثبت في نفس المثمن حسب الاشتراط الضمني ، وأمّا إذا تلف المثمن وانتقل الأمر إلى بدله فثبوت حق الامتناع فيه يحتاج إلى دليل وهو مفقود .

والظاهر والله العالم أنّ ضمان البائع للبدل إنما هو من جهة ضمانه للمبدل والمثمن ، فإذا كان متمكّناً من عدم رفع المبدل حتى يستلم الثمن فكذلك يتمكّن من ذلك في بدله أيضاً . وبالجملة أنّ البدل قائم مقام المبدل في جميع شؤونه وأحكامه فله أن يمتنع عن تسليمه حتى يستلم الثمن .

ثم إنه ظهر ممّا ذكرناه في المقام عدم اختصاص جريان القاعدة بالبيع وجريانها في جميع المعاوضات والمعاملات إجارة كانت أم بيعاً أم غيرهما ، وإن كان صريح كلام شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(2) أنه لم يجد من يعمّم جريان القاعدة في

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المكاسب 6 : 277 مع مراجعة الهامش أيضاً .
(2) المكاسب 6 : 279 ـ 280 .
ــ[308]ــ

سائر المعاوضات إلاّ في المهر وفي مال الخلع .

ولا يخفى عليك أنّ الضمان المبحوث عنه في المقام هو الضمان بمعنى الانفساخ وأمّا الضمان في تلف المهر أو مال الخلع فهو بمعنى اشتغال الذمّة بردّ البدل مثلا أو قيمة  ، فبين الضمانين فرق ظاهر .

ولا يمكن حمل الضمان في تلف المهر أو مال الخلع على الانفساخ ، إذ لم يقل أحد بانفساخ الطلاق أو النكاح بتلف المهر أو مال الخلع ، فإنّ المهر غير مقوّم للنكاح حتى يبطل بتلفه ، وإذا لم يكن الضمان فيهما بمعنى الانفساخ فلا محالة يتوقّف على دليل ، والسيرة إنما اختصّت بالانفساخ ، وكذلك الروايتان والاجماع إنّما دلّت على الانفساخ على خلاف القاعدة إذ لولاها لما كنّا نلتزم بالانفساخ ، ولا دليل في مثل تلف المهر أو مال الخلع على الضمان إذا كان تلفهما قبل قبضهما فإنه إن كان « على اليد ما أخذت » فهو مختص بموارد كون اليد ضمانية وهي في الموردين ليست ضمانية بل يد أمانة ، وإن كان هو الاجماع فهو غير متحقّق في المقام .

ونظيرهما ضمان المقبوض بالسوم فإنه أيضاً بمعنى اشتغال العهدة ببدله مع أنه لا دليل عليه ، فالظاهر عدم ثبوت الضمان في الموردين وفي المقبوض بالسوم إذا تلف من غير تقصير المشتري أو الزوج ، وببالي أنّ صاحب الجواهر (قدّس سرّه)(1)أيضاً يناقش في ثبوت الضمان في المقبوض بالسوم ، وكيف كان فخلط الضمان في الموردين بالضمان في المقام ممّا لا وجه له .

تلف بعض أجزاء المبيع أو أوصافه قبل القبض

تعرّض شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(2) في المقام لما إذا تلف جزء المبيع أو

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الجواهر 37 : 73 لكنّه يلتزم هنا بالضمان .
(2) المكاسب 6 : 281 .
ــ[309]ــ

وصفه قبل قبضه بكلا قسمي الوصف أعني الأوصاف الكمالية التي لها دخل في زيادة قيمة الشيء وسائر الأوصاف ممّا لا مدخلية له في زيادة قيمته ، فأمّا تلف بعض أجزاء المبيع فتفصيل الكلام فيه أنّ الجزء كما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) على قسمين : فإنه ربما يكون من قبيل الأجزاء التي يتقسّط عليها الثمن ويقابل بالمال في المعاملة ، واُخرى لا يتقسّط عليها الثمن .

فإن كان الجزء التالف قبل قبضه ممّا يتقسّط عليه الثمن ، فلا ينبغي الإشكال في أنه يوجب انفساخ المعاملة بالنسبة إلى ذلك الجزء وتبقى المعاملة في غير الجزء التالف بحالها ، غاية الأمر أنه يثبت للمشتري خيار تبعّض الصفقة ، كما يحتمل ثبوته للبائع أيضاً لأنه إنما باع المجموع دون نصفه مثلا .

وهذا الذي ذكرناه بناءً على أنّ المدرك في قاعدة « كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه » هو السيرة العقلائية ظاهر لا خفاء فيه ، فإنّ العقلاء بعد ملاحظتهم التسليم دخيلا في تمامية المعاملة والملكية لا يفرّقون بين تلف جميع المبيع أو بعضه .

وأمّا بناءً على أنّ مدركها الاجماع أو الخبران(1) فيشكل جريان القاعدة عند تلف الجزء الذي يتقسّط عليه الثمن ، لأنّ تحقّق الاجماع عند تلف الجزء أشكل من تحقّقه عند تلف الجميع ، والخبران إنما دلاّ على ثبوت الانفساخ عند تلف المبيع وإطلاق المبيع على جزء المبيع لا يخلو عن تأمّل لأجل الانصراف .

وأمّا بناءً على ما ذكرناه من السيرة فلا ينبغي التأمّل في جريانها في صورة تلف الجزء كما عرفت ، ومن هنا قلنا إنّ بعض أجزاء المبيع إذا ظهر مستحقاً للغير أو غير متموّل كالخمر والخنزير تصحّ المعاملة في الجزء الآخر وتبطل فيما ظهر مستحقاً

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المتقدّمان في الصفحة 301 .
ــ[310]ــ

للغير أو غير متموّل ، وفي المقام أيضاً نحكم بالانفساخ في الجزء التالف وبالصحة في غيره وهذا ظاهر .

وأمّا الجزء الذي لا يتقسّط عليه الثمن فالمراد منه هو جزء ذات المبيع لا جزء المبيع بعنوان المبيع ، فإنّ جزء المبيع بوصف المبيعية يستحيل أن لا يتقسّط عليه الثمن  ، فكونه جزءاً للمبيع وعدم تقسّط الثمن عليه متناقضان ، وهذا بخلاف جزء ذات المبيع ، وذلك لما أشرنا إليه في بحث الصحيح والأعم(1) من أنّ الموضوع له في مثل الإنسان والحيوان هو الأمر الثابت من أوّل وجوده إلى آخره من دون تبدّل ولا تغيّر في ذلك المسمّى مع تغيّره في ذاته ووصفه ، فزيد مثلا اسم لما هو باق من أوّل عمره إلى آخره سواء نقص شيء من أجزائه كما إذا قطعت يده أو بعض مصارينه أم بقي بحاله ، فاليد أو الرجل وإن كانا من أجزائه إلاّ أنه ليس من أجزاء المسمّى بزيد كما هو ظاهر ، وعليه فيكون المبيع في المعاملة هو ذلك المسمّى بزيد أو بالمبارك من دون ملاحظة كل جزء من أجزائه في البيع بأن يقوّم رأسه بقيمة ويده بقيمة اُخرى ، وفي مثله إذا حصل نقص في بعض أجزاء ذاته كاليد أو الرجل ونحوهما فهو من الأجزاء التي لا يتقسّط عليها الثمن ، فتلف مثل هذه الأجزاء لا يوجب الانفساخ لأنّها غير مقابلة بالمال حتى تنفسخ المعاملة بازائها ، وإذا حدث تلف شيء منها قبل العقد أو بعده وقبل القبض ، فكونها مضمونة على البائع ليس بمعنى الانفساخ بل هو بمعنى آخر كما سنبيّنه في تخلّف الأوصاف وتلفها قبل القبض .

وأمّا تلف الأوصاف قبل قبض المبيع فقد ظهر ممّا أشرنا إليه آنفاً أنه لا يوجب الانفساخ لعدم مقابلتها بالمال ، ولكنّها كالأجزاء غير المقابلة بالمال يوجب تعيّب المبيع ، فهل يكون العيب الحادث بعد العقد وقبل القبض كالعيب الموجود قبل

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) محاضرات في اُصول الفقه 1 (موسوعة الإمام الخوئي 43) : 181 ـ 182 .

ــ[311]ــ

العقد في كونه مضموناً على البائع واستلزامه الخيار بين الرد والفسخ وثبوت الأرش  ، أو أنه لا يوجب شيئاً من الخيار والأرش لاختصاصهما بالعيب الذي حدث قبل المعاملة ، أو هناك تفصيل بين الردّ والأرش والردّ ثابت دون الأرش أو الأرش ثابت دون الردّ ؟ وجوه ومحتملات .

فيمكن أن يقال بعدم ثبوت شيء من الأرش والردّ .

أمّا عدم ثبوت الأرش فلأجل أنّ الأرش غرامة شرعية وقد ثبت على خلاف القاعدة فيما إذا حدث العيب قبل المعاملة ، ومن هنا قلنا بعدم تعيّنه في خصوص الثمن لأنه غرامة ، بل لا يثبت إلاّ بعد المطالبة ، وما هذا شأنه يحتاج ثبوته إلى دليل ولا دليل على ثبوته في نقص الجزء أو الوصف بعد العقد وقبل القبض .

وأمّا الردّ فلأنه إنما ثبت في تعيّب المبيع قبل العقد وجريانه في تعيّبه بعد العقد وفي ملك المشتري يتوقّف على دليل ، هذا .

وقد استدلّ على ثبوت الردّ في المقام بوجهين كلاهما ضعيفان :

أحدهما : أنّ المبيع بمجموعه إذا كان مضموناً على البائع قبل قبضه فجميع أجزائه وأوصافه أيضاً مضمون عليه قبل قبضه .

وهذا الاستدلال قياس محض ، فإنّ ضمان المجموع كما عرفت بمعنى الانفساخ وهو لا يأتي في تلف الجزء أو الوصف غير المتقابلين بالمال ، فإنّ الانفساخ إنما يعقل في المبادلة ولا مبادلة في مثلهما ، وثبوت الضمان فيهما بمعنى آخر يحتاج إلى دليل
فهذا الوجه ساقط .

وثانيهما : قاعدة لا ضرر فإنّ الردّ لو لم يثبت للمشتري في المقام أي فيما إذا تلف الجزء أو الوصف بعد العقد ولم يتمكّن من ردّه يتضرّر لا محالة ، وبهذا استدلّ

ــ[312]ــ

العلاّمة (قدّس سرّه)(1) على ثبوت الأرش للمشتري ، إذ ربما يتعلّق غرضه الشخصي بابقاء العين فيكون ردّه موجباً لضرره ، وهذا بخلاف ما لو أبقاه مع مطالبة الأرش .

وهذا الاستدلال في كل من الردّ والأرش عجيب ، فإنّ النقص قد ورد على ملك المشتري في يد البائع وهي يد أمانية فبأيّ وجه يصح إرجاعه إلى البائع لأنه أيضاً يتضرّر بردّ المعيوب إليه أو بأخذ الأرش منه ، وإلاّ فلو تم ذلك فما الفارق بين حدوثه قبل القبض وبعده لأنه ضرري في كليهما على المشتري ، ولا بين مطالبة البائع أو غيره من المسلمين ، ولماذا لا يجوز له الرجوع إذا حدث بعد القبض ، ولا إلى غيره من المسلمين كأخذه الأرش من بيت المال ، فهذا الوجه ساقط أيضاً .

نعم هناك وجه آخر يتمكّن من إثبات خصوص الردّ به ، وهو أنّ ظاهر التزام البائع بتسليم العين إلى المشتري في ضمن المعاملة هو تسليمها على ما كانت عليه حين المعاملة من الأجزاء والأوصاف ، وإذا لم يسلّمها إليه أصلا لتعذّره أو لاختياره ، أو سلّمها ولكن لا على ما كانت عليه فثبت للمشتري خيار تخلّف الشرط ، وبه يتمكّن من الردّ كما هو الحال عند تعذّر التسليم ، هذا كلّه فيما إذا كان التلف بآفة سماوية .

وأمّا إذا حدث باتلاف متلف ، فإن كان المتلف هو البائع أو الأجنبي ، فيثبت للمشتري خيار تخلّف الشرط أيضاً ، لأنه أي المبيع لم يصل إليه بما كان عليه من الأوصاف والأجزاء حين المعاملة ، بل يثبت له أمر زائد أيضاً وهو تخيّره بين فسخ العقد ورجوعه بثمنه ، وبين إمضائه ومطالبة كل من البائع أو الأجنبي بقيمة التالف لأنه ملكه وقد عيّبه الآخر ، فإن رجع إلى البائع وكان المتلف هو الأجنبي فللبائع أن يرجع إلى الأجنبي بما غرمه للمشتري ، وأمّا إذا كان المتلف هو المشتري فبما أنّ عدم

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مختلف الشيعة 5 : 209 .
ــ[313]ــ

وصول العين إليه على ما كانت عليه من الأوصاف مستند إلى نفسه فلا يثبت له شيء من الردّ ولا المطالبة بشيء .

هذا تمام الكلام في القبض وبه تمّت دورة بحث المكاسب
والحمد لله أوّلا وآخراً
وقد وقع ذلك يوم الاثنين
بعد مضي ستة وعشرين يوماً من شهر ربيع الأول

من شهور سنة ألف وثلاثمائة وسبعة وسبعين من الهجرة النبوية

على مهاجرها السلام تحت القبّة العلوية
أعني المدرسة الكبرى للتشيّع
النجف الأشرف في زاوية المدرسة الخليلية الكبرى

[ عدد الزيارات: ] الكلام في النقد والنسيئة